اليمن المعاصر من القبيلة إلى الدولة

اليمن المعاصر من القبيلة إلى الدولة

مؤلف هذا الكتاب هو الدكتورعبد العزيز المسعودي، الأستاذ بجامعة صنعاء، له العديد من الدراسات والبحوث حول التاريخ اليمني منها: محمد الزبيري ومشروع حزب الله، والحرب العربية الباردة. يقدم هذا الكتاب تحليلاً موثقاً لأهم الأحداث التي شهدها اليمن المعاصر في مرحلتي المملكة المتوكلية اليمانية والجمهورية العربية اليمنية.

ويشير الكاتب إلى تلك النزعة الاستبدادية في الحكم والتي ورثها النظام الإمامي من الباب العالي العثماني، كذلك المركزية المفرطة في إدارة الدولة والتي ورثها الجمهوريون من الملكيين. يتكون الكتاب من ثلاثة أبواب ومقدمة وخاتمة وقائمة بالمراجع والمصادر العربية والأجنبية.

في الباب الأول يتناول الكاتب صلح «دعان» (قرية شمال غربي صنعاء بنحو خمسين ميلاً) من شرح مقدماته وشروطه ومغزى تطبيقه.

حيث كانت اليمن بالنسبة للسلطان العثماني ولاية عصية منذ إعلان البيعة للإمام أحمد بن يحيى حميد الدين في «قفلة عذر» عام 1904م وحتى إرسال الحملة العسكرية بقيادة «الجنرال عزت باشا»، ليس لقمع التمرد فحسب، بل لبحث أفضل السبل لإحلال السلام بدلاً من الخسائر الفادحة التي تكبدتها الحاميات التركية من جراء هجمات القوات الإمامية عليها.

ثم يتحدث الكتاب عن رحلة بناء الدولة والتي بدأت منذ إعلان تأسيس المملكة المتوكلية اليمانية في 18 ربيع الأول عام 13337ه/ 22 ديسمبر عام 1919م، وقد تركزت سياسة تلك المملكة على ثلاثة جوانب رئيسة:

أولاً، تثبيت الأوضاع الداخلية المتوترة من جراء التمردات الفلاحية والقبلية، ثانياً، التصدي للتوغل البريطاني في محميات عدن التسع من جهة، وتهامة (الحديدة) من جهة أخرى، ثالثاً، تبني سياسة العزلة باعتبارها حجر الأساس في السياسة الخارجية الرامية إلى حفظ استقلال اليمن وسيادته الوطنية.

ثم يتحدث الكاتب عن خصائص الحكم الإمامي ومكونات البناء السياسي «المنغلق» بحكم البيئة الجغرافية الشديدة التضاريس (جبلية قاحلة) والمنكفئة على نفسها الرافضة للانفتاح(على/ أمام) الغير إلا في إطار المصالح الخاصة.

كما حرصت المؤسسة الإمامية على إقصاء الزعامات المحلية من الحياة السياسية (آل الأهدل والمزاجي في تهامة وآل حسان والمنصوب في تعز وآل السقاف والحبشي في حضرموت).

ثم يستعرض الكاتب نظام الحكم اليمني من حلال شرحه لنظام حيازة الأرض وكيفية توزيعها، وتقسيم الثروة والسلطة، ونظام الزكاة بأبعاده وأهدافه. كما يتحدث عن نظام الرهائن(وضع شخص ما قيد الإقامة الجبرية ضماناً لسداد أقاربه أو قبيلته الالتزام المفروض عليهم تجاه الدولة).

وقد لجأ آل حميد الدين إلى تطبيق هذا النظام ليصبح جزءاً من الحياة السياسية اليمنية الحافلة بالتناقضات الاجتماعية الكامنة في تكوينات المجتمع العشائرية والمذهبية.

وقد استغل الإمام هذا النظام لضمان ولاء زعماء القبائل وعدم عصيانهم على سلطانه. وقد كانت العلاقة عكسية بين نمو سلطة الدولة وانحسار سلطة القبيلة، ويتحدث الكاتب عن خروج «حاشد» والتي سبق ولعب أفرادها دوراً رئيسياً مع الإمام في حرب التحرير ضد الحكم العثماني. تضم «حاشد» أربعة بطون وهى:

بني صريم وخارف والعصيمات وعذر وتقطن شمالي غربي صنعاء. وقد كان ذلك الخروج بسبب نقض الإمام للعهد المقطوع مع الشيخ ناصر بن مبخوت الأحمر والذي يقضي بالتخفيف على القبيلة في موضوع الزكاة والرهائن نظراً لموقفها معه في البيعة والحرب.وانحاز الشيخ الأحمر إلى جوار محمد بن علي الإدريسي صاحب «صبيا» والمنافس الفعلي للإمام في سهل تهامة في عام 1334هـ /1915م.

كما يشير الكاتب إلى تمرد «الزرانيق» في أرض تهامة وقد جرد الإمام حملة بقيادة «هاشم الدعاني» لإخضاعهم، ولكنهم وبقيادة الشيخ الفتيني قاتلوا كالوحوش الضارية، فانهزمت الحملة وقتل قائدها، ذلك أرسل الإمام ولي عهده الأمير أحمد إلى تلك المناطق على رأس جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل من «حجة وعبس وبني قيس».

وبعد القصف المدفعي على قلاع وحصون بيت الفقيه وغليفقة عام 1929م تم القضاء على التمرد وهرب الشيخ الفتيني إلى كمران طالباً مساعدة الحكومة البريطانية. كما يشير المؤلف إلى انتفاضة «عبيدة ومراد» وهم سكان المنطقة المحاذية لصحراء الربع الخالي(سكان المشرق) وأصحاب مناجم الملح الحجري في جبال البلق.

وقد حدث التوتر بين القبيلتين والحكومة على خلفية جباية الزكاة من أرض المشرق باعتبارها أرض خراج. وقاد الشيخ علي بن معيلي والشيخ علي بن ناصر القردعي القتال ضد الحكومة، وبعد هزيمتهما عام 1933م فرض أمير لواء ذمار سيف الإسلام الحسن بن يحيى على القبيلتين تسليم نوعين من الرهائن:

رهائن الطاعة ورهائن العطف. في المقابل تدخل بعض شيوخ القبائل الثانوية التي لم تشارك بالحرب لدى الأمير في طلب تعيين بعض مشايخ وعرائف تلك القبائل في وظائف إدارية ثانوية داخل الحدود الجغرافية لقبائلهم.كما يتناول الكاتب الخلاف حول «عسير» والذي تأجج بعد قيام القوات الإمامية بمهاجمة قبيلة «يام» في وادي نجران الواقع على حدود اليمن الشمالية.

الأمر الذي دفع الحكومة السعودية إلى حشد قواتها حول مدن الجنوب أبها وبدر وجيزان ونجران، مستندةً إلى بنود معاهدة « مكة »عام 1345هـ /1926م، ومعاهدة «العرو» عام 1350هـ /1931م والتي تنص بنودهما بوضوح على اعتبار ان إقليم عسير خاضعاً للحماية السعودية.

وقد عبرت قوات سعودية، في إطار تأمينها لمدن الجنوب، هذا الخط وتم احتلال تهامة والحديدة والطائف المجاورة لزبيد.

وفي عام 1353هـ /1934م تم توقيع اتفاق الطائف برعاية الشيخ « أمين الحسيني» مفتي القدس والذي نص على اعتراف اليمن بالسيادة السعودية على إقليم عسير مقابل انسحاب الجيش السعودي من الأراضي اليمنية.

وقد كانت تلك الحرب وبالاً على اليمن حيث كانت الهزيمة العسكرية قاسية أضاعت إقليم عسير، كما فقدت الإمامة جزءا كبيرا من بريقها السياسي. وتآكل الشعور الزائف بالحدود التاريخية لليمن، ليحل محله الإحساس المكتسب بحدود المملكة المتوكلية اليمانية.

وعلى إثر تلك الهزيمة، تعالت الأصوات المطالبة بالتحديث في مجالي الإدارة والحكم، كذلك الجيش اليمني والذي اتضح مدى تدني قدراته وتخلف تنظيماته مقارنةً بنظيره لدى «بن سعود».

وفي حديثه عن موضوع العزلة وأثرها على النظام الإمامي، يرى الكاتب أنها كانت سياسة مقصودة من قبل الإمام ترسخت في عقيدته الدينية وإدارته السياسية والاقتصادية للدولة، ساعده فيها تلك البيئة الجغرافية الصعبة .

والتي فرضت العزلة على المناطق اليمنية، ومن ناحية أخرى،كان الخوف من التسلل الاستعماري عن طريق السفارات والاتفاقيات التجارية والمعاهدات السياسية، هاجساً في فكر الإمام جعله يتشدد في الانفتاح على الآخر سواء كان عربياً أم غربياً، مما ضيق الدائرة الانعزالية على اليمن في عهد المملكة المتوكلية.

بعد ذلك يتناول الكاتب إشكالية المعارضة الحضرية والتي تبلورت على خلفية الهزيمة في الحرب مع السعودية، حيث انقسمت الطبقة الحاكمة إلى تيارين: تيار إصلاحي محافظ أخذت قياداته تندد بالبيعة للأمير أحمد، وتيار الطلائع الشابة (خريجي المدارس ـ الكليات العسكريةـ دار العلوم) والذي ندد علناً بسياسة العزلة والجمود الفكري.

وإن أيد البيعة للأمير أحمد، فإنه نادى بضرورة العمل بحكم الشورى وإعادة فتح باب الاجتهاد الموصد منذ فترة طويلة. وقد شهد اليمن تطوراً ملموساً في مجال العمل السياسي شبه المنظم حيث ظهرت جمعيات أهلية ومنتديات ثقافية أخذت زعاماتها تنادي بوحدة الصف.

ومنها: هيئة النضال ونادي الإصلاح الأدبي وحلقة الحكمة اليمانية وجمعية الأمر بالمعروف كما كانت عدن مقراً لحركة الأحرار اليمنيين ثم يستعرض المؤلف قيام الحكومة الدستورية فى 18 فبراير 1948م، على خلفية اغتيال الإمام يحيى في نفس العام، وسقوطها في 13 مارس 1948م على أيدي قوات الأمير أحمد بن يحيى حميد الدين(ولي العهد) .

كما يشير الكتاب إلى انقلاب مارس 1955م على خلفية الاصطدام بين الجنود والأهالي في قرية « النجدين» بمدينة تعز، وبين قائد لواء تعز والإمام أحمد، وما أعقبه ذلك من تنحي الإمام أحمد لصالح أخيه الأمير عبد الله، ثم الانقضاض عليه مرة أخرى بعد أقل من أسبوع من التنازل له.

وقد شهدت الفترة التالية لتلك الاحتقانات السياسية حالات من المد والجذر في العلاقات اليمنية ـ العربية حيث دخل اليمن في الحلف المصري ـ السعودي عام 1956م وقبول عبد الناصر اليمن عضواً في الجمهورية العربية المتحدة في 4 فبراير 1958م، ثم خروج اليمن بعد الانفصال السوري عن دولة الوحدة في 27 ديسمبر 1961م ومحاولة اغتيال الإمام أحمد في نفس العام، تلك المحاولة التي أعاقته عملياً عن القيام بأعباء الحكم حتى وفاته في تعز عام 1962م.

وفي 26 سبتمبر عام 1962 قام تنظيم الضباط الأحرار بالانقضاض على السلطة في اليمن بعد أقل من أسبوع على تنصيب الإمام محمد البدر بن أحمد على العرش.

ومع بداية العهد الجمهوري بدأت الصراعات السياسية بين أنصار الجمهورية وأنصار الملكية، واشتد الصراع العسكري بينهما، وتدخلت قوى إقليمية ودولية، عربية وأجنبية، بهدف مساندة النظام المتفق مع أهدافها الاستراتيجية، حيث كانت مصر والاتحاد السوفييتي مع النظام الجمهوري، بينما كانت السعودية والولايات المتحدة الأميركية مع النظام الملكي.

وداخلياً كان الانقسام في المجتمع اليمني تجاه الثورة واضحاً حيث كانت القبائل الشمالية (أرحب ـ خولان ـ ريدة ـ صعدة) والشمالية الغربية (كحلان ـ رازخ ـ شحة ـ شحارة) تساعد الإمام محمد البدر في حربه ضد النظام، بينما استقرت سلطة الدولة الجمهورية في المناطق الوسطى والجنوبية(إب ـ تعزـ الحديدة ـ عدن ـ البيضاء ـ رداع ـ صنعاء).

وهكذا أثبتت الحرب الأهلية اليمنية والتي استمرت ثماني سنوات أن الصراع الدائر في جنوب شبه الجزيرة العربية لم يكن بين الجمهوريين والملكيين فحسب، بل كان صراعاً سياسياً بين القوى المحلية والإقليمية.

فالتعارض السياسي بين الشمال(صنعاء) والجنوب(عدن) كاد يقضي على النظام الجمهوري، عندما انتقلت عدوى الحرب الأهلية من ساحات القتال إلى داخل الصفوة، مما أثار الجيش اليمني ودفعه إلى التدخل، وذلك في حركة 5 نوفمبر التصحيحية عام 1967، والتى أطاحت بحكم المشير عبد الله السلال.

محمد جمعة

*الكتاب: اليمن المعاصر .. من القبيلة إلى الدولة

* الناشر: مكتبة مدبولي

القاهرة 2006

*الصفحات: 376 صفحة من القطع الكبير

تعليقات

تعليقات