ابن سينا وتأثيره على العالم العربي والعالم اللاتيني المسيحي

ابن سينا وتأثيره على العالم العربي والعالم اللاتيني المسيحي

مؤلف هذا الكتاب هو الباحث جول جانسينس المختص بالدراسات العربية الإسلامية عموما والفلاسفة الكبار خصوصا. وهو هنا يقدم دراسة متكاملة عن واحد من أكبر الفلاسفة العرب: إنه الشيخ الرئيس علي ابن سينا. ومنذ البداية يعطي المؤلف لمحة تاريخية عن حياته ويقول: ولد ابن سينا عام 980 م بالقرب من بخاري: أي في اوزبكستان الحالية. ولكن المنطقة آنذاك كانت تابعة للعالم الإيراني ثقافيا وحضاريا.

والدليل على ذلك هو أن اللغة الأم لابن سينا كانت الإيرانية. وعندما ولد كان الفكر في المشرق الإسلامي في حالة غليان فكري. فعالم الكلام الكبير الأشعري مات عام 935 ولكن المناقشات التي دشنها لم تمت بموته. وأما الفيلسوف الكبير الفارابي الملقب بالمعلم الثاني على اثر أرسطو فقد مات عام 950: أي قبل ميلاد ابن سينا بثلاثين سنة فقط. بعدئذ تعلم ابن سينا العربية لغة الإسلام والقرآن وبرع فيها. ثم انهمك في دراسة مؤلفات المعلم الثاني.

وبالتالي فإن الفارابي مهد له الطريق. ومعلوم أن ابن سينا حاول قراءة كتب الميتافيزيقيا لأرسطو مرارا وتكرارا دون أن يستطيع فهمها.

ولولا أنه وقع على شرح الفارابي لها لظل عاجزا عن الفهم. ولهذا السبب فإن قراءة كتب الفارابي كانت بمثابة الصدمة المعرفية أو الاكتشاف الكبير بالنسبة له. وهو يعترف بفضله الكبير عليه.

ثم يردف المؤلف قائلا: كان ابن سينا متفتح المواهب والعبقرية منذ صغره. وقد درس العلوم الطبيعية والطب وهو في الرابعة عشرة فقط. وعندما أصبح في السادسة عشرة كانت شهرته كطبيب قد طبقت الآفاق! وبما أنه استطاع أن يشفي أحد الأمراء السامانيين من مرض خطير فإن هذا الأخير أعطاه مفاتيح مكتبته في القصر لكي يطلع على ما تحتويه من مؤلفات. وهذا كل ما كان يطلبه لأنه كان نهما لا يشبع من المعرفة ومطالعة الكتب.

ويقال بأنه أصبح ملما بكل العلوم المعروفة في عصره وهو في الثامنة عشرة فقط. واستطاع تأليف أول كتاب فلسفي له وهو في الحادية والعشرين.

ثم اضطر إلى الدخول في إدارة الدولة كموظف بعد وفاة والده الذي كان يصرف عليه.

وقد قسم ابن سينا وقته إلى قسمين: في الليل كان يطالع الكتب ويحضر نفسه للأيام القادمة والأعمال العظيمة، وفي النهار كان يشتغل في قصر الأمير كمستشار أو كموظف إداري مرموق.

هذا وقد أصبح ابن سينا وزيرا عدة مرات، وأصبح نفوذه كبيرا إلى درجة أنه أثار الغيرة والحسد حوله. وتعرض للملاحقات من قبل أعدائه بل ودخل السجن أكثر من مرة.ثم يردف المؤلف قائلا: نعم لقد دفع ابن سينا ثمن عبقريته وشهرته غاليا. فقد عاش حياة التخفي والسرية ضمن ظروف مادية صعبة.

ولم يكن يكسب عيشه إلا من استشاراته الطبية لهذه الشخصية الهامة أو تلك. وكانت حياته متنقلة، متقلبة، حيث كان يسافر من مكان إلى آخر هربا من الأعداء أو ترجيا للقاء الأصدقاء.

وفي عام 1023 التجأ إلى بلاط أمير اصفهان حيث لقي بعض الطمأنينة وعاش حياة هادئة نسبيا طيلة أربعة عشر عاما.

وفي عام 1037 مات ابن سينا بشكل مباغت من مرض في الأمعاء عندما كان يرافق أميره في حملة عسكرية ضد همدان.

أما فيما يخص مؤلفاته فيمكن القول بأنها لم تصلنا بشكل كامل، وإنما ضاع منها قسم على الطريق كما حصل للعديد من مؤلفي الماضي. فالكثير من المخطوطات فقدت لسبب أو لآخر، ومعلوم أن ابن سينا كان يكتب كثيرا وفي كل مكان: على الحصان، أو في السجن، في الإقامة أو في السفر، الخ. وكان يستشهد بأرسطو دون أن يحتاج إلى إعادة قراءته من جديد.

أما كتاب القانون في الطب فيحتوي على كل المعلومات المتوافرة في عهده عن علم الطب. ولكنه أغناها من قبل ملاحظاته الشخصية وتجربته الطويلة في ممارسة التطبيب وشفاء الناس.

ولابن سينا كتابات أخرى عن مواضيع متفرقة.

ثم يردف المؤلف قائلا بما معناه: إن ابن سينا هو أحد كبار فلاسفة الإسلام.

وفلسفته تقع على مفترق الطرق بين الفكر الشرقي والفكر الغربي. فهو كمسلم كان يؤمن بالعقائد الأساسية التي جاء بها النبي (ص) والقرآن الكريم. وهو كفيلسوف كان مطلعا بشكل وثيق على الفلسفة اليونانية. وقد حاول التوفيق بينها وبين العقيدة الإسلامية.

وقد كان تأثيره كبيرا على المشرق الإسلامي سواء أكان عربيا أم إيرانيا. فكل الفلسفة الإشراقية التي ازدهرت في إيران مثلا هي من صنعه أو تابعة له.

ولكن الغزالي هاجمه بعنف في كتابه تهافت الفلاسفة واتهمه بالخروج على بعض العقائد الإسلامية.

ولهذا السبب فإن تأثيره اضمحل في العالم العربي بعد الدخول في عصر الانحطاط.

وأما في الغرب اللاتيني المسيحي فإن تأثير ابن سينا كان كبيرا في فترة من الفترات.

بل وسبق تأثير ابن رشد إلى إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وبقية أنحاء أوروبا. ولكن نفوذ ابن رشد تغلّب عليه لاحقا.

والواقع أنهم ابتدأوا يترجمون مؤلفات ابن سينا إلى اللغة اللاتينية منذ القرن الحادي عشر الميلادي. ثم استمرت عملية ترجمته لفترة طويلة لاحقا.

وكان ذلك في مدينة طليطلة حيث تأسست مدرسة كبيرة للترجمة. وفيها نقلوا مؤلفات علماء العرب وفلاسفتهم إلى اللغة اللاتينية التي كانت لغة العلم والفكر في كل أنحاء أوروبا المسيحية في ذلك الزمان.

نعم لقد ترجموا كتب الكندي، الفيلسوف العربي الأول، وكتب الفارابي، وكتب الغزالي، وكتب ابن سينا.

ثم بعدئذ ابتدأوا يترجمون كتب ابن رشد. وقد تركزت الترجمة على كتاب الشفاء بكل أجزائه عن المنطق، والفيزيقا، والميتافيزيقا، الخ.

وعلى هذا النحو تشكل تيار فكري تابع لابن سينا في جامعات الغرب المسيحي. ومعلوم أن ابن سينا كان أقرب فكريا إلى أفلاطون ومثاليته الروحانية من أرسطو. وبالتالي فكان من السهل أن يقيموا مصالحة بين فكره وبين المتصوفة الكبار في المسيحية.

ولكن تأثير ابن رشد غطّى عليه فيما بعد لأن الفلسفة الرشدية كانت تبدو أكثر عقلانية ودافعية من فلسفة ابن سينا. وأصبح تلامذة ابن رشد في جامعات السوربون، وأكسفورد، وبولونيا بإيطاليا وبادوا أكثر عددا بكثير من تلامذة ابن سينا.

ولكن يبقى صحيحا القول بأن الأسماء الكبرى للفلسفة الإسلامية التي نقلت إلى أوروبا كانت هي: الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن باجة، ابن الطفيل، ابن رشد. هؤلاء هم الذين نقلت مؤلفاتهم أو قسم كبير منها إلى اللغة اللاتينية. وبناء عليها أسست أوروبا نهضتها المقبلة وسبقت العرب ولا تزال تسبقهم حتى الآن وبالتالي فنحن إذ نأخذ منهم الآن يمكن أن نقول: هذي بضاعتنا ردت إلينا...

* الكتاب:ابن سينا وتأثيره على العالم العربي والعالم اللاتيني المسيحي

* الناشر: فاريوروم

لندن ، نيويورك 2006

* الصفحات: 320 صفحة من القطع المتوسط

Ibn Sina and his influence on the arabic and latin world

Jules Janssens

Variorum - London- New York p.320

تعليقات

تعليقات