فرانشيسكو غويا

فرانشيسكو غويا

مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ والناقد الفني ايفان سي.كونيل. وهو يقدم هنا صورة شاملة عن حياة واحد من أكبر الفنانين في العالم. انه الاسباني فرانشيسكو غويا. فرسومه الرائعة ولوحاته التي تتجاوز قيمتها ملايين الدولارات لا تزال محط اعجاب العالم وليس فقط الاسبان أو الأوروبيين. والواقع ان انتاجه الفني كان ضخماً جداً.

فلوحاته الكبرى وصل عددها إلى خمسمئة لوحة، واما رسومه على الزيت ونقوشه على الحجر فتصل إلى مئتين وثمانين رسماً. هذا في حين أن رسومه على الورق تصل إلى الألف..

فمن هو هذا الفنان العبقري يا ترى؟ وكيف ولد في اسبانيا التي قدمت للعالم أكبر الرسامين وعباقرة الفن من فيلاسكيز إلى بيكاسو وسلفادور دالي؟ منذ البداية يقول المؤلف بما معناه:

ولد فرانشيسكو غويا في منطقة اراغون باسبانيا عام 1746 ومات عام 1828 عن عمر يناهز الثانية والثمانين عاما. وهو عمر كبير بالنسبة لذلك الزمان ويعادل الآن المئة عام وربما أكثر. وهذا العمر المديد هو الذي أتاح له أن ينتج كل هذه اللوحات والرسوم.

كما واتاح له أن يكون اكبر مثقف وعالم من بين الفنانين الاسبان. فثقافته كانت واسعة وليس فقط فنية. وقد درس في البداية على يد أساتذة الفن الاسبان من أمثال فرانسيسكو بايو، وجوزيه لوزان ونبغ في الفن مبكراً إلى درجة أنه نال جائزة كبيرة عام 1871 من الأكاديمية الايطالية للفنون. وقد سافر إلى روما خصيصاً لاستلامها.

وبعد أن عاد إلى بلاده كلفوه بوضع رسوم لصنع السجادات في القصر الملكي. وهذا العمل الذي أنجزه بكل لباقة هو الذي لفت الانتباه إليه. ثم أنجز بعدئذٍ بعض اللوحات الدينية التي تصوِّر المسيح، ولوحة ضخمة وضعوها على واجهة أكبر الكنائس في مدريد.

وهذه اللوحة الشهيرة هي التي دفعت بالقصر إلى تعيينه رساماً خاصاً لدى جلالة الملك، وكذلك عضواً في أكاديمية الفنون الجميلة في مدينة سان فيرناندو.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وبعد موت شارل الثالث حلّ محله شارل الرابع الذي لم يتخل عن غويا وخدماته. على العكس لقد حماه وأغدق عليه الهبات. ومعلوم أن الفنانين والكتاب كانوا بحاجة إلى السلطة والأمراء والملوك في العصور القديمة لكي يستطيعوا أن يعيشوا وينتجوا أعمالهم الفنية أو الشعرية أو الأدبية.

وقد كانت لوحاته في البداية دينية في معظمها لأن عصره كان متديناً جداً. ولكنه تحرر من المواضيع الدينية بعدئذٍ وراح يطرق موضوعات أخرى لها علاقة بالحياة الدنيوية بالدرجة الأولى. واشتهر عندئذٍ بلوحاته الشعبية: أي اللوحات التي تصوِّر الشعب في مختلف مناحي حياته اليومية.

وهكذا رسم عندئذٍ لوحات رائعة عدة. نذكر من بينها لوحات بعنوان: الغداء على العشب، أو حفلة الرقص على ضفاف نهر المانزانار، أو المظلة التي تحمي إحدى الحسناوات الأميرات من حرارة الشمس، أو سوق مدريد الشعبي، أو تاجر الصحون، أو اللاعبون بالورق... إلخ.

باختصار، لقد رسم غويا الشعب الاسباني في كل حالاته وتجلياته بمحبة وصدق وعفوية. والواقع أنه كان من الشعب وللشعب..

ثم يردف المؤلف قائلاً: وخلال سبعة عشر عاماً، أي من عام 1775 إلى عام 1792 رسم غويا حوالي الستين لوحة تصور شعب مدريد بكل طبقاته وفئاته من ارستقراطيين وأناس عاديين.

والواقع أنهم كانوا يختلطون ببعضهم البعض في أحيان كثيرة، وبالأخص في فترة الأعياد والاحتفالات والمهرجانات.

ثم راح غويا يرسم الصور الشخصية لكبار القوم من نبلاء ووزراء وارستقراطيين، وقد أكسبته هذه الصور سمعة كبيرة في الأوساط العليا ودرت عليه المال الوفير ووطدت علاقاته مع الشخصيات النافذة.

وفي عام 1785 وحتى نهاية القرن عاش غويا أجمل سنوات عمره.

فعلى الرغم من المرض الخطير الذي أصابه بين عامي 1722 ـ 1793 إلا أنه استطاع تجاوز المحنة وتقديم أجمل الرسوم، لقد رسم في تلك الفترة كل انواع البورتريهات أو التصاوير الشخصية: من تصاوير رسمية، إلى تصاوير لأصدقائه الحميمين، إلى تصاوير للأطفال، إلى الصور الدينية، الخ ..

ومن أشهر لوحاته عندئذ نذكر: تصاوير دينية على جدار كنيسة سان انطوان في مدريد (1798)، ولوحة «النزوات» (1799)، وعائلة الملك شارل الرابع (1800)، وبورتريه لاحدى السيدات الارستقراطيات (1800).

ثم يردف المؤلف قائلا: لقد عاش في تلك الفترة أجمل سنوات عمره، فقد وصل الى الشهرة والمجد عندئذ، ونال الحظوة الكبرى في البلاط الملكي. وأصبح يعيش حياة مترفة كالأمراء والأغنياء. ثم أنه تزوج وأنجب طفلاً عام 1784، وكل ذلك زاد من سعادته في الحياة.

ثم حصلت بعدئذ أحداث جسام كان لها تأثير كبير على أعماله الفنية ففي عام 1793 أصبح أطرش لا يسمع بسبب المرض الخطير الذي تعرض له. وفي عام 1808 حصلت الحرب بين اسبانيا ونابليون بونابرت الذي غزاها ان الحدث الأول أثر عليه نفسيا كثيراً وكان يمكن ان يحطمه لولا إيمانه بالله برسالته على هذه الارض كفنان كبير يمتلك العبقرية.

ولكن هل يوجد فنان كبير بدون مشكلة كبيرة، ألم يكن بيتهوفن، وهو من هو في مجال الموسيقى، أطرش أيضاً؟ ومع ذلك فإن هذه العاهة لم تمنعه من ان يصبح أكبر موسيقار في عصره وربما في كل العصور إذا ما استثنينا موزار.

وبالتالي فان غويا لم يستسلم للمقادير ولم يتخل عن فنه ورسالته في الحياة. على العكس لقد أغنت هذه الأحداث المأساوية تجربته وجعلته قادراً على تجديد فنه أكثر فأكثر.

لقد أصيب غويا بالمرض الخطير وهو في السابعة والأربعين من عمره. وقد شله شللا وفي البداية ما كان يستطيع ان يرى ولا ان يستخدم يده اليمنى، ثم تحسنت أوضاعه تدريجيا بعدئذ ولكنه فقد حاسة السمع إلى الأبد. لقد أصبح أكبر فنان اسباني شخصا اطرش لا يسمع ولا يستطيع ان يتواصل مع الناس الا بالإشارات، أو بواسطة الكتابة.

وهذه هي الطريقة التي كان يستخدمها بيتهوفن أيضا. فعندما كان يلتقي في المقهى مع أصدقائه كان يصطحب معه دائما دفتراً ثم يكتب عليه شيئا، فيجيبه صديقه كتابة أيضا، وهكذا دواليك. على هذا النحو تستمر المحادثات بين الصديقين ساعات وساعات وتملأ عشرات الصفحات.

ولهذا السبب فان بيتهوفن سود مئات الدفاتر، وكذلك فعل غويا. فقد كانت تلك هي الطريقة الوحيدة للتواصل بالنسبة للرجلين.. لم تعد هناك من وسيلة للتواصل مع العالم الخارجي إلا الكتابة أو الإرشادات.

ولكن الأنكى من ذلك هو أن الصمم لم يكن هادئاً ولا ساكنا، وإنما رافقه أزيز مرعب ومزعج في الأذن. كما رافقه وجع في الرأس، وبالتالي فيمكن القول بأن غويا دفع ثمن عبقريته وشهرته غالياً.

ثم يردف المؤلف قائلاً: ويبدو أن هذه المصيبة غيرت من طريقة تصوره للفن، فالعالم حوله أصبح كله صامتاً بسبب طرشه.

وبالتالي فإنه أصبح يراه بعيون جديدة، وقد رسم عندئذ عدة لوحات رائعة. نذكر من بينها: مشهد من مشاهد محاكم التفتيش، سباق الثيران في قرية اسبانية، بيت المجانين.

والواقع ان هذه اللوحات التي رسمها بعد أن أصيب بالصمم الكامل تعتبر الآن من روائع الفن العالمي، وهكذا نجد أن المصيبة بدلاً من أن تقضي عليه شحذت عبقريته الفنية أكثر فأكثر، وربما لهذا السبب قال أحدهم: كل ذي عاهة جبار! ألم يكن الشاعر الانجليزي الكبير ميلتون أعمى؟ ألم يكن بورخيس أعمى؟ وقل الأمر ذاته على المعري أو طه حسين ..إلخ.

ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن عصر غويا، وما حصل فيه من أحداث جسام، ويقول بما معناه: في بدايات القرن التاسع عشر دخلت اسبانيا في مرحلة الاضطرابات والحروب الخطيرة فقد هجم نابليون عليها بجيوشه، واحتلها وأسقط السلالة الحاكمة، ثم وضع أخاه جوزيف بونابرت على عرش اسبانيا.

ولكن هذه البلاد لم تستسلم للغزاة ولم تقبل بالإهانات، فانتشرت فيها الفوضى والثورات، وعاشت عندئذ إحدى أكثر مراحلها اضطراباً وقتلاً ورعباً.ثم انتفضت مدريد والبلاد كلها ضد الغزاة الفرنسيين.

وانتشرت المجاعات في كل مكان من هذه البلاد الفقيرة أصلاً بالقياس إلى ايطاليا أو فرنسا، لقد عاشت اسبانيا ست سنوات من أخطر فترات تاريخها. ولم ينج أي أسباني من انعكاسات الغزو والحرب والجوع على نفسيته.

فماذا كان موقف غويا يا ترى من هذه الأحداث الجسام؟ كيف انعكست عليه؟ لا ريب في أنها أثرت عليه كثيراً وغيرت نظرته للعالم وكل فلسفته. وأصبح أقرب إلى تفهم المشاعر التراجيدية أو المأساوية للحياة.

ويقول البعض بأنه أدان الاحتلال الأجنبي وقاومه بالسلاح الوحيد الذي يتقنه: فن الرسم وإنتاج اللوحات المقاومة. وبالفعل فقد رسم بعض اللوحات التي تدين الغزو كلوحة: كوارث الحرب. ولكن البعض الآخر يقول بأنه على العكس تعاون مع الاحتلال ورسم له لوحات جميلة.

ولكن الحقيقة هي أن موقفه كان أكثر تعقيداً. فغويا كبقية المثقفين الأسبان آنذاك كان يشعر بعاطفتين متضادتين تصعب المصالحة بينهما.

فمن جهة كان متعاطفاً مع الأفكار الليبرالية والتنويرية التي أدخلها نابليون إلى إسبانيا باسم الثورة الفرنسية. ولذلك تعاون مع المحتلين أو أصدقائهم من الأسبان.

ومن جهة أخرى كان يشعر بالكره تجاههم بسبب عواطفه القومية والوطنية. وبالتالي فقد كان بين نارين أو بين كماشتين كما يقال.

ولم يكن موقفه سهلاً على الإطلاق. ومن أجمل اللوحات التي رسمها في تلك الفترة لوحة بعنوان: حاملة الماء. هذا بالإضافة إلى اللوحات التي تصور الحروب والمعارك.

الكتاب: فرانشيسكو غويا

الناشر: كونتربوينت بريس

نيويورك 2005

الصفحات: 246 صفحة من القطع الكبير

FRANCISCO GOYA

EVANS. CONNELL

COUNTERPOINT PRESS NEW YORK 2005

P. 246

طباعة Email
تعليقات

تعليقات