00
إكسبو 2020 دبي اليوم

تاريخ لبنان منذ البداية وحتى القرن العشرين

تاريخ لبنان منذ البداية وحتى القرن العشرين

ت + ت - الحجم الطبيعي

ساهم في تأليف هذا الكتاب العديد من الباحثين اللبنانيين والفرنسيين، نذكر من بينهم: جورج طعمة العميد السابق للجامعة اللبنانية، وكمال صليبي الأستاذ السابق في الجامعة اللبنانية ببيروت، ومنير إسماعيل الأستاذ في الجامعة اللبنانية وجامعة القديس يوسف، وجان ريشار العميد السابق لكلية الآداب في جامعة ديجون بفرنسا، وأستاذ علم الجغرافيا حالياً في جامعة الكسليك بلبنان، هذا بالإضافة إلى آخرين عديدين.

وأشرف عليه الراحل بطرس ديب الذي كان مديراً عاماً لرئاسة الجمهورية اللبنانية، ورئيساً للجامعة اللبنانية، وسفيراً للبنان لدى الفاتيكان، واليونسكو، وباريس. وهو الذي قاد أعمال فريق البحث الذي أدى إلى تأليف هذا الكتاب الجماعي الضخم وذلك قبل أن يتوفى مؤخراً.

يتألف الكتاب من مقدمة عامة وعدة أجزاء ضخمة وكل جزء يتفرع إلى عدة فصول. فالجزء الأول مثلاً يتحدث عن المنشأ التاريخي للبنان، أي عن جغرافيته، ومياهه، وموارده الطبيعية، ومناخه، واقتصاده، الخ. باختصار فإنه بموضعه ضمن بيئته ووسطه الطبيعي.

أما الجزء الثاني فيتحدث عن أول شعب سكن لبنان، أي الفينيقيين. هذا في حين أن الجزء الثالث يكرّس حديثه للبنان في العهد اليوناني بعد فتح الإسكندر المقدوني له. أما الفصل الرابع فيتحدث عن لبنان في عهد الإمبراطورية الرومانية.

هذا في حين أن الفصل الخامس مكرس لدراسة الفتح العربي وتشكيل دولة مركزية عربية ـ إسلامية. وهناك يقول كاتب الفصل محمد حمادة الأستاذ السابق لتاريخ القرون الوسطى والإسلام الكلاسيكي في الجامعة اللبنانية ما يلي:

بعد حوالي الألف سنة من السيطرة اليونانية ـ الرومانية على لبنان عاد هذا البلد من جديد إلى دائرة السامية واستدار نحو الشرق لا الغرب في ظل الفتح العربي الإسلامي. وهذا الوضع الجديد هو حصيلة الخلافات اللاهوتية التي نشبت بين المسيحيين المحليين وبيزنطة من جهة،

وكذلك الصراعات الدامية بين الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية البيزنطية من جهة أخرى. وهي صراعات أدت إلى إنهاك قوى كلتا الإمبراطوريتين وبالتالي إفساح المجال أمام الفتح العربي الذي وجد الطريق سالكة أمامه عندئذ والشعوب مرحبة به.

فشعوب المنطقة كانت قد ملّت من القمع البيزنطي والفارسي على حد سواء. يضاف إلى ذلك أن الفرسان الفاتحين القادمين من أعماق شبه الجزيرة العربية كانوا على صلات طيبة مع السكان المحليين الذين هم عرب مثلهم في قسم كبير منهم.

والواقع أن العرب كانوا موجودين في لبنان قبل الإسلام. ولذلك فإنهم رحبوا بأبناء قوميتهم الفاتحين الآتين بدين جديد. وقد حررهم هذا اليوم من تعسف الحكام السابقين. أما الباحث جان ريشار فيتحدث عن أوضاع لبنان في زمن الحروب الصليبية، ويقول بما معناه:

إن مجيء الصليبيين إلى المنطقة واستقرارهم فيها لمدة قرنين من الزمن أدى إلى تغيير كبير في أوضاع لبنان. نقول ذلك على الرغم من أن أهداف الحملة الأولى لم تكن تشمل لبنان ضمن مخططها. فالبابا أوربان الثاني الذي أعلن الحروب الصليبية قال لقادة الحملة: اذهبوا إلى المشرق وأنقذوا إخوتكم المسيحيين الواقعين تحت سيطرة الأتراك. وبالتالي فلم يكن يفكر في لبنان في البداية.

ولكن بعد أن وصلت الحملات الصليبية إلى المنطقة وسّعت مشروعها لكي يشمل لبنان وسوريا وفلسطين وجميع المناطق التي كانت مسيحية ثم أصبحت إسلامية بعد الفتح العربي. وهكذا عاش لبنان مدة قرنين من الزمن تحت حكم الصليبيين بكل ما يعنيه ذلك من انقسامات داخلية لا تزال آثارها بادية للعيان حتى الآن. فقد أذكت نار الصراع بين المسيحيين والمسلمين.

وهناك فصول أخرى في الكتاب تتحدث عن لبنان في ظل الأيوبيين، والمماليك، والفتح العثماني، ثم الانتداب الفرنسي، ثم الاستقلال وحتى هذه اللحظة تقريباً. لكن لنعد إلى المقدمة العامة للكتاب حيث يوضح الأستاذ بطرس ديب الخطوط العريضة للمشروع. يقول بما معناه: لماذا ننشر كتاباَ جديداً عن تاريخ لبنان؟ ألا توجد في المكتبات عشرات التواريخ عن هذا البلد الجميل؟

والجواب هو أننا نقدم لأول مرة تاريخ لبنان في كليته الشمولية منذ بداية البدايات وحتى اليوم. وعندما ننظر إلى تاريخ لبنان في كليته نلاحظ أنه كان ممراً للفاتحين وملاذاً للمضطهدين الخائفين في آن معاً. ولم يكن الموارنة هم السكان الوحيدون لجبل لبنان.

وإنما لحق بهم المسلمون الدروز والشيعة أيضاً منذ عهد مبكر. أما المسلمون السنة فقد بقوا في أغلبيتهم من سكان المدن الشاطئية وأن يكون بعضهم قد استقر أيضاً في الجبل. ولكن حصلت بالطبع تطورات عديدة بعد الاستقلال وأدت إلى اختلاط السكان ببعضهم البعض كثيراً وبخاصة في المدن ولكن تبقى هناك بعض الخصوصيات في مناطق معينة تغلب عليها هذه الطائفة أو تلك.

ثم يتحدث بطرس ديب بعدئذ عن لبنان في عهد الانتداب الفرنسي ويقول: إن هذه الفترة تغطي ما بين الحربين العالميتين وتستمر حتى عام 1943 تاريخ استقلال لبنان. وفرنسا هي التي شكلت لبنان بحدوده الحالية وفصلته عن سوريا كما هو معلوم. والواقع أن المسلمين ما كانوا يريدون هذا الوضع: أي أن يستقل لبنان عن سوريا. لماذا؟

لأنهم كانوا يخشون من أن يهيمن عليه الموارنة. يضاف إلى ذلك أن المسلمين كانوا متعلقين عموماً بالوحدة السورية أو العربية على وجه التحديد، ولا يريدون عزل لبنان عن مناخه الطبيعي أو محيطه العربي الواسع. ولكن الجنرال غورو حاول طمأنة المسلمين عندما قال لهم ما معناه: إذا كنا من أحفاد الصليبيين فإننا أيضاً من أبناء الثورة الفرنسية التي ساوت بين الشعوب ورفعت شعار الحرية والإخاء والمساواة للجميع دون تمييز.

وبالتالي فنحن لسنا ضد المسلمين. وسوف نحترم جميع الأديان والطوائف ونعاملها على قدم المساواة. فروح التسامح هي التي تشكل جوهر الثورة الفرنسية وكذلك مبادئ التقدم والعدالة الاجتماعية. ولكن الكلام شيء والفعل شيء آخر. فالواقع أن الموارنة هيمنوا على لبنان فترة الانتداب وحتى بعد الاستقلال. ويمكن القول ان هيمنتهم لم تنته إلا بعد الحرب الأهلية (1975 ـ 1990)، واتفاق الطائف الذي ساوى بين المسيحيين والمسلمين من حيث توزيع السلطات والمسؤوليات.

ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن الأحزاب السياسية اللبنانية أثناء فترة الانتداب ويقول: كان هناك الحزب الشيوعي، وحزب النداء القومي العربي، وعصبة العمل القومي، والحزب القومي السوري لانطون سعادة، وحزب الكتائب، وحزب النجادة، وحزب الكتلة الوطنية، والأحزاب الأرمنية. ومن أهم العهود في تاريخ لبنان الحديث عهد فؤاد شهاب (1958 ـ 1964) الذي كان يتميز بقوة الشخصية ورجحان العقل.

وقد شهد لبنان في عهده ازدهاراً كبيراً وأصبح سويسرا الشرق كما يقولون. والواقع أن جمال لبنان الواقع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط والمحاط بالتلال والجبال كان ساحراً. وكان يجذب إليه الكثيرين منذ الخمسينات وحتى بداية الحرب الأهلية، أي طيلة ربع قرن. طيلة كل تلك الفترة كان لبنان مركز الثقافة العربية ودور النشر والإبداع ولا يزال بشكل من الأشكال حتى الآن.

ولكن العرب راحوا يصفّون حساباتهم الداخلية على أرضه فدمروه. ولم يستعد عافيته عام 1990 إلا بعد جهد جهيد. مهما يكن من أمر فإن الدور الكبير الذي لعبه لبنان على الصعيد الثقافي انعكس إيجابياً على كل أنحاء العالم العربي، وكان السبب في النهضة الحديثة. فكل المقموعين في البلدان المجاورة كانوا يأتون إليه لكي يبدعوا في جو من الحرية غير معهود في العالم العربي.

*الكتاب:تاريخ لبنان منذ البداية وحتى القرن العشرين

*الناشر: فيليب ري ـ باريس 2006

*الصفحات :1008 صفحات من القطع الكبير

Histoire du Liban des origines au XXe siècle

Philippe Rey-paris2006

p.1008

طباعة Email