أنطون المقدسي

أنطون المقدسي

يحتفي هذا الكتاب، الذي أعده الكاتب والصحافي السوري فايز سارة، بأحد أعلام الثقافة السورية الذي توفي في السادس من يناير 2005، وهو: أنطون المقدسي.

وفيه يستعيد عدداً من المثقفين السوريين واللبنانيين والفلسطينيين ذكرى الراحل الذي ترك وراءه محصلة غنية لحياة تجاوزت التسعين عاماً، قضى أكثر من ثلثيها في خدمة المجتمع والثقافة معلماً ومدرساً وناشطاً سياسياً ومديراً لواحد من أهم البرامج الثقافية في العالم العربي، وهو برنامج التأليف والترجمة في وزارة الثقافة السورية في الفترة ما بين 1965و2000.

ويجمع الكتاب بين صفحاته مقالات وشهادات تتناول تجربة انطون المقدسي الثقافية والحياتية، حيث كتب الأب الياس زحلاوي «الحياة في خدمة الآخرين».

وكتب عماد العم عن «رحيل أنطون المقدسي يشبه ثقافة الحرية والأحرار»، وكتب حسن داوود «ما كنا نحب أن نعرفه عن انطون مقدسي»، ومحمد علي أتاسي عن «أنطون المقدسي الحرية الثكلى»، وعبد الرزاق عيد «مرآة لتجربة الحداثة»، واسكندر حبش «شيخنا الجليل» .

ومحمد جمال باروت «هوامش في سيرة مطوية»، وحنا مينة «مات الطوباوي المقدسي، فلا تميتوا الطوبا أيها العائشون»، وميشيل كيلو «كان في كل بداية»، وأحمد برقاوي «هزيمة الواقع»، ويوسف سلامة «فيلسوف»، ورضوان زيادة «انطون المقدسي والزهرة الأولى في ربيع دمشق»، ، وفايز سارة «انطون المقدسي معلماً وإنساناً» وكتابات أخرى.

وتتناول مقالات الكتاب جوانب متعددة الأبعاد من حياة الأستاذ المقدسي، إلى جانب بعض المقالات التي كتبها أنطون مقدسي نفسه في مناسبات مختلفة، وخصوصاً في مرحلة ما سمي ب«ربيع دمشق» وما تلاها.

حيث وجه رسالة مفتوحة عبر الصحافة إلى الرئيس بشار الأسد «من الرعية إلى المواطنة»، وكتب عن الأوضاع التي تعيشها سوريا في الألفية الثالثة، ويكشف فيها عن جوهر المشاكل السياسية والاجتماعية التي تعانيها البلاد، مطالباً بضرورة السير في طريق الإصلاح الذي كان المقدسي من بين أبرز دعاته، وأكثرهم وضوحاً في التوجه إلى قضايا الإصلاح وجوانبه السياسية.

ولد أنطون ميخائيل المقدسي في يبرود عام 1917، ودرس الابتدائية وقسماً من الثانوية فيها والقسم الآخر في دمشق 1933 ـ 1934. وحصل على إجازة في الفلسفة وشهادة في الأدب الفرنسي من جامعة مونبلييه في فرنسا، وعلى إجازة الحقوق، وأخرى في العلوم السياسية من مدرسة الحقوق الفرنسية في بيروت، وكانت لا تزال تابعة لجامعة ليون الفرنسية في ذلك الوقت.

وعمل مدرساً للفلسفة في حمص ابتداء من 1940، ثم في حماة ودمشق وحلب، ومدرساً لعلم النفس والتربية بعد ذلك في دار المعلمين بحلب ثم بدمشق، ومدرساً للفلسفة اليونانية في جامعة دمشق طوال عشرين عاماً، ومدرساً للفلسفة السياسية في المعهد العالي للعلوم السياسية مدة أربع سنوات.

وبعدها أصبح مديراً للتأليف والترجمة والنشر في وزارة الثقافة بدءاً من العام 1965 وصولاً إلى العام 2000، حيث فصل من وطيفته بسبب مقالاته النقدية للوضع القائم في سوريا.

لم يؤلف أنطون المقدسي أي كتاب سوى ما جمعته دار «رياض الريس» تحت عنوان «افتراق الجسد العربي»، ومشاركته في كتاب «الأمة على مشارف الألف الثالث» الذي صدر عن دار «النهار». بالمقابل فقد اهتم بكتابة المقالات والترجمات.

ويعتبر أنطون مقدسي أحد شهود هذا العصر، ونهض بأدوار مهمة في المراحل المفصلية من تاريخ سوريا الحديث، حيث كان أحد مؤسسي «الاتحاد الاشتراكي» مع أكرم الحوراني.

ووضع دستوره ونظامه الداخلي، لكنه لم يغدو زعيماً سياسياً. وكان أحد كاتبي وثيقة اندماج «الاشتراكي» مع «البعث العربي»، لكنه لم يدخل إلى لعبة السلطة والمناصب، بل نأى بنفسه عن حزب البعث العربي الاشتراكي حين وصل إلى السلطة في عام 1963.

ويرى الأب الياس زحلاوي أن أنطون المقدسي عاش حياة مليئة بالفكر والعمل والمواقف، وأخلص أيما إخلاص لخياراته، رغم ما كابده في سبيلها من آلام وتعرض له من متاعب، حتى ليمكن القول إن مسيرة الواقع والفكر الحديثين لبلادنا والعالم موجودة في سيرته، ذلك أنه تابع كل كبيرة وصغيرة، وعرف كيف يضع يده على ما نحن بحاجة إليه.

ومع أنه لم يترك كتباً كثيرة وراءه، لكنه لا يوجد مثقف أو سياسي واحد في سوريا لم يتأثر به، أو لم يتوقف عند كتاباته، التي اتسمت على الدوام بالجدة والعمق، ومثلت لحظات مفصلية في مسيرة الثقافة والفكر والسياسية في سوريا. كما ترك المقدسي وراءه حياة وضعها في خدمة الآخرين، ومبادئ ألزم بها نفسه قبل سواه وترك لنا مثالاً في المحبة والتواضع والوداعة والعفة.

ويذهب يوسف سلامة إلى اعتبار المقدسي فيلسوفاً بحق، خرج من التراب السوري وعاد إليه، وما عودته تلك إلا نذير بانبجاس أفكاره في صورة أخرى، إذ كان يعيش دهشة دائمة ممتزجة بنوع من السخرية المهذبة التي تذكر بسقراط، وإن كان المقدسي نكهة سورية يبرودية خاصة تخلع عليه طابع الفيلسوف الحق الخارج من بيئته والمنتج لأفكاره، انطلاقاً من ذاته وعصره وأمته.

أما حنا مينة فيعتقد أن أنطون مقدسي كان أفلاطونياً متعنتاً، وكرّس نفسه لتخريج أجيال من الطلاب يأخذون بالميتافيزيقا الأفلاطونية، ويقدر الجهد الذي بذله المقدسي في ضبط ترجمة كتاب «رأس المال» لكارل ماركس في عدة أجزاء.

بينما يرى جمال باروت أنه على الرغم من قامة مقدسي السامقة في امتصاص أحدث ما يتم إنتاجه من اتجاهات في حركة الأفكار والأدب عالمياً وعربياً ومحلياً، إلا أنه كان مسكوناً بعقدة تناقضية خفية من جيل الأساتذة السوريين الذي ينتمي إليه جيلياً وتكوينياً.

تعبير الأساتذة هو تعبير سوري، ارتبط برواد العمل الفكر القومي العربي في سوريا. وكان يطلق على أمثال ميشال عفلق وزكي الأرزوزي وصلاح الدين البيطار وجمال الدين الأتاسي وبديع الكسم وسامي الدروبي.

يقول أنطون مقدسي: «منذ البداية قررت أن أكون مثقفاً وأن أبقى مثقفاً، وبما أن المثقف لا يمكن أن يكون حيادياً قررت أن أتخذ موقفاً نقدياً، وأن لا أنتظر أي وطيفة سياسية وتكريماً زائفاً». فالثقافة هي التي أملت عليه أن يكون منحازاً إلى ما يعرف وإلى ما ينقصه من معرفة.

وأن ينحاز إلى ما «يرى» وإلى ما يتوق إلى معرفته، كونه مثقفاً جوهرياً كما يكتب عماد العلم، وهذا ما منعه من أي يكون حيادياً. إضافة إلى كونه رجلاً شجاعاً، لأن المثقف الحقيقي هو المثقف الشجاع، الجسور الجريء، الذي لا يخشى إرهاباً وقمعاً وتضييقاً.

وبالتالي فالمقدسي بطلاً ضد الأبطال، وقائداً ضد القادة، بوصفه الشخص المنذور للثقافة وصاحب رسالة، حيث نذزته أقداره لأن يكون معلماً ثقافياً يحمل رسالة مجتمعية لا ربح فيها للذات، لأن الربح هو ربح مجتمعي وبنيوي يطاول الطبقات الدفينة في اللاوعي الجمعي، ليخرج في ما بعد إلى شمس الوعي على طريقة ما تفعله الفلسفات والأفكار العظمى في تاريخ الشعوب.

وحضاراتهم المتعاقبة. لذلك يكتب مشيل كيلو بأن الثقافة عند المقدسي لم تكن امتيازاً شخصياً ومسألة فردية تخص حاملها وحده. بل كانت «وديعة وطنية» ـ إن جاز التعبير ـ صاحبها الحقيقي «الآخرون» أي الشعب أفراداً وجماعات.

إذن، يبرز الكتاب جوانب مهمة من شخصية أنطون المقدسي، المثقف النقدي، الذي كان بحق شيخ المثقفين السوريين كما يقول رضوان زيادة، وعليه فإن الكتاب يمتلك أهمية خاصة، نظراً لما تمثله حياة هذا الرجل في الثقافة والتجربة المعاشة، بوصفها حياة تستحق أن تقدم للأجيال الجديدة من السوريين الذين يتطلعون إلى غد أفضل حاول المقدسي السعي إليه.

ويدخل الكتاب في إطار يستحق التنويه به، من جهة كونه يمثل احتفاء بأحد رموز الثقافة السورية وتكريماً، وهو ما نرجو أن لا يتوقف عند أنطون المقدسي، بل أن يمتد إلى شخصيات ثقافية وفكرية، جرى، أو يجري، تعمد نسيانها وإقصاءها من ذاكرة الثقافة السورية.

عمر كوش

الكتاب: أنطون المقدسي

الحياة والثقافة والمواطنة

إعداد: فايز سارة

الناشر: دار الأهالي ـ دمشق 2005

الصفحات: 144 صفحة من القطع المتوسط

طباعة Email
تعليقات

تعليقات