العمارة في العصر الأموي

العمارة في العصر الأموي

يعتبر مؤلف هذا الكتاب، المعماري والأكاديمي العراقي، د.خالد السلطاني من الأسماء اللامعة في مجال العمران. قضى زمناً طويلاً في التعليم المعماري في الوطن العربي وخارجه، وتخرج على يديه أعداد كبيرة من المعماريين، وقد أثرى، بما يكتبه عن العمارة والعمران، المكتبة العربية الفقيرة إلى هذا النوع من الكتابة.

ولد في الصويرة، من أعمال واسط بالعراق، سنة 1941م، سافر في منتصف الستينات إلى الاتحاد السوفييتي السابق لاستكمال دراسة العمران حيث انتسب إلى مدرسة موسكو للعمارة التي حصل منها على شهادة الدكتوراه في العام 1973 م.

عاد بعد ذلك إلى بلاده ليعمل في كلية الهندسة المعمارية في بغداد حتى منتصف التسعينات حيث غادر العراق إلى الأردن ليدّرس في جامعاتها، حتى مطلع القرن الحالي، وهو شغل خلال فترة إقامته في الأردن منصب مدير المعهد العالي للعمارة والفنون الإسلامية في جامعة آل البيت.

يقيم السلطاني في الدنمارك منذ ثلاث سنوات حيث يدرس، كأستاذ زائر، في مدرسة العمارة التابعة للأكاديمية الملكية الدنماركية للفنون في العاصمة كوبنهاغن.

أشرف على رسائل جامعية عديدة في مرحلتي الدكتوراه والماجستير بالعراق والأردن، وصمم أعمالاً معمارية مختلفة الوظائف حاز بعضها على مراتب أولى في المسابقات المعمارية. ونشر العديد من البحوث والكتب ضمن حقل اختصاصه، من أهمها:

«حوار في العمارة«، «الموسوعة الصغيرة»، «رؤى معمارية»، وله قيد الطبع «قرن من الزمان: مئة عام من عمارة الحداثة»، و«العمارة الحديثة في العراق: السنين التأسيسية»، و«التناص المعماري: إشكاليات المفهوم والتطبيق».. وغيرها.

يحاول السلطاني عبر هذه الكتابات والمقالات والدراسات أن يكرس مفاهيم خاصة تتناول المنجز المعماري، فهو يهتم ببحث شؤون العمارة العالمية الحديثة وتجلياتها الأسلوبية، مقتنعاً بأن التعرف على المشهد المعماري العالمي عن كثب، يفسر له كثيراً طبيعة مسارات ودواعي تنوع المقاربات التصميمية في الخطاب المعماري العربي. وثمة قضية معرفية أخرى، شغلته وكرس لها سنوات طويلة من عمره المهني.

ـ كما يقول ـ انحصرت في «إشكالية إيصال المعلومة المعمارية الصحيحة والنافعة إلى طلابها»، فأمضى في التدريس أستاذا للعمارة سنين عديدة، حاول خلالها أن يرسي مفهوماً معرفياً جديداً، يقترب من معنى ذلك النشاط التصميمي المميّز الذي يعرف بـ «العمارة العربية الحديثة».

هذا الانهماك والانشغال في مهام التدريس والتعليم الجامعي قاده إلى تحفيز فئات اجتماعية متنوعة بوجوب وضرورة الاهتمام بموضوعة العمارة، مستثمرا، من اجل تحقيق هذا الهدف، امكانات النشر وطرائقه المتنوعة، فعكف على الانخراط في مهام توسيع رقعة النشر المعماري، أملاً في تيسير إدراك وفهم موضوع العمارة الذي عُد دائما موضوعاً نخبوياً يهتم به أهل الاختصاص فحسب.

إن هذه الاهتمامات المتشعبة ـ وإن كانت تصب في قناة واحدة هي العمارة ـ قد تثير نوعاً من الارتباك لدى أي محاولة ترمي إلى تحديد اختصاص الكاتب، فمن المتعارف عليه علمياً، انه كلما كان مجال البحث واسعاً وشاملاً، كلما قلت مصداقية التعاطي الموضوعي مع الحدث المثار.

غير أن السلطاني يرد على هذه الملاحظة، فيقول «أود، في هذا المقام، أن أشير إلى احتمال تلمس المتلقي لخيط، ازعم بأنه متين، يجمع بين تلك المواضيع التي انشرها والتي قد تبدو متعددة ومختلفة، للوهلة الأولى، ذلك لأني مهتم أساسا بموضوع «العمارة العربية الحديثة».

وهذا الاهتمام قادني إلى تقصي جذور هذه العمارة تاريخيا، مما دعاني إلى دراسة العمارة الإسلامية وإنجازاتها كمنبع وحاضنة لتطبيقات العمارة العربية الحديثة»، ومن هنا نفهم سبب إصداره لهذا الكتاب الذي نحن بصدده «العمارة في العصر الأموي: الإنجاز والتأويل» الذي صدر مؤخراً عن دار المدى بدمشق».

يرى الباحث بأن العمارة العربية الإسلامية، على الرغم من إضافاتها التصميمية المهمة، للفكر المعماري الإنساني، ونماذج تطبيقاتها ذات الشأن، التي عدت من كنوز العمارة العالمية، لم تنل الاهتمام الكافي من الدراسة والتقييم، ولا سيما من أبنائها المعماريين على وجه الخصوص.

فظلت تلك المنجزات المعمارية المكتنزة بالتصاميم الجميلة وحسن استجاباتها البيئية، «رهينة المعرفة التاريخية، وأسيرة الاغتراب الزمني» على حد تعبير الباحث.

إن هذا الشعور، والغيرة الفنية المعمارية ـ إذا جاز التعبير ـ هو الذي يدفع السلطاني لينجز هذا العمل المهم، وهو يعلم أن الكثيرين تصدوا لدراسة العمارة العربية الإسلامية، منهم التاريخي، ومنهم الآثاري، فضلا عن نقاد الفن والمهتمين بالتراث وعلماء اللغة والدين، بيد أن طروحاتهم وتأويلاتهم جاءت وفقا لنوعية ثقافتهم.

واسقاطاتها على المنجز الحضاري، الأمر الذي قاد هذه الدراسات إلى الاهتمام بالمقاربات الوصفية والتصويرية والتسجيلية لذلك المنجز، فهي صدرت إبان مرحلة التأسيس لمفهوم العمارة الإسلامية، غير أن استمرار وشيوع ذلك القصور، حتى الآن، في فضاء الخطاب الذي يتناول تلك العمارة لم يعد مقبولا.

من هنا ندرك أهمية هذه الدراسة التي لا يزعم كاتبها بأنها البديل المثالي لتلك الطروحات القاصرة، والمختزلة، لكنه يطمح لأن يكون نصه منطويا على إجابات لتساؤلات أثارها المسار التطوري للعمارة العربية الإسلامية أمام جميع العاملين بتلك العمارة.

وهو يقر ـ رغم الانتقادات المذكورة ـ بأن هذا العمل ما كان له أن يرى النور لولا الجهود التي بذلها عرب وأجانب في رصد وتسجيل ومسح ووصف وتنقيب ودراسة تلك الآثار المهمة.

والنماذج الرائعة للممارسة البنائية الواسعة، المتعددة المضامين، فالدراسة، بهذا المعنى، تعتمد على نتائج بحوث مختلفة ذات نفس علمي عميق، قام بها علماء من مختلف بلدان العالم.

إن النشاط المعماري في العصر الأموي الذي دام حوالي القرن أي بين عامي (660 م وحتى 750 م) كان واسعاً، ومتشعباً، إذ يشكل الإنجاز المعماري في هذا العصر حلقة مهمة وأساسية في المشهد المعماري العالمي، ذلك أن هذا الإنجاز.

كما يشير الباحث ـ اقترن ظهوره بعمليات نضوج واكتمال أفكار معمارية سابقة بدأت تنشأ منذ ظهور الدين الإسلامي، كما أن حدوث ذلك الإنجاز ترافق مع مقومات تأسيس أعراف، وتقاليد صيغ تكوينية جديدة لعمارة اصطلح على تسميتها لاحقا «العمارة العربية الإسلامية».

هذا التوسع والثراء لا يمكن دراستهما بشكل كاف في دراسة واحدة، خصوصا وان هذه الدراسة لا تضع لنفسها هدف تسجيل ومسح جميع المباني والمنشآت التي شهدها الفضاء المعماري في تلك الحقبة، غير أن النماذج المختارة، التي تم التعاطي معها ودراستها، هي نماذج تعطي تصوراً كاملاً لأهمية الأحداث المعمارية التي شهدها العصر الأموي.

وهي تعتمد على الحقائق والوقائع عن تاريخ المباني الأموية، وأبعادها، ومقاساتها، وتعدد فراغاتها، ونوعية أشغالها، وغير ذلك من الأمور التي تطرق إليها بإسهاب الرواة الأقدمون والمختصون الأثريون.

ويتبين من خلال قراءة هذا الكتاب أن الباحث يتوخى أن يكون الكلام عن العمارة في العصر الأموي شاملاً لحدثين اثنين يراهما الكاتب أساسيين، وهما الإنجاز والتأويل. فمهمة العمارة، أية عمارة، تكمن في قيمة إنجازاتها وما حققته من مبان وإنشاءات، وما يتضمنه ذلك الإنجاز من امكانيات التأويل والتفسير.

وعلى ضوء ذلك تطمح مفردات، وتوجهات هذه الدراسة لأن تعكس بصدق تلك المقاصد والغايات مبتدئة، في الفصل الأول، بأهمية الفضاء المعماري الذي توافرت في بيئته أسباب ظهور هذه العمارة التي هي جزء لا يتجزأ من خصوصية تلك البيئة، البيئة بمعناها الفيزياوي ـ الجغرافي، ومعناها الاستدلالي الثقافي.

ثم ينتقل الباحث عبر الفصول الأربعة التالية إلى الحديث عن الإنجازات المعمارية والتخطيطية إبان العهد الأموي، ولاسيما عمارة المساجد الجامعة، مثل مسجد الكوفة في العراق.

ومسجد عمرو بن العاص في القاهرة، وقبة الصخرة في القدس، والمسجد الأموي الكبير في دمشق، والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، والمسجد الأقصى في القدس، ومسجد عقبة بن نافع في القيروان بتونس...وغيرها.

وهو يولي اهتماماً خاصاً، كذلك، بعمارة القصور الريفية بوصفها أنشطة رئيسية في الممارسة المعمارية لتلك الفترة، ومن هذه القصور يتحدث السلطاني عن قصر الخرانة في بادية الأردن، وقصر المِنْيَة عند الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا، وقصر عَمْرَة شرق العاصمة الأردنية.

وقصر الحير الغربي، وقصر الحير الشرقي في بادية الشام بالقرب من مدينة تدمر، وغيرها من المباني المعمارية التي شيدت في تلك المرحلة، والتي لا تزال آثارها منتشرة على الرقعة الجغرافية التي خضعت للحكم الأموي.

ولدى تعاطيه مع مفردات النشاط المعماري المحدد في الدراسة يتبع الباحث منهجا واضحا وذلك بتأشير موقع المبنى المدروس، وتحديد الفترة الزمنية لتاريخه، وبانيه، والحوادث التي تعرض لها، ومكوناته الأساسية.

وعناصره التصميمية، ثم يتناول امتيازه المعماري، وطبيعة النسيج والتكوين والعناصر التزينية، وكذلك المعالجات البيئية والمناخية له. ثم يقف عند خصوصية الامتياز الإنشائي، ونوعية المواد والأساليب الإنشائية المستعملة فيه.

ويفرد الباحث فصلاً مستقلاً، للحديث عن إشكالية التأثير والتفاعل في الناتج المعماري بالعصر الأموي، وهي إشكاليات تعددت الآراء فيها، بتعدد المنطلقات والتوجهات، غير أن الباحث يحاول إظهار أهمية التأثير والتفاعل بين الحضارات، واعتبار هذا التفاعل سلوكية مألوفة بل مطلوبة لجهة تعجيل فعالية تلقيح الأفكار، والإفادة من منجزات الآخر، وتطويعها وتوظيفها، في تحقيق المنجز المعماري.

وفي الفصل الأخير يتناول الباحث المشهد المعماري في العصر الأموي، وإشكاليات التأويل، انطلاقا من أصالة المنجز، الذي تم في تطبيقات بنائية واسعة، ليختم الباحث دراسته بملحق، يشغل ثلث حجم الكتاب، يتضمن صورا ومخططات وتصاميم وأشكالاً نادرة للأبنية التي تم دراستها في صفحات الكتاب.

تسعى الدراسة لأن تكون منطلقاتها واضحة ومباشرة في تناول الحدث المدروس، دون إقحام لما لا لزوم له، ويحاول الباحث توظيف أدوات المناهج النقدية الحديثة، وآلياتها لإضاءة النص المعماري، ويظهر من خلال النصوص الثقافة الواسعة التي يتمتع بها الباحث الذي اعتمد على كم كبير من المراجع يثبتها في نهاية كل بحث.

وهو لا يعد هذه الدراسة شاملة ووافية، بل محاولة ضمن مسار طويل يتطلب قراءة الموروث المعماري القديم قراءة تحليلية وعلمية ومهنية، تفتقر إليها الدراسات المعمارية المعاصرة المنشغلة في عمومها بالجانب الوصفي أو المكتوبة لغايات دعائية سياحية تقلص كثيراً من مساحة الإبداع الغافية في نقوش المباني وفي أشكالها وتصاميها الغنية والمدهشة.

ابراهيم حاج عبدي

الكتاب: العمارة في العصر الأموي:

الإنجاز والتأويل

الناشر: دار المدى ـ دمشق 2006

الصفحات: 390 صفحة من القطع

المتوسط

طباعة Email
تعليقات

تعليقات