الأديان العامة في العالم الحديث

الأديان العامة في العالم الحديث

مؤلف هذا الكتاب «خوسيه كازانوفا» أستاذ مشارك في تدريس مادة علم الاجتماع بالمعهد الجديد للبحوث الاجتماعية بجامعة شيكاغو، وهو يرصد في هذا الكتاب صعود المظاهرة الدينية في الأوساط السياسية والمجتمعية العالمية بدءاً من ثمانينات القرن الماضي من خلال أربعة تطورات هي:

الثورة الإسلامية في إيران، وصعود حركة «تضامن» في بولندة، ودور الدين الكاثوليكي في الثورة «السندينية»، وأخيراً عودة الأصولية البروتستانتية إلى الواجهة كقوة ضاغطة في السياسة الأميركية. ويؤكد المؤلف في مستهل تمهيده أنه قلما شهد العالم أزمة سياسية ذات شأن في مرحلة الثمانينات لا تقف وراءها يد الدين غير المتوارية تماماً، وذلك من مثل:

تصادم الأديان والحركات الأصولية في منطقة الشرق الأوسط على خلفية صراعات قديمة بينها، وتعاظم ذلك مع انخراط الناشطين الدينين والكنائس في النضال من أجل التحرير والعدالة والديمقراطية في جميع أرجاء العالم.

حيث خلال هذا العقد أظهر الدين وجهه المزدوج، لا بصفته حاملاً لصفاتٍ حصرية وخصوصية وأولية وحسب، بل كذلك لهويات شاملة وكونية ومتسامية.

وإلى ذلك فقد أشار الإحياء الديني بصورة متزامنة إلى صعود الأصولية ودورها في مقاومة المضطهِدين وصعود المستضعفين، وعلى هذا الأساس سيختار علي شريعتي، الأب الفكري للثورة الإسلامية، خلال ترجمته لكتاب فرانس فانون «المستضعفون في الأرض» عبارة قرآنية شديدة الوقع، هي «المستضعفون» .

وسوف يحتل هذا التعبير موقع محورياً في أدبيات الثورة الإسلامية في إيران، وعلى غراره سيقوم غوستافو غويتاريز، أبو اللاهوت التحريري، بنقل القيم من الفئات العلمانية إلى الفئات الدينية إذ حوّل مصطلح «البروليتاريا» إلى التعبير الإنجيلي «الفقراء».

كما أن فاسلاف هافيل، أبو الثورة المخملية التشيكية كان اقترح تعبيراً مشابهاً هو «سلطة الذين لا سلطة لهم»، وظهر ذلك كلّه وكأنه عملية تحديث لطريقة معكوسة من التحرّك الجماعي العقلاني إلى التمرّد البدائي.

وإلى ذلك فإن هذه الدراسة سوف تتمحور حول مقولة أساسية مفادها أننا نشهد ظاهرة «تعميم» الدين في العالم الحديث، بمعنى تعميم التقاليد الدينية عبر العالم، والتي في الوقت نفسه باتت ترفض القبول بالدور الهامشي الذي حددته لها نظريات الحداثة ونظريات العلمنة، وذلك من خلال الحركات الاجتماعية والمؤسسات والمنظمات الدينية التي ترفض أن ينحصر دورها في إطار العناية الرعوية.

فتواصل طرح الأسئلة حول العلاقات المتبادلة بين الأخلاقيات الخاصة والعامة لاسيما أخلاقيات الدول والأسواق. وفي هذا الصدد يوضح المؤلف أن ظاهرة تعميم الدين ليست جديدة كلياً حيث إن معظم التقاليد الدينية قاومت سيرورة العلمنة، بالإضافة إلى الخصخصة والتهميش اللذين ينزعان لمواكبة هذه السيرورة.

وبذلك فإن المصطلح المولد «تعميم» له هدف مزدوج: سجالي ووصفي، فهو يهدف أولاً إلى مساءلة نظريات العلمنة، والتعبير عن بروز تطورات تاريخية جديدة تعكس من الناحية النوعية على الأقل لما كان يلوح كأنه نزعات علمانية، ليستخلص أنه خلال عقد الثمانينات برزت فكرتان أساسيتان، أولاهما: أن الأديان وجدت لتبقى، وبذلك تكون قد تبددت أحلام عصر التنوير. وثانيتهما:

أن الأديان سوف تظل على الأرجح تضطلع بأدوار عامة بارزة في البناء المتواصل للعالم الحديث، مما يدعو إلى إعادة التفكير منهجياً بين الدين والحداثة. والأهم من ذلك بالأدوار المحتملة التي قد تؤديها الأديان في نطاق العام للمجتمعات الحديثة.

يتألف هذا الكتاب من ثلاثة أقسام رئيسية ضمت ثمانية فصول بالإضافة إلى الفهارس، حيث تناول في الفصل الأول: العلمنة والتنوير والدين الحديث، فقدّم عرضاً نقدياً لمفهوم العلمنة ونظرياتها على الخلفية التاريخية لتطور الحداثة الغربية.

وأن خروج الدين من النطاق الخاص يحمل على إعادة التفكير في نظريات العلمنة الحالية وإعادة صياغتها، ولكن من دون التخلي عنها، بمعنى انتقادها في بعض أطروحاتها، وخاصة تلك التي ترى أن الدين يندثر مع العصرنة التدريجية، فهي فكرة أثبتت بطلانها بوضوح كاقتراح عملاني عام يعود إلى نقض الدين في عصر التنوير.

وفي الفضل الثاني: الأديان الخاصة والعامة، يعالج المؤلف مسائل عديدة كسوسيولوجيا الأديان المقارنة ونظريات النطاق العام والمجتمع المدني من خلال مدى قابلية الاستمرار في جوهرها مع البنى الحديثة المتمايزة لتسهم في تعزيز النطاق العام في المجتمعات المدنية الحديثة.

أما لب الكتاب، فهو من الفصل الثالث حتى الفصل السابع فيعرض دراسات تجريبية لما يمكن أن يسمّى أنواع الدين العام في العالم الحديث، ويقدم خمس حالات من التحوّل الذي طرأ على الدين المعاصر في أربع دول مختلفة هي: اسبانيا وبولندة والبرازيل وأميركا، حيث تدل كل من هذه الحالات الدراسية على قصة تحول مختلفة ومستقلة:

ـ انتقال الكنيسة الكاثوليكية الاسبانية من كنيسة دولة سلطوية معترف بها إلى كنيسة غير معترف بها لمجتمع مدني تعددي.

ـ انتقال الكنيسة البولندية إلى كنيسة قومية تعزز نشأة المجتمع المدني في مواجهة دولة سلطوية.

ـ بينما في البرازيل ستشهد الكاثوليكية البرازيلية تحولا جذريا للكنيسة من مؤسسة دولة أقلوية ونخبوية إلى مؤسسة شعبوية مدنية.

ـ وتحول البروتستانتية الإنجيلية في أمريكا من وضعها المهيمن العام كديانة مدنية خلال القرن التاسع عشر إلى انكفائها المذهبي إلى ثقافة فرعية أصولية في أواخر العشرينات حتى عودة ظهورها على الساحة العامة وتعبئتها في الثمانينات.

ـ وأخيرا تحول الكاثوليكية الأمريكية من فرقة دينية غير مستقرة إلى مذهب خاص دفاعي إلى مذهب عام فرض مكانته.

أما الفصل الأخير «تعميم الدين الحديث» فهو يستعيد الحجج الأساسية المفصلة في الفصلين الأولين ليستخلص بعض المقارنات والاستنتاجات العامة وبعيد صياغة مقولة «التعميم» بصورة أكثر منهجية فيدرجها في منظور أعم وأشمل سوف يوضّحه بمزيد من الأدلة، وخصوصاً علاقة الدين بالحداثة والنخب الفكرية والعلمانية وثقافة السوق.

وغير ذلك مما يهم الباحث المختص، ليستنتج في الختام أن الحداثة الغربية خسرت بعضاً من غطرستها واعتدادها، وراحت تشكك في موقفها المتعجرف من الآخر، لاسيما في وقت ثبت فيه ظاهرياً فشل محاولاتها لتخطّي نفسها عبر الاشتراكية.

بينما في الوقت نفسه يتابع محركا الحداثة: السوق الرأسمالية والدولة الإدارية تقدّمهما الذاتي المطّرد باتجاه نظام عالمي، مدمّرين ومتحدين أي تقليد سابق للحداثة، وأي شكل من أشكال الحياة يقف في مواجهتهما.

أما بالنسبة للتقاليد غير الغربية، والتي تعزّز موقفها بفضل شكوكها من الحداثة، فإن المؤلّف يرى أنها قادرة على تأكيد هوياتها الخاصّة في مواجهة الغرب، وإلى ذلك فإنه سوف يؤكّد أن الحداثة الغربية اليوم تقف على مفترق طرق.

فإذا لم تدخل في حوار إبداعي مع الآخر؛ مع تلك التقاليد التي تتحدى هويتها، فإنها سوف تنتصر على الأرجح، إلاّ أن الأمر قد يؤول بها إلى الدمار بواسطة المنطق اللا إنساني الصلب لإبداعاتها الخاصة. وقد يكون من سخرية القدر أن يساعد الدين الحداثة من غير قصد ربّما، على أن تحفظ نفسها برغم كلّ الضربات التي تلقّاها منها.

وأخيراً فإنه بالرغم من أن المؤلف كان نوّه في مقدمته إلى صعود الأديان الأخرى كالإسلام واليهودية والبوذية، إلا أنه سوف يتجاهل ذلك خلال الدراسة، وذلك بقصرها على النموذج الغربي.

وسيشير إلى ذلك في خاتمة تقديمه مقراً بأنه خلل حقيقي، حيث انه كان من المستحب للغاية إدراج الثورة الإيرانية كحالة دراسية إضافية على اعتبار أنها أعادت الدين إلى العلن وكذلك الأمر مع باقي الأديان.

عزت عمر

الكتاب: الأديان العامة في العالم الحديث

الناشر: المنظمة العربية للترجمة

بيروت 2005

الصفحات: 440 صفحة من القطع الكبير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات