الفضاء العربي وتفاعلاته في التاريخ المعاصر

الفضاء العربي وتفاعلاته في التاريخ المعاصر

مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور عبدالله تركماني، الباحث في القضايا الإستراتيجية، وهو سوري الجنسية يقيم في تونس. وسبق له أن أصدر العديد من المؤلفات والدراسات، منها: «مقاربة أولية لأهم الحقائق التي أكدها العدوان على العراق، 1992»، و«قراءة متمعنة في كتاب حرب الخليج: أوهام القوة والنصر لمحمد حسنين هيكل، 1992»،

و«فكفكة المقاطعة العربية لإسرائيل بين الضغوط الغربية والاستجابة العربية 1993»، و«مقاربات عربية يسارية حول قضايا فكرية وسياسية، 1994»، و«مقاربات حول قضايا التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي، 1995»، و«الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي والمسألة القومية من العشرينات إلى حرب الخليج الثانية، 2002».

وشارك في العديد من الكتب التي تتناول قضايا فكرية وثقافية عربية مع مؤلفين آخرين. وفي كتابه الجديد «الفضاء العربي وتفاعلاته في التاريخ المعاصر»، يتفحص تركماني الأزمة العربية الشاملة المفتوحة، بوصفها إحدى الأزمات التي تتقلص فيها الاختيارات

إلى اثنين لا ثالث لهما: إما الغرق في الأزمة والدخول في مسلسل من التدهور والفوضى والانحلال والضياع. وإما تجاوزها إلى وضعية جديدة تماماً، انطلاقاً من التفكيك الواعي للوضعية القائمة المأزومة والشروع في عملية بناء جديدة، بمنطلقات واستشرافات جديدة كذلك.

وبالتالي فإن وضوح الرؤية هو شرط لتناول ليس الأزمة العربية فقط، بل مختلف تفاعلات وإرهاصات الفضاء العربي، وذلك لا يستوى إلا بإحداث قطيعة مع الرؤى القديمة، التي كانت تعطي الأولوية للاعتقاد على حساب الحق، وللإيديولوجيا على حساب العلم والمعرفة،

وللميل الذاتي والتفكير الرغائبي على حساب الواقع الموضوعي. ويجد المؤلف نفسه أمام صعوبة كبيرة في اكتشاف قواعد اللعبة المعقدة، تلك التي حكمت التأثير المتبادل بين العوامل الداخلية والخارجية، لما آلت إليه الحال العربية.

خاصة وأن الفكر السياسي العربي اعتاد على تحميل الاستعمار كل بلايا ومصائب التاريخ العربي، وأطلق العنان لديماغوجية رنانة تجعل من العداء للإمبريالية و الصهيونية - مع أنه عداء يعد مبرراً تاريخياً وواقعياً - وسيلة للتنفيس عن الغضب،

وصبه على العامل التاريخي الذي أصبح «شيطان العرب»، ليعفي العامل الداخلي من النقد والمساءلة، ويتستر - بالتالي - على آليات وأدوات الهيمنة الإمبريالية لقوى العولمة، أو يجهلها، بما جعله عرضة لسياساتها، سواء بقصد أو من دون قصد.

وينحاز المؤلف إلى الفكر العقلاني النقدي، المستوعب لحصاد التجربة العالمية، والمنفتح على مختلف التيارات الفكرية والسياسية العربية، كي يتجاوز الصعوبات المنهجية في التعاطي مع الأسئلة المصيرية، ومع تفاعلات الفضاء العربي المعاصر.

وعليه يتناول أغلب القضايا التي تفاعلت في عالمنا العربي المعاصر خلال القرن العشرين: أصول التجزؤ العربي، الوحدة العربية ومآلاتها، إعادة هيكلة الفكر القومي وطرح قضاياه، إعادة صياغة القضايا العربية، الجامعة العربية ومستقبلها العرب والعراق الجديد، وأية عروبة في المستقبل، ومأزق السلطة والتنمية،

وديمومة الاستبداد والمشكلات التي ولدها، ومعوقات الحداثة، ومعوقات السلام العربي - الإسرائيلي وآفاقه، وهل يمكن أن تتأسس فاعلية جديدة عربية. وفي سياق تفحصه المكان العربي وتفاعلاته في القرن العشرين، يرى المؤلف أن خصوصيات الجغرافيا العربية تحتاج إلى إعادة درس وتقييم، لأنها تمت «أدلجتها» قومياً بتكرار مقولة: إن العالم العربي وحدة طبيعية.

في حين أن المعطيات الجغرافية، طبيعة وموقعاً، ليست لصالح العرب تلقائياً. لذلك، فإن هذه الحقيقة الطبوغرافية عن العالم العربي لا بد من تحليل آثارها بجلالها، إذا أردنا صورة دقيقة عن نوعية «الوحدة» و«الدولة الموحدة» التي شهدها في ماضيه، أو عن إمكانات توحيده في المستقبل، والعقبات الحقيقية التي عرقلت هذا التوحيد.

فضلاً عن أن العالم العربي شهد تشكل مجتمعان، الأول، هامشي أو مهمّش، يتكون من غالبية الأرياف والبوادي وأقسام من المدن، والثاني، جديد / سياسي، مجتمع مدن، مهن وحرف جديدة ومتغيرة، طلاب وتعليم حديث، سياسة وأحزاب. ولا شك في أن هذين العالمين يقترقان عن بعضهما في كثير من النواحي.

ومع صعود نجم العسكر وانقلاباتهم الشعبوية ووصولهم إلى حكم بعض البلدان العربية، جرى ترييف المدن وبدونتها، بدلاً من تحديث الريف والمجتمع، وبات الدارس للسياسات العربية بشكل عام، خلال منعطفات القرن العشرين، يجدها موسومة بثلاث خصائص رئيسية،

أولها: اللاعقلانية، حيث لم يعرف الفكر السياسي العربي مخاضا إيديولوجيا مثل الذي عرفته أوروبا في عصر الأنوار والثورات القومية الديمقراطية التي عصفت به، فجعلته ينتقل بالسياسي من إسار اللاهوت والأخلاق إلى سياق العلم و الممارسة.

ونتيجة لذلك فقد تميزت السياسات الحديثة بالواقعية، أي أنها انطلقت في تعاملها مع الأحداث من الأمر الواقع وموازنين القوى القائمة باتجاه المحافظة عليها أو تغييرها، وبذلك عبرت هذه السياسات عن المصلحة القومية.

وثاني الخصائص هي اللا ديمقراطية، إذ أن السياسات العربية أديرت من قبل نخب بالغة الضيق بمعزل عن الشعب بمختلف طبقاته وفئاته وتياراته السياسية والفكرية، مما جعلها سياسات مرتجلة وغير منسجمة مع مصالح الأمة حيناً أو في تناقص معها أحياناً أخرى.

وثالث الخصائص هي القطرية، حيث أن الميسم القطري كان واضحاً في السياسات العربية خلال أغلب مراحل القرن العشرين، و ان تغلفت أحياناً بالشعارات العربية القومية.

ويلاحظ المؤلف أن ظهور الدولة العربية، بعد مرحلة الاستقلال، لم يكن نتاجاً لتفاعل التناقضات الاجتماعية وتطورها في صورة مجتمعية جديدة، بل كان ظهوراً مصطنعاً وهامشياً، لذلك تجلت هامشية دورها عندما شرّعت ونظمت وعمّقت الفوارق بين طاقم سلطتها وبين سائر المجتمع.

وبقي العالم العربي متأخراً، في ظل استبدادية واستغلالية السلط العربية، ولم يستطيع السيطرة على موارده ومصيره، وبقيت الفجوة الحضارية التي تفصله عن المجتمعات المتقدمة واسعة، بمعنى أن الأنظمة الاقتصادية العربية تميزت بالتبعية وبالفجوة ما بين الأقطار الغنية والفقيرة، والفجوة بين الأغنياء والفقراء داخل كل بلد، وبعدم التوازن بين القطاعات الاقتصادية.

ونتج عن ذلك غياب المشاركة السياسية للجماهير العربية، وسيطرة شخص الحاكم الذي تسنده نخبة محدودة على مقاليد الأمور، والانفصال بين الحاكم والمحكوم، وعدم وجود تفاعل بين أمنيات ومطالب المحكومين والسلوك السياسي للحاكم، وغياب المؤسسات السياسية الفاعلة القادرة على إعداد وتدريب وتجنيد المواطنين، وغياب البنى الاقتصادية والاجتماعية والإطار الثقافي والفكري اللازمين للممارسة الديمقراطية.

ولا شك في أن انخراط العرب في العالم المعاصر، يتطلب البحث عن مضمون جديد لحركتهم العربية القومية، وعليه يحفر المؤلف في أزمة المشروع القومي العربي، حيث مازالت الأمة العربية تنتقل من إخفاق إلى إخفاق، وتعيش اللحظة التي تلتقي فيها النهاية مع البداية، والتي تمتد جذورها في عمق التاريخ الحديث، تاريخ الأزمة الواقعية التي تعيشها المدينة العربية، بما هو تاريخ استبعاد الأمة من ساحة الفعل والمبادرة والمشاركة العالمية.

ويتحدد أساس الخطأ في أن التيار القومي عندما وصل إلى السلطة لم يعط المسألة الديمقراطية اهتماماً يذكر، بل أنه كان ينظر إليها كعائق أمام التنمية، وأمام دور الحزب الواحد والقائد الأوحد. فالتعددية الفكرية والسياسية، وتنوع المجتمع قومياً وطائفياً، كانا يعنيان الانقسام والتجزئة، ولم يرَ التيار القومي فيهما مصدر إغناء للتجربة القومية.

ويطالب المؤلف بالقيام بمراجعة فكرية جذرية للخطط والسياسيات والمُثل والعقائد والأفكار التي بلورت الإخفاق القومي العربي، ذلك أن القطيعة مطلوبة مع الفكر والإشكاليات والأطروحات القومية القديمة، وإعادة هيكلة الفكر القومي، بما يقتضي وتعيين المحاور والمستويات التي تستدعي إبراز المشاكل والأزمات التي كانت الحركة القومية تخفيها أو تمرّ عليها مرور الكرام.

عمر كوش

*الكتاب:الفضاء العربي وتفاعلاته في التاريخ المعاصر

*الناشر: دار الأهالي ـ دمشق 2007

*الصفحات:167 صفحة من القطع الكبير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات