بغداد التاريخ والشعر

بغداد التاريخ والشعر

ينطوي استدعاء تاريخ مدينة كبغداد ارتبط اسمها بدار الخلافة وحاضرة الدولة العباسية التي تعد من أزهى عصور الحضارة العربية الإسلامية على مقاصد دلالية كبيرة حاضرة في الوعي الجمعي، لاسيما في هذه المرحلة التي تعيش فيها هذه المدينة حالة من الدمار والموت والضياع في ظل الاحتلال الأميركي،

وهذا ما يظهر واضحاً في كتاب الدكتور وليد محمود خالص الباحث والأكاديمي العراقي الذي يعمل حالياً بجامعة مسقط، إذ يكشف العنوان منذ البداية عن مقاصد دلالية واضحة يراد منها تحديد مجال البحث من جهة، ومن جهة أخرى إبراز المعاني التاريخية والثقافية التي تمثلها هذه المدينة، وهو ما يحاول الباحث التأكيد عليه من خلال المقبوسات التي يصدر بها الكتاب والتي تتضمن أقوالاً وآراء لرحالة ومؤرخين وشعراء قدماء وحديثين دونوها وأكدوا فيها عظمة هذه المدينة وسحرها،

ولعل هذا الحشد من النصوص الأدبية والشعرية القديمة والحديثة يكشف عن القيمة الخاصة التي كانت وما زالت تمثلها في الوجدان الجمعي العربي. يشير الباحث في مقدمة الكتاب إلى تمايز هذا الكتاب عن الكتب الأخرى التي ألفها من حيث انشغاله بتلك المدينة التي ولد فيها وعاش،

وارتبط بها بعلاقة عشق، لكنه من أجل تحقيق الموضوعية في البحث يعمد إلى كبح الجانب الذاتي، ثم يتحدث عن الأسباب التي دعته إلى تأليف هذا الكتاب والتي تنبع من خصوصية العلاقة التي تربطه بهذه المدينة، والخصائص التي تميزها عن غريها من المدن الأخرى، حيث تظهر هذه الخصوصية في الموقع الجغرافي والناس والطبيعة والمزاج.

فهذه المدينة عبر تاريخها ظلت تسطع مرة وتخبو أخرى لتعود وتسطع من جديد، وهي أكثر قوة ونهوضاً، ولهذا يستوقف الباحث التنوع والغنى الذي عرفته هذه المدينة طوال تاريخها، فإلى جانب فئات العلماء والأدباء والفلاسفة والترجمة والأطباء كانت هناك فئات العيارين والشطار وأهل البطالة الذين كان لهم دور في إكمال الوجه الآخر لبغداد.

كما عرفت التنوع من خلال تنوع الأديان والأعراق فإلى جانب المسلمين كان هناك النصارى واليهود والصابئة والمجوس والبراهمة، وكانوا جميعاً عناصر فاعلة في الحركة الثقافية عموماً، وحركة الترجمة خصوصاً، كما ان هذه المدينة استوعبت أولئك المفكرين والأدباء الذين خرجوا عن النسق الديني والثقافي المحافظ، وولدوا هزات فكرية وجدالاً عنيفاً فتح أمام الفكر آفاقاً جديدة تعتبر من أغنى عصور الحضارة العربية والإسلامية.

توزع دراسات الكتاب على محورين اثنين، المحور الأول قدّم فيه الباحث إضاءات جديدة على موسوعة بغدادية قديمة هي موسوعة «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» لمؤلفها القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي ويعد هذا الكتاب من أهم كتب المؤلف، التي يستهلها بدراسة مدلول العنوان كونه يشير على مضمون الكتاب الذي يحتوي على أحاديث وأخبار سمعها المؤلف أو تلقفها من المجالس، كما يقول في مقدمة كتابه،

ولعل الأهمية المنهجية فيه تكمن في التصنيف الذي يقوم على التقاط الأخبار النادرة من المجالس وهي أخبار تدون لجانب من حياة المجتمع أغفله كثير من المؤلفين، وفيها يفرض التنوخي منهجاً صارماً يحدده في الابتعاد عن تقسيم الكتاب إلى فصول كما جرت العادة، إضافة إلى تدوين الشعر وإثباته وتصدير كل جزء برسالة تدل على جنس الأخبار والغرض منها.

يعرض الكتاب لكثير من الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي انفرد بذكرها، ولذلك يتوقف الباحث أولاً عند التقاء المؤلف مع كثير من الشخصيات السياسية والثقافية في عصره إذ ساعده ذلك في تقديم صورة أخرى لهم تختلف عن الصورة التي قدمتها الكتب الأخرى،

ثم يتجاوز هذه الشخصيات إلى عالم المجتمع الذي عاشت فيه تلك الشخصيات وشاركت في صنع أحداثه أو تغيير مجراه، كما يلتفت إلى جوانب مهمة تكشف عن التغيير الذي طال المجتمع لا سيما على صعيد ظهور طبقات جديدة أدى إلى انقسامه اجتماعياً، وحدوث الاضطراب فيه، لكن الجانب الأكثر غرابة في هذا الكتاب يظهر في استخدام التنوخي في التدوين اللهجة البغدادية الدارجة خاصة في تدوين الخبر والحوارات، حيث ما زال كثير من المفردات والتراكيب مستعملاً حتى الوقت الراهن.

المحور الثاني من الكتاب يتناول الشعور في عصور بغداد الزاهية، ومنذ البداية يشير البحث إلى صعوبة المهمة التي يرى إنها تشبه حبس الريح في عباءة، لأن ما كتب عن هذه المدينة كثير وكثير جداً، فقد كانت محط عناية المؤرخين والبلدانيين والمفسرين والفقهاء والرواة والتراجمة في حين حظي الشعر باهتمام الباحثين فخصوا كل اتجاه شعري بكتاب وحظي كل شاعر بمؤلف أو مؤلفات، وقد أمدت بغداد الدارسين بالمواد المتنوعة لذلك،

وقبل أن يتحدث عن دورها الثقافي يشرح الأسباب التي حدت بالمنصور لبناء هذه المدينة وفي مقدمتها ضرورات سياسية وعسكرية وحضارية ثم يقوم بشرح كل واحدة من الأسباب التي أراد منها في النهاية بناء مدينة متفردة ومتميزة عن الحواضر السابقة سواء من حيث الموقع أو البناء، حتى يقال إنه استعان لذلك بالمنجمين كما ذكر المؤرخون، وقد لعب هذا الموقع دوراً مهماً حيث أقامت معظم الدول عاصمتها في هذا المكان بدءاً من الأكاديين وحتى الاسكندر المقدوني وكأن المنصور أراد بذلك أن يرث كل هذه الحضارات.

ومن أجل أن تكون هذه المدينة متفردة لجأ إلى حشد العمال والمهندسين من كل البلدان وأجرى عليهم الأرزاق، وقام ببناء ثمانية أبواب نقل سبعة منها من مناطق مختلفة كما يقول كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي، خمسة منها كانت للحجاج وواحدة جيء بها من خراسان وأخرى من الشام من عمل الفراعنة،

كما ميز هذه المدينة من حيث تخطيطها وإنزال الناس فيها إذ كان هذا التخطيط مختلفاً عما سبق ويشير إلى سمة العالمية التي ميزتها، فهي لم تقم على أساس القبيلة بل كان تنظيمها وفق الجماعات والبلدان التي جاء منها الأفراد، ولذلك فإن التجمع السكاني الذي سكن هذه المدينة في البداية أو في مرحلة تطورها وازدهارها كان أخلاطاً متنوعة من الأجناس كالعرب والفرس والترك والهنود واليونان وأهل الذمة من النصارى واليهود والمجوس والصابئة إضافة إلى الرقيق.

ويتناول الباحث المكانة العلمية الكبيرة التي احتلتها خلال مدة قصيرة تنامت فيها هذه المكانة مع التطور الحضاري الذي بلغته في مراحل لاحقة سواء على مستوى العلوم النقلية أو العلوم العقلية أو العلوم العملية، لا سيما على مستوى الترجمة التي قام بجزء كبير منها النصارى ما يدل على الانفتاح الثقافي والتسامح الديني الذي كان سائداً فيها، وهنا يؤكد الباحث على النجاح الذي حققته اللغة العربية بعد أن استطاعت ان تستوعب الوافد الجديد ومصطلحاته وتضيف إليه.

بعد هذا التمهيد ينتقل إلى موضوع الشعر الذي يرى أن فهمه لا يمكن أن يتحقق دون تناول المناخ الفكري الذي نشأت وترعرعت فيه وللإحاطة بذلك يدرسه وفق محورين كبيرين، المحور الأول يبحث في الظواهر والثاني يختص بدراسة الاتجاهات والفنون، لكن ما يستوقف الباحث في هذه الدراسة هو غزارة الأسماء الشعرية والشعر الذي خلفوه، والذي يمكن تبنيه من خلال كتب التراجم الكثيرة التي ألفها الكتاب القدماء،

ما يستدعي منه قراءة هذا التراث الضخم الذي يقسم أولئك الشعراء إلى قسمين اثنين، الأول لمن ولد وعاش ومات في هذه المدينة والثاني لمن اتخذها مكاناً للإقامة ووطناً جديداً، كما يرى في هذا العدد الضخم من الشعراء تمثيلاً لاتجاهات ومشارب مختلفة أدت إلى تجاور الاتجاهات الشعرية ما بين مجدد وآخر تقليدي، لكن اللافت أكثر في هذا المشهد هو ما يسميه بالظاهرة الحضارية التي يجد أنها تتوزع على بعدين اثنين،

يتمثل الأول في العلاقة مع الموروث الثقافي السابق المتمثل في اللغة الآرامية التي كانت سائدة في العراق، والثاني الثقافة التي كانت شائعة في الكوفة والبصرة والتي تجلت في مظاهر الغناء والترف والمجون، في حين برزت المظاهر العقلية في إعلاء شأن العقل.

الجانب الأول الذي يتوقف عنده الدارس هو موضوع اللغة بشكل عام وموضوع الأسلوب بشكل خاص، فقد شهدت تلك اللغة تغيراً ملحوظاً بعد تحولها من لغة بدو إلى لغة حضارة، وقد كان من الطبيعي أن يصل هذا التأثير إلى الشعر بما في ذلك موضوعاته التي عكست تحولات الحياة الاجتماعية فعرف بالاتجاه التجديدي الذي قاده أبو نواس، وبين الاتجاه التقليدي والآخر التحديثي، يبرز اتجاه ثالث هو الاتجاه الذي عني بالزخرفة والتعقيد كأبي تمام ومسلم بن الوليد، وأخيراً يتحدث عن أنواع الشعر التي ظهرت في تلك المرحلة، وهي الشعر التعليمي والصوفي والشعبي.

القسم الثالث والأخير من الكتاب يحمل عنوان رواد الإحياء في الشعر الحديث في العراق وفيه يتناول شعراء ما عرف بمدرسة الإحياء في الشعر وبدلاً من أن يشغل نفسه بموضوع المصطلح الذي تعدد كثيراً، يركز على ما يستدعيه هذا المصطلح من دلالات وأسئلة وأفكار تشير في معناها إلى أن هناك شيئاً يكاد يموت وإن هناك من جاء لإحيائه ويعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين هو المرحلة التي بدأت تشهد تبدلات في الحياة وقيمها السائدة انعكست على الشعر،

وفي هذا المجال يحاول الباحث أن يرصد تلك التحولات بالنسبة إلى العراق على الصعد المختلفة، ومن شعراء الإحياء الذين يتناولهم الزهاوي ومعروف الرصافي والكاظمي، ثم يتحدث عن الكتب النقدية التي تناولت شعرهم للوقوف على المناهج التي اتبعها الدارسون لينتقل بعد ذلك إلى دراسة مقومات شعرهم وشعر بقية شعراء تلك المرحلة.

الشعراء الآخرون الذين يتناول شعرهم بالدراسة هم حافظ جميل ومحمد مهدي الجواهري الذي يفرد للحديث عن شعره مساحة واسعة يستهلها بالحديث عن الإشكالية الصعبة التي خاضها وهي علاقة الشعر بالسياسة حيث استطاع من خلال موهبته ألا يجعل العلاقة بينهما متنافرة، ما ساهم إلى حد كبير في تحقيق شهرته، وفي الختام يجمل ما تميز به شعرهم جميعاً من نبرة خطابية ونثرية ومباشرة وشعر مناسباتي بفعل تأثير الشعر السابق عليهم وعجزهم عن التخلص من هذا التأثير عليهم.

ويفرد للحديث عن المضامين الاجتماعية في شعرهم حيزاً خاصاً يؤكد فيه على ما قدموه من نقد للواقع الاجتماعي بالإضافة إلى إبراز أسباب اهتمامهم بالموضوعين السياسي والاجتماعي، نتيجة غياب المصلحين الاجتماعيين، الأمر الذي جعلهم يدعون إلى العلم والتعلم بما في ذلك تعليم المرأة والمطالبة بنيلها حقوقها إلى جانب تصوير مظاهر الفقر والتخلف ونقد الأوضاع السياسية القائمة والانشغال بقضايا الحرية والوطنية والقومية،

لكن ما يلفت نظره هو ظهور نموذج الشاعر الكاتب، والشاعر المشارك في النشاط النقدي كالزهاوي والرصافي والشبيبي حيث قدموا آراء ونظرات نقدية، وهنا لا يكتفي برصد تلك الظاهرة بل يحاول أن يكشف في هذا المجال عن الأسباب التي دفعت بهؤلاء الشعراء إلى المشاركة في العملية النقدية وفي مقدمتها خلو الساحة الثقافية من النقاد الذين يواكبون حركة الشعر وحاجة الشعر الجديد إلى منظرين له،

وقد تجلى مجهودهم النقدي في ثلاث قضايا من القضايا الكثيرة التي اهتموا بها وهي الإدراك المبكر لأهمية النقد بالنسبة لحركة الإبداع، ثم مفهوم الشعر ووظيفته، ومفهوم التجديد الشعري الذي كان يفرض نفسه في تلك المرحلة.

مفيد نجم

الكتاب: بغداد التاريخ والشعر

الناشر: المؤسسة العربية للنشر بيروت 2005

الصفحات: 139 صفحة من القطع الكبير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات