كاتب وكتاب

الرواية وحدها تقول الحقيقة في زماننا

ت + ت - الحجم الطبيعي

أجرى جيري فيهلي، المحرر بصحيفة «الاندبندنت» اللندنية هذه المقابلة مع الروائي الجزائري ياسمينة خضرا بمناسبة صدور الترجمة الانجليزية عن الفرنسية لروايته «الهجوم» التي تعد الجزء الثاني من ثلاثية روائية صدر الجزء الأول منها تحت عنوان «سنونوات من كابول» ويصدر الجزء الثالث منها في الخريف المقبل وهو عما تشهده العاصمة العراقية بغداد اليوم.

ويبادر ياسمينة خضرا في المقابلة إلى الدفاع عن نفسه في مواجهة الاتهامات التي وجهت له بأنه يخلط الأوراق في هذه الرواية ويقدم المناضل الفلسطيني المدافع عن أرضه ووطنه على أنه «ارهابي»، ويشير إلى أنه يحاول تعريف الغرب بحقيقة ما يجرى في الشرق، وان الرواية بالنسبة له هي أداة ووسيلة لقول الحقيقة. وفيما يلي نص المقابلة:

النهار حار للغاية في مدينة إكس آن بروفانس. وفي شرفة المهرجان المزدحمة في جادة ميرابو، التي تعتبر الساحة الرئيسية للقاء في المدينة، ينطلق الندل مسرعين في أرجاء المكان، وعلى محياهم تعبيرات توحي بأن هذا الوقت ليس أفضل الأوقات لقيام رواد المكان باستدعائهم. ها هنا يجلس محمد مولهول، وهو ضابط سابق بالجيش الجزائري في صدر الخمسينات من عمره، قصير القامة، رشيقها وقد اكتست بشرته بلون النحاس بعد زيارة لجزر الهند الغربية.

وهناك ما يوحي بصلته بالجيش في قوة مصافحته. وعلى الرغم من عويناته الكبيرة ذات اللون القصديري، فإنك تلمح في عينيه الكآبة والاقتتال اللذين عرفتهما بلاده التي لاتزال تعاني من الاضطراب بعد عقد من الحرب الأهلية التي كان شاهداً عن قرب عليها.

ومولسهول معروف بصورة أفضل باسم ياسمينة خضرا، وهو الاسم الأدبي الذي قدم تحته بعضاً من أكثر الأعمال الروائية التي صدرت في فرنسا في السنوات الأخيرة طموحاً. وقد وجد معجبين كثيرين بأعماله في صدارتهم جي.إم.كويتزي الفائز بجائزة نوبل الذي يشاركه كراهية الكتابة السهلة التي تحظى بالإجماع على الحماس لها.

ويلاحظ أن محكمي جائزة الجونكور الفرنسية قد أشاحوا بأنظارهم، أخيراً، عن رواية «الهجوم» الصادرة لياسمينة خضرا ومنحوا الجائزة لعمل أقل قيمة كتب على الضفة اليسرى لباريس، الأمر الذي يؤكد أن المؤلفين العرب الذي يكتبون بالفرنسية وبصفة خاصة الذين يؤلفون كتباً لها أهميتها يتعين أن يعملوا بجد بصورة مضاعفة لقاء مردود أقل كثيراً من غيره.

وتشكل رواية «سنونوات من كابول» الجزء الأول من ثلاثية ينطلق ياسمينة خضرا فيها ليصف الشرق المعاصر، مع التركيز بصفة خاصة على الاتجاه إلى التشدد. وهو يقول في هذا الصدد: «هناك جهل هائل في الغرب فيما يتعلق بالثقافة العربية والإسلامية. ونحن في قلب أسوأ سوء فهم وقع على كاهل هاتين الثقافتين. وأنا أرغب في اصطحاب القارئ الغربي إلى العالم الآخر، ذاك الذي لا يعرفه».

وتعد رواية «الهجوم» التي ترجمها إلى اللغة الانجليزية مؤخراً جون كولين أكثر روايات ياسمينة خضرا طموحاً حتى اليوم. وفي هذه الرواية نلتقي أمين الجعفري وهو من عرب 1948، ويعمل جراحاً ناجحاً في تل أبيب، ويعتبره المجتمع الإسرائيلي نموذجاً للاستقطاب الناجح لعرب 1948.

وذات يوم يقع هجوم بالقنابل التي فجرها شخص أقدم على الانتحار في غمار عملية التفجير تلك، فيعالج أمين الجعفري المرضى الناجين من الحادث من الإسرائيليين الذين يبصقون في وجهه على الرغم من ذلك، وفي النهاية يعلم أن زوجته المحبوبة هي التي نفذت هذه العملية. يقول ياسمينة خضرا: «إن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لا يؤدي باستقرار الشرق الأوسط وحده، وإنما باستقرار العالم بأسره.

وعلى الجانبين يظهر الإنسان في قمة شره وبهيميته. وأمين الذي يحمل جواز السفر الإسرائيلي والذي لا تستطيع زوجته مشاركته سعادته لأن سعادتها تغدو بلا معنى بفعل الأوضاع المثيرة للغثيان التي يعيش في ظلها الفلسطينيون يبدو أنها تقدم أفضل وسيلة لتجسيد هذه المشكلة».

ونحن نتابع مسيرة أمين الجعفري وهو ينسل من المجتمع الإسرائيلي وتساعده في العودة إلى الحياة زميلته الإسرائيلية كيم يهودا، فيهرب من تحقيقات الاستخبارات الإسرائيلية ليتوجه إلى بيت لحم ساعياً للقاء رجال الحركة الذين كانت زوجته على استعداد للتضحية بحياتها من أجلها. وتأتي نتيجة هذه اللقاءات أبعد ما تكون عن حسم الأمور، ولكن قوتها تكمن في المرونة والذكاء اللذين يتمتع بهما رجال الحركة الذين يلتقي بهم أمين الجعفري.

يقول ياسمينة خضرا إنه: «خلال الحرب الأهلية الجزائرية كنت مسؤولاً عن وحدة متخصصة في التصدي للإرهاب. إن علينا ألا نخطئ في هذا الصدد، ذلك أن الإرهابيين أناس عقلانيون، وتصويرهم على أنهم مجانين ومخبولون على نحو ما نجد في معظم الحالات في الغرب لن يؤدي إلا إلى تفاقم المشكلة».

ولدى صدور رواية «الهجوم» في الولايات المتحدة اعتبرها العديد من المعلقين دفاعاً عن الإرهاب. وذهبوا إلى القول إن الشخصيات اليهودية في الرواية لا تبدي قدراً كافياً من التعاطف. وذلك صحيح، فما من يهودي تقليدي سيندفع ليعد لجاره الفلسطيني قدحاً من الشاي بالنعناع. ولكن إسرائيل المعاصرة ليست بالمجتمع الذي يتعايش في يسر مع ذاته.

وياسمينة خضرا يضيق ذرعاً بمثل هذه النوعية من الانتقادات، وهو يقول في هذا الصدد: «لقد رأيت في الجزائر رفاقاً لي يتعرضون للنسف والتحول إلى شظايا على نحو بالغ السوء، بحيث أن المرء يحتاج إلى ملعقة صغيرة لكي يجمع بها بقايا ما تناثر منهم. وإذا كان أناس يرغبون في القضاء على عملي بمثل هذه الانتقادات، فليفعلوا ذلك، حيث لم تستطع ستة وثلاثون عاماً من الخدمة في الجيش أن تحطمني».

في سبتمبر المقبل، سيصدر الجزء الثالث والأخير من ثلاثية ياسمينة خضرا تحت عنوان «سيرانات بغداد» في فرنسا. وهذه الرواية باعتبارها صورة لبدوي شاب ينشأ على احتقار الاحتلال الأميركي للعراق، فإن من المحتم لها أن تثير قدراً كبيراً من الجدل والنقاش المحتدم، كما أنها يتوقع أن تكون واحداً من أهم الكتب التي ستصدر في أوروبا كلها هذا العام.

ويقول ياسمينه خضرا: «إننا نعيش في عصر تتألف معظم التغطية الإعلامية الغربية للشرق من الأكاذيب والتقارير الملفقة التي تنطلق من ايديولوجيا قوامها أن العرب برابرة وأن الغربيين متحضرون. غير أن الجنود الغربيين الذين ينتزعون النساء العربيات من مراقدهن ليلاً لاغتصابهن وتعذيبهن لا يعرفون شيئاً عن إنسان العصر النيوليثي. وفي نهاية المطاف فإن الرواية هي أداة، هي وسيلة لجعل الحقيقة شيئاً يمكن الوصول إليه. والرواية وحدها تحكي الحقيقة في هذا الزمان».

محطات في حياة خضرا

*ياسمينة خضرا هو الاسم المستعار الذي يكتب تحته الروائي والقاص الجزائري الفرانكوفوني محمد مولسهول الذي ولد في جنوبي الجزائر عام 1955، وقد اعتمد هذا عام 1988 عندما كان ضابطاً في الجيش الجزائري ليوقع به عدة روايات هرباً من الرقابة العسكرية.

*في عام 2000 تقاعد ياسمينة خضرا من الخدمة في الجيش الجزائري بعد 36 عاماً أمضاها في هذه الخدمة وتفرغ للكتابة الروائية، حيث أقام في فرنسا، ثم في المكسيك، وعاد ليقيم في اكس آن بروفانس بجنوبي فرنسا.

*قدم ياسمينة خضرا العديد من الروايات التي ترجمت إلى خمس وعشرين لغة ومن بينها «باسم الله» و«أحلام الذئاب».

*يعكف الآن على انجاز العمل الأخير من الثلاثية التي صدر منها الجزء الأول تحت عنوان «سنونوات من كابول» والجزء الثاني بعنوان «الهجوم» أما الجزء الثالث والأخير فسوف يصدر في سبتمبر المقبل تحت عنوان «سيرانات بغداد».

طباعة Email