مواقف من أجل التنوير

مواقف من أجل التنوير

يقدم هذا الكتاب لمؤلفه الدكتور محمد الحداد نقاشاً هادئاً حول عدد من القضايا العربية الراهنة محاولا عرض رؤية بشأن تطوير طرق التفكير بشأنها. وعلى هذا الاساس قسم المؤلف كتابه إلى ستة أقسام يتناول الأول منها الإصلاح والتحديث عموما.

والثاني يناقش بعض القضايا الفكرية الراهنة والثالث يناقش بعض قضايا الفكر السياسي المطبقة على الواقع الدولي والعربي، أما الرابع فهو تعليقات كتبت على أحداث ما زالت عالقة بذاكرة المؤلف، أما الخامس والسادس فهما نظرات باتجاه المستقبل وما ينتظرنا فيه من تحديات.

من ضرورة الإصلاح الديني يبدأ المؤلف بالإشارة إلى كثرة الحديث عن هذا الموضوع في الآونة الأخيرة مؤكدا على أنه يجب ألا يتم التغاضي عنه وأنه لا يجدي ان تلوكه الألسن فترة ثم تتحول عنه فترة إلى موضوع آخر.

وإنما ينبغي أن يكون على قائمة الاهتمامات اذا ما اتجه الوجهة الجديدة التي تستحث اليها الخيبات المتعاقبة التي شهدتها المجتمعات العربية إلى حد الآن، فالتحديث لن يتحقق إذا ما ظل الدين أداة توظفها الدولة تارة والمعارضة طورا والأطراف الخارجية أطوارا.

ثم ينتقل المؤلف إلى مناقشة أهمية فتح آفاق جديدة أمام التفكير مشيرا إلى أن الحضارة العربية الإسلامية لم تزدهر الا في الفترات التي فسحت فيها المجال للنقاش بل رفعت النقاش إلى درجة العلم بإنشاء ما كان يسمى قديما علم الجدل وجعلت المناظرات من الأحداث المهمة التي يشرف عليها الخلفاء والأمراء.

وقد كانت المؤسسات التعليمية، حسبما يذكر، لا تمتحن الطالب بالشكل المعروف اليوم ولكن ترمي به في أتون المناظرة بعد طول تكوين.

ثم لما دخلت الحضارة مرحلة الانحطاط غابت مجالس المناظرة وتقلصت هوامش المجادلة وانتشر الترديد والتقليد إلى أن بدأت النهضة العربية الحديثة مفجرة مجادلات شتى أحيت الفكر وأيقظت الوعي.

على أن تلك الجذوة سرعان ما انطفأت. ومن هنا يتساءل حول ما اذا كنا نبدأ التدوين لعصر انحطاط جديد؟ أم أن الأمر ليس سوى سحابة عابرة وزبدا يذهب جفاء؟ معتبرا أن تلك من الأسئلة المحيرة.

في السياق ذاته يثير الدكتور محمد الحداد قضية أخرى مهمة تتعلق بالسؤال حول مفارقة أنه فيما يعاني الغرب تضخما في الإنتاج المعرفي وفي المنهجيات فإن العرب يعيشون قحطا شديدا في هذا المجال؟

ويدلل على ذلك بأن تقييما صارما لمجموع ما ينتج على أنه بحث علمي في أقطارنا العربية سيبين أن الجزء الأكبر منه إما أنه لا يستحق تسمية البحث العلمي اذا طبقنا عليه المعايير الدولية للبحث العلمي أو أنه مجرد تطبيق أعمى للمنهجيات الغربية؟

وضمن التحديات التي يشير إليها الثورة المعلوماتية التي يرى العالم العربي نفسه مواجهاً بها موضحا أنه سيكون من الخطأ الفادح أن نسلك أمام هذا التطور مسلك النعامة حيث إن القرية الكونية التي يبشر بها البعض ستكون حسبه فضاء صراعات تماما كما هي الحال اليوم لكنها ليست صراعات حول المواد الخام أو الأقاليم بل حول المعلومة متسائلا حول مدى استعدادنا كعرب لذلك التحدي؟

وفي انتقاد لدور المثقفين متخذا من الدكتور حسن حنفي نموذجا يشير إلى أنه إذا كان المثقفون راغبين في الاضطلاع بأدوار حقيقية للمساعدة على خروج مجتمعاتهم من المآزق الخطيرة التي تردت فيها فعليهم أن يبدأوا قبل كل شيء بمراجعة تصوراتهم حول ماهية الثقافة وآليات عملها ودفعها، عليهم أن يكشفوا التطابق بين النظام الثقافي العربي والنظام السياسي العربي على مستوى البنيات العميقة.

وأخيرا عليهم أن يتخلصوا من أنظمة الثقافة الأبوية قبل أن يفقدوا نهائيا الموقع شبه المتميز الذي يحظون به في المجتمعات العربية المعاصرة من هنا حسبما يرى الدكتور الحداد تكون البداية لو كانت الرغبة صادقة في المراجعة العميقة، أما الانخراط في تجارة الشعارات فإنها قليلة الجدوى بالنظر إلى الاستفحال الشديد للأزمات الحالية إلى درجة إعراض الأجيال الجديدة عن التفكير أصلا في الشأن العام مع الاكتفاء بالترفيه الإعلامي بديلاً عن الثقافة.

من هذه القضايا التجريدية ينتقل بنا المؤلف إلى استعراض عدد من قضايا الواقع ومنها قضية التعاطف مع بن لادن مشيرا إلى استغراب الكثير من وسائل الإعلام الغربية من تعاطف قطاعات من الرأي العام العربي والإسلامي مع بن لادن.

وبعد أن يبدي عدم أسفه أو حسرته على سقوط نظام طالبان الذي احتضن بن لادن يشير في تفسير ما يسميه ظاهرة بن لادن إلى أن الكثير من بلدان العالم الثالث سقط ضحية الماضي والتعويض لمن كانوا بالأمس ضحايا صراعات لا مصلحة لهم في الحقيقة منها وأفغانستان مثال بارز على ذلك، حيث ان السياسة الخارجية الأميركية كانت من قصر النظر بحيث إنها لا تحل أزمة إلا لتفتح أزمات أخرى وكلما انطفأت النار في مكان تركت الرماد متقدا ينذر بحريق جديد.

كما أن سياسة الكيل بمكيالين التي بشر بها النظام العالمي الجديد بنهايتها لم تزد إلا حدة وتصلبا منذ سقوط حائط برلين. ثم يعرض لمفارقة اختلاف التعامل الأميركي مع ملفين شبيهين هما ملف العراق وكوريا الشمالية.

ويبدي دهشته من كيف أن نظاماً كان يكرر صباح مساء أنه يمتلك قدرات نووية ويعترف في تحد أنه كان يرعى برنامجاً سرياً ويعيد أمام عدسات الصحافيين تشغيل المفاعلات ثم يعامل باللين ويواجه بالوساطة والحوار والترغيب في حين أن نظاما آخر يكرر صباح مساء أنه لا يملك أية أسلحة دمار شامل نووية أو جرثومية والأقمار الصناعية تراقبه فلا تجد شيئا ومئات المفتشين يجوبون كل أراضيه بكل حرية فلا يعثرون على الأثر البسيط الذي يدينه .

ومع ذلك يصدر الحكم قبل انتهاء التفتيش وتحتل أميركا في شأنه موقع المحقق والقاضي والمدعي والجلاد في آن واحد. ويعدد هنا الأسباب التي دعت الولايات المتحدة إلى التعامل على نحو مختلف مع الملفين.

وتحت عنوان «رجل الإعلام ومؤرخ الحضارات.. في تسكين وهمي للألم» يعرض لمثال يبدو فجاً في الدلالة على ما يذهب اليه وإن كان يتحفظ بالقول بعدم استهدافه القدح في المؤهلات المهنية لصحافي ولا الطعن في إحدى القنوات الفضائية العربية.

ففي برنامج استضاف فيه المذيع أحمد منصور المؤرخ الأميركي بول كينيدي صاحب الأعمال المشهورة حول نشأة الامبراطوريات وأفولها على قناة الجزيرة فإن الصحافي أجهد نفسه ليدفع محاوره للتنبؤ بأن الولايات المتحدة الأميركية ستنهار في مستقبل قريب.

بينما أعاد المؤرخ على مسامعه أكثر من مرة وفي صبر عجيب أن أطروحته هي أن أميركا قد تفقد دور الريادة الاقتصادية لصالح قوة أخرى من المرجح أن تكون الصين وأن هذا قد يقع في نهاية النصف الأول من القرن الحالي، لكن الصحافي أصر على أن يفهم الانهيار بمعنى الأفول والاختفاء عن الوجود فلم يجد سوى أن يقول متنهداً أنه يشعر بالخيبة لأن كينيدي لا يتوقع انهيار أميركا قبل 50 سنة!

ويضيف المؤلف أن مشاهد البرنامج كان يتمنى لو سأل المذيع ضيفه عن معنى القوة في العصر الحديث عندها كان يكتشف أن الأمور قد تغيرت تغيراً جذرياً عن عصور المغامرات والفتوحات وانهيار الإمبراطوريات بصفة مفاجئة في بضع معارك محدودة.

. لكنه لم يسأل لأن همه الاكبر كان أن يعرف موعد انهيار أميركا ومتى يلقى تمثال الحرية في نيويورك نفس مصير تمثال صدام في بغداد، وطبعا لم يكن لدى المؤرخ الجواب المناسب عن هذا السؤال!

وضمن السؤال حول العيش مع متطلبات العصر يذكر لنا الدكتور محمد الحداد ما كتبه الفيلسوف كيغارد في يومياته «إن الحياة ينبغي أن تفهم بالرجوع إلى الخلف وأن تعاش بالاتجاه إلى الأمام» وهي العبارة التي يراها حكيمة من الجدير تأملها في سياق البحث عن التوازن بين الماضي والعصر، فمن الخطأ اعتبار أن مجتمعا ما يمكن أن ينفصل تماما عن ماضيه.

حيث إن الحاضر لا يتأسس من فراغ فهو بعض نتاج الماضي. لكن اذا كان الماضي، حسب المؤلف، غير مرفوض فينبغي أن يكون مقبولا فقط من جهة كونه تجربة تضيء الحاضر لا مرجعا يحتكم اليه أو يسعى إلى النسج على منواله.. فالماضي فضاء تجربة بينما المستقبل فضاء توقع وطموح فلا تناقض بين هذا وذاك إذا بقي كل منهما في حدود موقعه اللائق به.

ولأن أحداث سبتمبر أوجدت حالة يمكن تسميتها فوبيا الإرهاب فإن المؤلف لم يسلم منها حيث كان في باريس وقتها فاقتربت منه امرأة على وجهها علامات التعب. راحت تستأذنه في أدب أن تطرح عليه سؤال وهو: هل سيضربون باريس أيضا؟ ورغم طمأنته لها إلا أنه راح يضحك في باله من أن تظن هذه السيدة أنه عالم بمخططات أسامة بن لادن وصحبه دون أن تدرك أنه مهدد أكثر منها لو أن هؤلاء سيطروا على العالم.

لقد راح يؤكد لها في لهجة العالم الواثق : «لا تخشي، لن يضربوا باريس أعدك بذلك» فاغرورقت عيناها بالدموع ورددت أكثر من مرة «شكرا شكرا». وضحك ثانية مع أصدقائه من أنه اضطلع للحظات بدور الناطق الرسمي باسم القاعدة!

وفي موقف حازم بشأن الديمقراطية يؤكد المؤلف على أنه إما الديمقراطية أو الخراب، فالديمقراطية تجمع مواطنين أحرارا وليست فسيفساء عرقية وملية، فلا ديمقراطية من دون مواطنة، ولا مواطنة من دون مشروع حد أدنى من الدولة، ولا دولة من دون حد أدنى من القيم المشتركة. والرهان الأكبر هو فتح مجال الحوار لتحديد تلك القيم، أما الخراب فاستبدال استبداد بآخر لذلك كانت الحداثة مسلكا وعرا!

ومن الديمقراطية إلى عالم المحافظين الجدد يشير المؤلف إلى فشل وسائل الإعلام العربية والإسلامية في دفع تهمة الإرهاب عنا والتمييز بين الإرهاب والإسلام .

ويتطرق هنا إلى الدور الذي يلعبه المحافظون الجدد في السياسة الأميركية مشيرا إلى أنه من المرجح أنهم لم ينجحوا في السياسة وحسب.

مشيرا إلى أن الوقائع تحمل معنى واضحا وهو أن أكبر قوة في العالم إنما تشتغل حسب استراتيجيات وضعتها مختبرات المحافظين الجدد وأن هؤلاء يتحملون، سلبا وإيجابا مسؤولية السياسة الأميركية، فهي نجاح لهم اذا نجحت وفشل اذا فشلت، ولئن لم يتأكد أنهم غيروا العالم فمن الواضح أنهم دفعوه إلى حراك لا عهد له به منذ عقود طويلة.

غير أنه يعود ليتحفظ على نجاحهم بأنه نسبي باعتبار أن بؤر النزاع التي اتخذوها مختبرا لنظرياتهم لم تستقر بعد ولم يبن مصيرها ولا حان الموعد لتقييم نهائي لنتائج السياسات التي طبقت بشأنها مستوحية مقترحاتهم، وإن كان يجب علينا أن لا يكون مسلكنا مسلك النعامة فنجعل العثرات الكثيرة حجابا عن حقيقة واضحة.

ومما بدأ به المؤلف ننتهي فنشير إلى تأكيده على أن استفاقتنا اليوم على وقع عالم حولنا ينهار ويبنى من جديد إنما تعد من صنف استفاقة أجدادنا على وقع البوارج الغربية تدك الموانئ العربية، إنها استفاقة مؤلمة لأن الوعي يظل يلهث وراء أحداث تتعاقب وهو لم يستعد لها ولم يتوقعها.

وما ذلك الا لكونه قد غيب عن متابعة العالم حوله إلا من منظور خطاب مغلق مغالط. ومؤدى ذلك أنه لم يعد كافيا اليوم أن تفتح الصحف لتنشر الآراء والمواقف بل الأكثر الحاحا أن تفتح العقول لتتقبل التفكير الجديد وترضى بالحوار وتتعود على المحاجة.

كما أن الإبداع لم يعد يقتله مصادرات الرقابة وحدها بل الرأي العام وقد أعيته المحاصرة فاختنق وضمر وأصبح بادئ رأي وثقافة سائدة تمارس على نفسها رقابة أمر وأدهى.

مصطفى عبد الرازق

الكتاب: مواقف من أجل التنوير

الناشر: دار الطليعة ـ بيروت ـ 2005

الصفحات: 288 صفحة من القطع الكبير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات