من وحي ألف ليلة وليلة

من وحي ألف ليلة وليلة

صورة

لم تكن ألف ليلة وليلة زاد شهرزاد وحدها ووسيلتها لتنقذ بها حياتها وحياة بنات شعبها فحسب، بل كانت أيضاً زاد الرواة الشعبيين في المدن والحواضر العربية على حقب متطاولة من الزمن. ومن ميزات ألف ليلة أنها تتضمن طاقة إيحائية جبارة لما تحمله حكاياتها ونوادرها وأخبارها من أجواء خلابة ساحرة وأحداث طريفة ونماذج فريدة.

وسبب تسمية الكتاب بألف ليلة وليلة، يعود إلى نصّ المسعودي في «مروج الذهب» فيما قال«... مثل كتاب هزاز أفسان» وتفسير ذلك بالعربية ( ألف خرافة )، والخرافة بالفارسية يقال لها «أفسانه» والناس يسمّون هذا الكتاب « ألف ليلة ». أما إضافة كلمة « وليلة» إلى التسمية فقد وجدت حيثما نسق ودوّن الكتاب في مصر، فقد وضع جامعه المصري هذه التسمية عمداً للفت النظر. ومؤلف الكتاب ليس شخصاً واحداً بل عدداً من الأشخاص، ومن جنسيات متعددة، كما ترى الدكتورة سهير القلماوي : « إنه يجب الانتباه إلى كون واضع الكتاب هو مؤلف شعبي وليس أديباً، وأن تأليف الكتاب لم يتم في زمن ومكان واحد». ونستطيع حصر تاريخ جمع الكتاب بين سنتي 1475 و 1635 م.

تدين طبعات ألف ليلة وليلة الحديثة بشكلها وتبويبها إلى الطبعات الأولى للكتاب وأهمها :

1- طبعة كلكتا الأولى، وقد طبعت عام 1818 م، وهي ناقصة حوالي المئتي ليلة.

2- طبعة برسلو، سنة 1824 م، عن نسخة تونسية، وهي طبعة كاملة.

3- طبعة كلكتا الثانية، 1824 م، اعتمدت على مخطوطة مصرية، وهي كاملة.

4- طبعة برشلونة، وتقع في اثني عشر جزءاً، وظهرت خلال سنتي1835 و1843 م.

5- طبعة بولاق المصرية، وقد ظهرت سنة 1835 م.

6- طبعة المطبعة الكاثوليكية، في بيروت، سنة 1888 - 0981 م، وقد اعتمدت نسخة بولاق اعتماداً أساسياً.

وقد ترجمت ألف ليلة وليلة، إلى معظم اللغات الحية ابتداء من عام 1704 م. يضم صنف الحكايات التي وصفها إلى عصور لم يعشها الرواة، بل انتقلت إليهم أخبارها وعناصرها عن طريق شفاهي أو عن طريق المطالعة أو التأريخ الشعبي.

وفي هذا الصنف تبرز الحياة البغدادية زمن العباسيين، كما هو الحال في الحكايات التي يقوم فيها الخليفة هارون الرشيد بدور من الأدوار، إمّا ليجمع بين العشاق كما في حكاية « قوت القلوب وغانم بن أيوب» أو ليقوم بجولات ليلية ليرفّه عن نفسه كما في حكاية « أبي الحسن المغفل » وحكاية «الحمال والبنات الثلاث».

ما من حكاية في ألف ليلة وليلة إلا وتدور أحداثها في مدينة أو بين عدة مدن، تذكر أسماؤهم في مطلع الحكاية، وهي غالباً ما تكون بغداد، القاهرة، خراسان، الإسكندرية، القسطنطينية أو بلاد واق الواق أو مدينة النحاس.

وإذا كان الرواة قد عاشوا في بعض المدن فجاء تصويرهم لها مطابقاً للون المحلي العربي كما هو في تصوير القاهرة أو الإسكندرية، فإن هنالك من المدن ما انتقلت أخبارها إليهم ( القسطنطينية وبلاد خراسان ) أو ابتكرها خيالهم ( الممالك البحرية، مدينة النحاس ) ومع ذلك اتسم تصويرهم باللون المحلّي العربي.

تمتاز هذه المدن بقلة عدد سكانها، لذلك كان لا بد من أن تربط بينهم أواصر قويّة من المودة والألفة. ولعل قلة عدد السكان جعلت الحكام في الحكايات يكادون يعرفون أفراد شعبهم فرداً فرداً. وهذه القلة هي التي دفعت السكان ليروا عن كثب مظاهر الثراء والبذخ وحكايات الأحداث التي تدور خلف أسوار القصور.

وإذا كانت المدن تمتاز بقلة عدد سكانها، فهي أيضاً تمتاز بأسوارها، فما من مدينة إلا ويحيط بها سور يقفل عند الغروب ويفتح عند الشروق. وغالباً ما تتوقف التنقلات في الليل، ولعل هذا ما يشجع الخليفة هارون الرشيد على القيام بجولاته الليلية في الطرق والأزقة «حكاية الحمّال والبنات الثلاث» و «حكاية أبي الحسن المغفل».

ويدخل الخيال أحياناً في وصف المدن، كما حصل عند تصوير مدينة بغداد، فبغداد التاريخ تختلف عن بغداد ألف ليلة وليلة. إن تسرّب الخيال بغزارة إلى تصوير بغداد يجعلنا نصنفها ضمن المدن الخيالية. أما تصوير البصرة والقاهرة والإسكندرية، فقد كان أقرب إلى الحقيقة والواقع.

تمتاز مدينة البصرة بمينائها الذي تأتيه السفن من كل أطراف المعمورة، وهذا يستدعي وجود خانات ينزل فيها التجار فيكلفون من يحرس بغالهم وبضائعهم. وتمتاز البصرة بأسواق الجواري التي هي تحت رعاية الحكام، أمّا عمران البصرة، فإننا لا نعرف عنه شيئاً إلا ما ورد في حكاية «بدور بنت جبير» « ومعلومك يا أمير المؤمنين أن فيها، في البصرة سبعين درباً، وكل درب سبعون فرسخاً بالعراقي ».

ثم تأتي مدينة القاهرة التي تكثر فيها الأموال، فكان لا بدّ من أن يكثر فيها الترف والبذخ، وقد كانت الحمامات أولى مظاهر الترف، ووجود الحمام في الحكاية معناه أن هناك أحداثاً جساماً ستقع وتؤثر على مجرى الحكاية.

ففي الحكاية «حاسب كريم الدين» « يبث السلطان في حمام المدينة رجاله ليأتوا له برجل معين، وقد ترابط العجائز في الحمامات ليجتذبن الفتيات إلى الأثرياء والحكام ». ولم تذكر الحكايات مدينة دمشق إلا لماماً، وغالباً ما يكون حاكمها الخليفة عبد الملك بن مروان، كما في حكاية «عزيز وعزيزة».

ولم يكن وصف هذه المدن كلها حقيقة، بل كان من خيال الرواة يضفي على المدينة ألقاً ساحراً عند وصفها وتصويرها كبلاد « واق الواق» و «جزائر الكافور » و « مدينة النحاس» و « جزيرة سرنديب ».

ومما يلاحظ أن ذكر هذه المدن والبلدان وتصوير تقاليدها وعاداتها، جاء مشابهاً لما هو عند القزويني في «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» و «آثار البلاد وأخبار العباد». ونصادف هذا التشابه أيضاً في « فريدة العجائب» لابن الوردي، و « نخبة الدهر» للدمشقي.

وغالباً ما تكون أحداث الحكاية في خدمة حب المرأة، والمرأة في ألف ليلة وليلة قد تكون ملكة وقد تكون جارية، إنما من الصعب لمس الفرق بين الملكة والجارية « مريم الزنارية ». والمرأة تكون جنيّة يعشقها أفراد الأنس «جلنار البحرية»، المرأة امرأة جميلة ونادرة الجمال،

وكثيراً ما تفنّن الرواة في وصف محاسنها، وهي شابة، أو عجوز، والعجائز يقمن بأدوار هامّة في تغير مجرى أحداث الحكاية والسيطرة عليها. وكثيراً ما يساعدن على الجمع بين العشاق والتقريب بينهم، ولكنهن في بعض الأحيان خطرات شريرات لا يؤمن لهن جانب، مثل « شواهي » في حكاية « عمر النعمان ».

يؤلف التجار طبقة ذات ثراء فاحش يصل في بعض الأحيان إلى ثراء الملوك بل وقد يفوقه. ولهذه الطبقة نفوذ كبير لدى الحكام وغالباً ما تمدهم بالمال، وقد يتزوج التاجر الغني بنت السلطان أو بنت الملك، كما قد يتزوج ابن الملك أو ابن السلطان بنت التاجر الغني، وغالباً ما يكون للتجار زعيم يلقب بشهبندر التجار.

ولم تكن نماذج الحرفيين والمهنيين أقل انتشاراً وتنوعاً من النماذج الأخرى في ألف ليلة وليلة، وهي حيناً تكون نماذج خياطين وطهاة « حكاية الخياط والأحدب اليهودي والطاهي النصراني »، وحيناً تكون نماذج حطابين « حاسب كريم الدين، علي بابا » كما نجد الصياد والخباز في حكاية « عبد الله البري وعبد الله البحري» والحلاق والصباغ في حكاية «أبي صير وأبي قير» والإسكافي في حكاية « معروف الإسكافي».

أطرف نماذج ألف ليلة وليلة هي نماذج الشحاذين والصعاليك، فهي نماذج عابثة، وأبرز مميزاتها أنها مجهولة الماضي غامضة التصرفات « الصعاليك الثلاثة في حكاية الحمّال والبنات الثلاث ».

إن وجود الحيوان في الحكاية ليس إلا من قبيل الرمز، أما من حيث المعنى فهو إسلامي ( الحمام يرمز إلى معنى التسبيح بحمد الله ) وقد توجد رموز ذات معانٍ ميثولوجية إغريقية كالثور عندما يرمز إلى حمل الأرض، وكثيراً ما يتفنن الرواة في وصف الطير عند ذكر رحلات القنص،

وقد يلعب الطير دوراً هاماً في تغيير مجرى أحداث الحكاية، كما في حكاية « قمر الزمان والملكة بدور». وهناك الحيوانات الخرافية كالحصان الطائر في حكاية « الحمّال والبنات الثلاث » وحكاية « فيروزشاه »، والرّخ في حكاية « السندباد البحري ».

والجن والعفاريت تتكلم لغة الإنسان، وولادة حلبنار البحرية في حكاية « بدر باسم جوهرة » لا تختلف عن ولادة أهل البرّ، وقومه يشتهون الفواكه كما يشتهيها أبناء البر، كما أن الجن تنقسم في ألف ليلة وليلة إلى فئتين فئة مؤمنة مطمئنة إلى مصيرها يوم القيامة، وفئة كافرة حلت عليها اللعنة « حكاية أبو محمد الكسلان ».

وقد تقع العفاريت في حبّ الإنسيات «خبر الصعلوك الثاني في حكاية الحمال والبنات الثلاث ». كذلك تنعدم السمات الإلهية في الأدوات الخارقة التي كثيراً ما ترد في الحكايات وتكون العقدة متوقفة عليها، كالحصان الطائر وجراب التاجر وطاقية الإخفاء وخاتم سليمان والسرير الطائر. وأحداث الحكايات، معظم الحكايات، تسير دائماً إلى تكريس المساواة بين أبطال الحكايات وإلى تتويج انتصار الخير على الشر والحقّ على الظلم.

فيصل خرتش

*الكتاب:من وحي ألف ليلة وليلة

*الناشر:المكتبة الأهلية ـ بيروت 2007

*الصفحات: 1148 صفحة من القطع الكبير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات