روايات خالدة

المصابيح الزرق

صورة

«لم أكن أتصور حتى في الأربعين من عمري أنني سأصبح كاتبا معروفا فقد ولدت بالخطأ ونشأت بالخطأ وكتبت بالخطأ أيضاً»، ذلك ما ذكره الروائي السوري حنا مينة الذي اعتبر من أهم وأعظم كتاب الرواية في العالم العربي. ولد حنا مينة عام 1924 في مدينة اللاذقية وهاجرت عائلته عندما كان طفلا إلى مدينة السويدية (اسكندرونة حاليا) وبعد ذلك انتقل إلى الريف وبقى فيه عدة أعوام.

وفي الثامنة من عمره دخل المدرسة الابتدائية عام 1936 واضطر بسبب الفقر الشديد لترك دراسته بعد حصوله على الشهادة الابتدائية والعمل في مهن كثيرة منها حمال في المرفأ كوالده إلى حلاق وغير ذلك. وبشهادته الابتدائية كان المتعلم الوحيد في حي (المستنقع) وعليه فقد عاش طفولته في مجتمع أمي متخلف، لكنه حينما بدأ العمل كحمال في الثانية عشرة من عمره تعلم من الحمالين أولى مبادئه السياسية من خلال نضالهم المبكر ضد الانتداب الفرنسي والاقطاع. وحينما استقرت العائلة في اللاذقية عمل حلاقا ثم انتقل إلى دمشق عام 1947 ليعمل في الصحافة، وقد بدأ مشواره مع الأدب منذ عام 1942 حيث كتب ونشر قصصا قصيرة ونظرا لعدم احتفاظه بنسخ عنها فقد ضاعت جميعها. وقد حفزه نضاله ضد النازية والاحتلال الفرنسي إلى كتابة الأخبار والمقالات الصغيرة حتى تدرج ليصل إلى كتابة القصص القصيرة ونشرها في صحف سورية ولبنانية، كما كتب مسرحية دونكيشوتية ضاعت أيضا مع القصص.

كانت أولى رواياته هي (المصابيح الزرق) التي ترجمت إلى الروسية والصينية، ثم (الشراع والعاصفة)، و(الثلج يأتي من النافذة) التي يتم تدريسها بالسوربون بفرنسا، و(الشمس في يوم غائم) وترجمت إلى الفرنسية والانجليزية ، (الياطر) وترجمت إلى الصينية والانجليزية، و(المستنقع) و(المرصد) و(حكايا بحار) و(الدقل)، (مأساة ديمتريو) (القطاف) و(حمامة زرقاء في السحب)، (نهاية رجل شجاع) ثم مجموعة قصصية بعنوان (الأبنوسة البيضاء) وله دراسات أدبية مثل (ناظم حكمت) و(ناظم حكمت ثائرا) و (أدب الحرب) و(هواجس في التجربة الروائية).

ومعروف عن حنا مينة أنه الأديب العربي الأكثر انتشاراً بعد نجيب محفوظ ويأتي معه في نفس المستوى الشاعر الراحل نزار قباني، فرواياته يتم إعادة طبعها كثيرا ومنها ما وصل إلى الطبعة الخامسة والسابعة، وهو من الأدباء المعدودين في العالم العربي الذين كتبوا عن البحر.

ويقول عن نفسه بهذا الشأن(لحمي سمك، دمي ماؤه المالح، صراعي مع القروش صراع حياة، أما العواصف فقد نقشت وشما على جلدي، إذا نادوا يا بحر! أجبت أنا! البحر أنا، فيه ولدت وفيه أرغب أن أموت). ويبين حنا مينة أن فترة عمله كبحار هي أهم مرحلة من حياته إلا أن الحرب العالمية الثانية أقصته عن عمله هذا حيث عمل بعدها أجيرا ومصلح دراجات ومربي أطفال وحلاقاً وصحافياً وكاتب مسلسلات إذاعية ثم موظفاً حكومياً وأخيراً روائياً.

تعتبر رواية حنا مينة «المصابيح الزرق» العمل الأول له في الأدب الروائي، وتطلبت منه كتابتها ما يقارب من ثلاث سنوات حيث كان يلغي ويعيد كتابة فصول بأكملها. وتدور أحداثها منذ بدء الحرب العالمية الثانية وحتى انتهائها، وتشكل أزمة الحرب عقدة الرواية. أما الأحداث فتتمحور حول حياة كاملة لمجموعة من سكان أحد الأحياء في مدينة اللاذقية في سوريا.

وأسوة بطابع الروايات الكلاسيكية فإن البطولة لا تنحصر في شخص أو اثنين أو ثلاثة بل بشريحة من المجتمع تجمع نماذج عديدة ومختلفة سواء في آلية التفكير أو الهدف أو في تعاملها مع الأزمات من خلال منظومة القيم والمثل المتعارف عليها.

وعلى الرغم من أن الرواية تبدأ وتنتهي بفارس إلا أنه ليس بطلها بل فتاها الأول، فهناك في الدار الكبيرة تعيش مجموعة من العائلات الفقيرة. فهناك أم صقر المرأة العجوز التي تخدم في البيوت وابنها الشاب العاطل عن العمل، ومريم السوداء وزوجها نايف الملقب بالفحل وهما قصة بمفردهما.

ويستعرض الروائي من خلال الأحداث كيف يعيشون ويتعاملون مع بعضهم البعض وكيف يفكرون ويتفاعلون مع الأحداث وفكرة النضال والمستعمر والبحث عن لقمة العيش، إلى جانب نماذج من الشخصيات الانتهازية التي تسعى لتحقيق المكاسب على كافة الأصعدة والمتمثلة في مختار الحي جريس الذي لا يجد ضيرا في محاباة السلطة وتحقيق الفائدة المادية على حساب الفقراء وحرمانهم من بطاقات التموين الخاصة بهم.

ومن خلال صراع البقاء والنضال تتبلور الشخصيات ومنها الفتى فارس الذي بدخوله السجن بسبب ضربه للفران حسن حلاوة، ينتقل إلى مرحلة الرجولة. وفيه يتكشف أمامه عالم جديد يضم السياسيين والمثقفين وغيرهم، ويفاجأ بعد إطلاق سراحه بتدهور الحياة في الخارج ويعيش صراعا بين مثله في النضال الثوري وبين البحث عن عمل ولقمة العيش، ويتوج هذا الصراع عندما يقع في حب ابنة الجيران رنده.

وخلال رحلة بحثه يتعرف القارئ على «الصفتلي» وهو صياد يشقى في كسب رزقه ويشارك الآخرين همومهم الناشئة من الحرب والاحتلال، ومحمد الحلبي القصاب والمناضل بصورة سرية وبشارة القندلفت المخمور على الدوام على الرغم من أنه يعمل كخادم في إحدى الكنائس.

ويدفع تردي الوضع الاقتصادي بفارس إلى التطوع للحرب ضد الألمان والسفر مع صديقه نجوم على الرغم من إدراكه أن تطوعه يعني هدر حياته لصالح الأجنبي وإغضاب والده وخيبة المناضلين فيه وعلى رأسهم الحلبي. كانت حاجته للعمل وتحقيق حلمه بالزواج من رنده أقوى من أي دافع آخر في داخله.

وبسفره يعود الروائي إلى والد فارس الذي يرى حياته تتكرر أمامه مرة أخرى، ولكن بنهاية مختلفة حيث يقتل فارس بقذيفة وتموت رنده بمرض السل، ليبقى الأمل في المظاهرات والاحتجاجات والثورة على المحتل بعد انتهاء الحرب.

تعليقات

تعليقات