خوان كارلوس

خوان كارلوس

مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الإنجليزي بول بريستون أستاذ مادة التاريخ الدولي في كلية لندن للاقتصاد، وهو من أهم المختصين بتاريخ إسبانيا منذ العصور الوسطى وحتى اليوم، وكان قد نشر سابقاً كتاباً كبيراً عن حياة فرانكو أكبر ديكتاتور في تاريخ إسبانيا المعاصر، وقد لفت انتباه جميع الباحثين بمدى دقته واتساع معلوماته ومعطياته عن هذا الرجل الذي حكم إسبانيا بيد من حديد أكثر من اربعين سنة.

ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه: كان فرانكو في أواخر أيامه قد فكر بتسليم الحكم إلى الملك الشاب خوان كارلوس معتقداً بأنه سيسير على دربه ويؤيد الحكم القمعي والاستبدادي في إسبانيا. وكان خوان كارلوس آنذاك شاباً يحب اللهو والنساء والمتعة والسيارات الفارهة ولا يفكر إطلاقاً بعودة النظام الملكي إلى الحكم.

ولهذا السبب اعتقد فرانكو بأنه يمكن التلاعب بعقليته وتوجيهه في الاتجاه الذي يريده الديكتاتور. ولكن خوان كارلوس خيب آماله تماماً وسار في عكس الاتجاه المرسوم له، فقد ساعد إسبانيا بعد موت فرانكو عام 1975 على الانتقال من مرحلة الديكتاتورية الى مرحلة الديمقراطية.

وكانت أول خطوة اتخذها هي خلع المشروعية على الحزب الشيوعي الاسباني والقبول بعودة زعيمه من المنفى في باريس إلى أرض الوطن، ثم عاد معه الكثيرون من الكتاب والمناضلين الاسبان الذين نفاهم فرانكو بعد سحق الثورة الجمهورية الاسبانية في أواخر الثلاثينات من القرن الماضي.

ومعلوم ان اسبانيا عاشت آنذاك سنوات مرعبة من الحرب الأهلية المدمرة. ثم أقنع الملك الشاب خوان كارلوس الاشتراكي الإسباني بالمشاركة في العملية الديمقراطية، والقبول بالنظام الملكي الدستوري.

وكان ذلك يعني أن الملك يجلس على العرش ولا يحكم. فالحكم يظل من شأن الحكومة ورئاسة الوزراء ومجلس النواب. ولكن الملك يمثل رمز الدولة الإسبانية والهيبة العليا للتاريخ العريق.

لكن من هو خوان كارلوس يا ترى؟ وكيف وصل إلى ما وصل إليه من مكانة في التاريخ المعاصر لإسبانيا؟

عن هذا السؤال يجيب المؤلف قائلاً: ولد خوان كارلوس الأول عام (1938) في الخامس من يناير. وهذا يعني أن عمره الآن سبعة وستون عاماً.

وكان جده ألفونس الثالث عشر ملكاً على إسبانيا حتى سقوط النظام الملكي وحلول الجمهورية الإسبانية الثانية محله عام (1931). ثم اندلعت الحرب الأهلية بعدئذ بين الملكيين والجمهوريين، وأدت إلى انهيار النظام الجمهوري وحلول نظام فرانكو محله حتى عام 1975. وقد ولد خوان كارلوس في روما بإيطاليا، حيث كانت عائلته تعيش في المنفى.

ولكنه ترك والديه وعاد إلى إسبانيا لكي يتدرب على شؤون الحكم على يد فرانكو الذي اشترط ذلك من أجل القبول بعودة النظام الملكي إلى البلاد.

وقد حصلت له حادثة غامضة لا تزال أسرارها مخفية حتى الآن. ففي عام 1956 قتل أخوه الأصغر منه عندما كان ينظّف بندقيته. ولكن بما أن خوان كارلوس هو الوحيد الموجود أثناء العملية فإن الشكوك حامت حوله.

فربما كان هو الذي نظّف البندقية ثم انطلقت منها رصاصة لكي تقتل أخاه.. وحتى الآن لا أحد يعرف الجواب هذا السؤال.

مهما يكن من أمر فإن فرانكو أزاح والده عن عرش إسبانيا وأعطاه الملك لأنه كان شاباً صغيراً يستطيع التحكم به وتوجيهه كما يشاء.

ولذلك جمع الديكتاتور كل أعيان إسبانيا وشخصياتها المدنية والعسكرية بتاريخ (22) يوليو من عام 1969، وأعلن أمامهم بأن خوان كارلوس أصبح أمير إسبانيا، وأنه سيضعه في الحكم في الوقت المناسب، أي عندما يموت الديكتاتور.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وبالفعل فقد استلم خوان كارلوس رئاسة الدولة بالوكالة بين عامي 1974 ـ 1975 أثناء مرض فرانكو. ثم أعلن عن تنصيبه ملكاً لإسبانيا بعد موت الديكتاتور بيومين فقط.

واعتقد اليمين الإسباني عندئذ أن خوان كارلوس سيسير على نهج الزعيم الراحل، فإذا به ينقلب عليه انقلاباً تاماً! وكانت تلك أول مفاجأة يحدثها الملك الشاب في الأوساط السياسية الإسبانية، ولكنها لن تكون الأخيرة.

فقد انخرط خوان كارلوس في إصلاحات ديمقراطية حقيقية كما ذكرنا سابقاً. بل وساهم مساهمة فعّالة في الانتقال بإسبانيا من عهد الديكتاتور إلى عهد الحرية.

وخيَّب بذلك آمال قيادة الجيش وجنرالات فرانكو الرجعيين الذين كانوا يعتقدون بأنه سوف يحافظ على بنية الدولة الفاشية التي أسسها فرانكو، ولكنه بدلاً من ذلك راح يعيّن ادولفو سواريز رئيساً للحكومة. ومعلوم أنه كان زعيماً للحركة الوطنية المضادة للفاشية.

ثم أصدرت حكومة سواريز مباشرة قانون الإصلاح السياسي الذي يتيح تغيير بنية الدولة الفاشية من الداخل ويعطي للشعب حق انتخاب نوابه وحكّامه بالتالي.

وهكذا جرت في إسبانيا عام 1977 أول انتخابات حرة في البلاد منذ أكثر من أربعين عاماً. وكانت انتخابات ديمقراطية عبَّر بواسطتها الشعب الإسباني عن مطامحه وآماله.

ثم كلفوا البرلمان الناتج عن هذه الانتخابات ببلورة الدستور الديمقراطي الجديد للبلاد. وقد صدَّق الملك خوان كارلوس على ذلك وأيده بكل قوة.

وأثبت بذلك أنه ملك دستوري بالفعل، بل وأثبت أنه ملك ديمقراطي تقدمي لا محافظ ولا رجعي.. ولذلك تعلَّق به الشعب أكثر فأكثر وأصبح رمزاً على نهضة البلاد واستعادتها لحريتها واستقلالها.

ولكن كل هذه الإصلاحات الديمقراطية لم تكن لترضي الجماعات اليمينية المتطرفة وبخاصة جماعة فرانكو. صحيح أن الرجل مات ولكن تياره لم يمت معه على عكس ما نتوهّم.

فالرجل الذي حكم إسبانيا أربعة عقود من الزمن أو أكثر ترك وراءه موظفين كباراً وجنرالات عسكريين على أعلى المستويات.

وهؤلاء أحسوا بأن الأرض تميد من تحتهم بسبب هذه الإصلاحات الديمقراطية. ولذلك قرروا التحرك واستخدام الأسلوب الوحيد الذي تتقنه القوى الفاشية: أي أسلوب العنف والضرب.

وعلى هذا النحو حصل الانقلاب العسكري الذي فاجأ الشعب الإسباني والعالم أجمع في (23) فبراير من عام 1981. وفي هذه المناسبة العصيبة التي اهتزت لها اسبانيا أثبت الملك خوان كارلوس انه رجل فعلاً.

لقد برهن على شجاعته ورباطة جأشه ولولا ذلك لنجح الانقلاب ولأجهضت كل الإصلاحات السياسية في مهدها ولعادت اسبانيا إلى عهد الديكتاتورية والفاشية.

ما الذي حصل بالضبط؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلاً: كان البرلمان الاسباني المنتخب من قبل الشعب مجتمعاً في جلسة استثنائية مهمة تنقلها شاشات التلفزيون على الهواء مباشرة.

وفجأة هجم بعض القادة العسكريين المدججين بالسلاح على القاعة وأطلقوا النار في الهواء. فأرعبوا النواب والوزراء وراح البعض يهوى على الأرض لكي يختبيء تحت المقاعد والطاولات.

وعندئذ أصبحت الديمقراطية قاب قوسين أو أدنى من الانهيار لولا عفو الله ثم جلالة الملك! فقد ظهر خوان كارلوس فوراً على شاشة التلفزيون وهو يرتدي الزي العسكري وألقى خطاباً مهيباً في الأمة، وطالب المهاجمين بالانسحاب من قاعة البرلمان وعدم التعرض بأذى للنواب المنتخبين شرعاً أو للوزراء.

ثم وجه نداء إلى الجيش يطالبه فيه بالدعم اللامشروط للحكومة الاسبانية المنتخبة ديمقراطياً. وقال لهم بأنها هي الحكومة الشرعية التي انتخبها الشعب ولا يمكن إسقاطها عن طريق انقلاب عسكري.

في الواقع ان خوان كارلوس كان قد اتصل قبل ذلك وبشكل سري بقادة الجيش لكي يضمن ولاءهم له.

ولولا ذلك ما استطاع إلقاء الخطاب أصلاً ولربما كانت العناصر الفاشية قد قبضت عليه في القصر الملكي هو الآخر أيضاً.

وهكذا نجت اسبانيا من الديكتاتورية والفاشية التي كانت محدقة بها. وكان ذلك بفضل صمود قائدها ورمز سيادتها الملك خوان كارلوس الأول. وبعد تلك المأساة التي عصفت باسبانيا أصبح خوان كارلوس الزعيم الشعبي الأوحد لاسبانيا.

من المعلوم ان السكرتير العام للحزب الشيوعي الاسباني سانتياغو كاريللو كان قد صرح أثناء تنصيبه ملكاً قائلاً بأنه ضعيف الشخصية ولن يدوم ملكه طويلاً، ولا يعلق عليه أي أمل.

ولكن بعد هذه الحادثة الكبرى غير رأيه وراح يصرخ بأعلى صوته: ليحيا خوان كارلوس! ليحمي الله الملك! .. وهكذا أصبح شعب اليسار ملكياً أكثر من الملك.

ثم صرح زعيم سابق للجمهوريين الأسبان قائلاً: نحن الآن كلنا ملكيون! فالمبادئ الجمهورية والديمقراطية لا تتعارض إطلاقا مع وجود ملك مستنير يحترم الدستور والقوانين كخوان كارلوس وبالتالي فالمعركة في اسبانيا لم تعد بين الملكيين والجمهوريين وإنما بين الملكيين الدستوريين والجمهوريين من جهة، وبين القوى الفاشية المعادية للحرية والديمقراطية من جهة أخرى.

ثم يردف المؤلف قائلاً: والآن نلاحظ ان الملك يملك طبقاً لمبادئ الدستور ولا يحكم البلاد فعلاً. وإنما هو رمز على وحدة البلاد. فإذا ما تهددتها الأخطار أو الانقسامات الداخلية فإنه يقف على رأس الجميع ويقول: أنا هنا. انا أمثل وحدة الشعب الاسباني، وممنوع على أي فئة ان تهدد هذه الوحدة المقدسة مادمت حياً.

ولهذا السبب فان الانفصاليين في منطقة الباسك فكروا باغتياله من أجل تقسيم اسبانيا، ولكن قوى الأمن اكتشفت المخطط قبل حصوله فنجا الملك مرة أخرى من العملية.

والواقع ان الأسرة المالكة كانت تقضي الصيف في منطقة رائعة في بلاد الباسك. ولهذا السبب فان المنظمة الانفصالية والإرهابية الباسكية فكرت في قتله اما داخل القصر أو خارجه ثم حما الله الملك من هذه المخططات والدسائس التي تتم في جنح الظلام.

وأخيراً يرى المؤلف ان اسبانيا حققت قفزة نوعية في عهد الملك خوان كارلوس. فقد لحقت بركب الحضارة الأوروبية بعد ان كانت قد تخلفت عنه كثيراً في عهد فرانكو. وأصبحت البلاد ذات اقتصاد قوي ومستوى معيشة مرتفع قياساً إلى ما كانت عليه في الماضي.

والواقع أنها كانت متخلفة عشية موت فرانكو عام 1975، ولكنها الآن دولة حديثة وقوية وناهضة على كافة الصعد والمستويات ليس غريباً إذن ان يصبح عيد ميلاد الملك عيداً وطنياً للشعب الاسباني كله.

الكتاب: خوان كارلوس

الناشر: هاربر ـ بيرينيال ـ لندن 2005

الصفحات: 624 صفحة من القطع الكبير

JUAN CARLOS

PAUL PRESTON

HARPER - PERENNIAL LONDON 2005

HARP

طباعة Email
تعليقات

تعليقات