قاموس النقد الأدبي

قاموس النقد الأدبي

هذا القاموس من تأليف جويل غارديس تامين وماري كلود هوبير. والأولى هي استاذة النقد الأدبي وعلم الألسنيات في جامعة «بروفانص» بجنوب فرنسا. وكانت قد نشرت عدة كتب عن الموضوع سابقاً. واما الثانية فهي استاذة فن المسرح في الجامعة نفسها. وقد تعاونتا على اخراج هذا القاموس لطلبة الجامعات والباحثين بشكل عام. وفيه تستعرضان أهم المصطلحات والمدارس الأدبية.

التي شهدتها فرنسا على مدار تاريخها الطويل. فهناك مثلا مادة عن الصراع بين القدماء والمحدثين، ومادة عن البنيوية، واخرى عن السوريالية، واخرى عن المدرسة الرمزية، الخ. فيما يخص المادة الأولى يقول الكتاب بما معناه: لقد اندفع صراع أدبي بين القدماء والمحدثين في فرنسا بين عامي 1650 ـ 1715، أي طيلة، النصف الثاني من القرن السابع عشر وحتى بداية القرن الثامن عشر.

وشغل هذا الصراع الادباء والنقاد، وكان اتباع القديم متمسكون كعادتهم بالاسلوب الادبي الذي ساد اللغة الفرنسية طيلة القرون السابقة. اما المحدثون، واتباع الجديد، فكانوا من تلامذة الفلسفة الديكارتية، ويريدون تغيير الاسلوب والمضمون في العمل الادبي وقد فتحوا المجال لاحقاً لفلاسفة التنوير لأنهم استخدموا العقل لا النقل في مناهجهم ودراساتهم الأدبية.

ثم يردف الكتاب قائلاً: ولكن لا ينبغي ان تغشنا كلمة القديم هنا. فهي ليست سلبية ولا رجعية الى الحد الذي نتوهمه. وذلك لان كبار أدباء فرنسا آنذاك كانوا مصنفين في خانة القديم. او المحافظة على التراث نذكر من بينهم: راسين، كورني، بوالو، لافونتين، بوسويه، الخ.. وقد استخدموا اسلوبهم في تقليد كبار أدباء اليونان والرومان.

واما المحدثون فكانوا يريدون الخروج من أسر التقليد لكي يستطيعوا بلورة اسلوب جديد في الكتابة والتفكير. فالانسان لا يمكن ان يبدع ما دام عقله مشدودا إلى الوراء وبالتالي فقد آن الأوان للتخلص من تقليد اليونان والرومان.

اما فيما يخص مادة «التنوير» فيقول لنا هذا القاموس العتيد ما معناه: ان التنوير هو عبارة عن حركة فلسفية وأدبية انتشرت وازدهرت في القرن الثامن عشر ومهدت للثورة الفرنسية. وروح التنوير ناتجة عن الأزمة التي أصابت الوعي الأوروبي بعد سقوط العصر الكلاسيكي وظهور فكر جديد على أثر ديكارت اسبينوزا ومعلوم ان الوعي الأوروبي كان مطبوعا بالمسيحية طيلة العصور السابقة.

ولكن تعرض لأزمة كبيرة بعد صعود الفلسفة والعلم بدءاً من عام (1685) والواقع ان العقلية التنويرية هي تلك العقلية التي فقدت ثقتها باللاهوت المسيحي والخوارنة والمطارنة. ولم تعد تثق الا بالعلم والفلسفة والعقل. انها عقلية تؤمن ايماناً جازماً بامكانية التقدم العلمي الذي يحقق للبشر السعادة على هذه الارض.

والواقع ان المحدثين في تلك الفترة كانوا مبهورين بالتقدم الذي حققه علم الفيزياء. والفلك من اكتشافات على يد كوبرنيكوس وغاليليو ونيوتن. وكانوا يعتقدون بأن انتصار العلم سيؤدي الى تدشين عهد جديد يؤمن للانسان السعادة المادية والفكرية على هذه الأرض. وهذه ما حصل لاحقاً.

فالعلم هو الذي يقضي على الأمراض التي قد تصيب الانسان او تفتك به فتكاً ذريعاً. وهو الذي يؤدي إلى اختراع الآلات التكنولوجية التي تخفف أعباء الانسان. وهذا ما تحقق لاحقاً في الواقع. وأنوار العقل هي التي تبدد ظلمات الجهل والتعصب الأعمى السائد في اوساط الشعب.

ثم يتحدث الكتاب بعدئذ، او ربما قبل ذلك، عن مصطلح اخر سبق مصطلح التنوير في أوروبا هو: النزعة الانسانية (هيومانيزم). وقد ظهر هذا المصطلح في عصر النهضة الذي سبق عصر التنوير ومهد له. وهو يدل على تلك الحركة الأدبية والفكرية التي أدت الى تجديد الآداب الايطالية الفرنسية والانجليزية والالمانية.. الخ.

وكانت الفلسفة الانسانية تعني الثقة بالانسان وبقدراته وملكاته. كما وكانت تعني رفض العصور الوسطى التي تنعتها بالظلامية والتخلف والتقوقع على الذات. والواقع ان هذه النزعة الانسانية التي ظهرت في ايطاليا أولاً كانت موجهة ضد اللاهوت المسيحي المتعصب وأصولية الفاتيكان والبابا،

ولذلك قفزت على العصور الوسطى لكي تعانق العصور اليونانية والرومانية الزاهرة التي سبقت المسيحية، لقد أراد النهضويون ان يستمدوا اسلوبهم وغذاءهم الفكري من كبار أدباء الماضي وفلاسفته لهوميروس، وفيرجيل، وافلاطون، وارسطو، وأخرين عديدين، وعلى هذا النحو حصلت النهضة في أوروبا إبان القرن السادس عشر.

ثم هناك مصطلح آخر هو: مرض العصر وقد اشتهر به الشاعر الرومانطيقي الكبير ألفريد دوموسيه. وهو يقصد به تلك الهوة السحيقة التي تفصل بين الأنا والعالم: المقصود أنا الشاعر بالطبع. فهناك دائما صراع بين أعماق الشاعر والعالم الخارجي، إنه لا يستطيع ان يتأقلم معه، أو يقبله كما يحصل للناس العاديين،

من هنا عذاب الشاعر وتأوهاته، ولكن هل كان سيصبح شاعراً لو انه كان متأقلما مع الواقع الخارجي لو أنه كان متصالحا مع العالم؟ ألا ينتج الأدب بالضبط عن هذه الهوة السحيقة التي تفصل بين الأنا الداخلية الأنا الحميمية، والعالم؟

ثم نتنقل في جنبات هذا القاموس الممتع حتى نصل إلى مصطلح حديث ظهر في القرن العشرين على يد كاتب روماني يدعى: تريستان تزارا وهو مصطلح الدادائية، وهي حركة أدبية واجتماعية غاضبة كانت قد ظهرت بين عامي 1916 ـ 1923 وقد ظهرت كرد فعل على وحشية الحرب العالمية الاولى ومجازرها المرعبة فلم يبق بيت في العائلات الفرنسية او الألمانية إلا وأصيب أحد أفراده اثناءها.

ولذلك فإن رد الفعل عليها كان ضاريا أيضا. وقد اتخذ طابع العدمية الراديكالية وفقدان الثقة بقيم العقلانية والتنوير التي ذكرنا سابقاً، فالسؤال الذي طرحته الدادائية هو التالي: كيف يمكن للأمم المتحضرة كألمانيا وفرنسا وانجلترا ان تفقد أعصابها وتنخرط في حرب مجنونة لا تبقى ولاتذر؟ اما كانت فلسفة التنوير قد قالت لنا بأن الهمجية قد أصبحت وراء ظهرنا وأننا أصبحنا شعوباً حضارية تسير على ضوء العقل؟، فلماذا عدنا إذن من جديد إلى عصر الهمجية والوحشية؟

هذه هي الأسئلة التي طرحها الأدباء والمفكرون الاوروبيون في ذلك الوقت. ثم نتجت السوريالية عن الدادائية مباشرة، كان ذلك بعد ان هاجر «تزارا» إلى باريس والتقى بأندريه بريتون وجماعته.

وحول هذه الحركة الأخيرة يقول القاموس ما معناه: ان السوريالية هي عبارة عن حركة فنية وأدبية متأثرة جدا بالفلسفة الفرويدية، أي التحليل النفسي، وهي تعتبر بمثابة امتداد للحركة الدادائية، ويمكن ان نحصر السوريالية بين تاريخين: 1919 «تاريخ تشكل الجماعية في باريس بزعامة بريتون» و 1969 « تاريخ انحلال المدرسة السوريالية في باريس أيضا بعد موت بريتون عام 1966».

ثم يضيف الكتاب قائلاً: لقد ألغى السورياليون الحدود الفاصلة بين الواقع والحلم أو بين الواقع وما فوق الواقع، بل وأصبح الحلم أهم بالنسبة لهم من الواقع فكل ما يخطر على وعينا الباطني ونقمعه هو الشيء المهم وليس الواقع الظاهري ولذلك اختراع السورياليون مصطلح الكتابة الأتوماتيكية:

أي أن يكتب الأديب كل ما يخطر على وعيه الباطني حتى ولو كان محرجاً جداً أو مزعجا له أمام الأخرين والمجتمع بشكل عام ومعلوم اننا نكتب هذه المشاعر الباطنية التي تخطر على بالنا دون ان ندري تقريبا سواء أكانت إباحية أوجنسية أو لا أخلاقية. أما السورياليون فلم يكونوا يكبتونها ولذلك صدموا عصرهم ومجتمعهم الى حد مخيف. وكانوا يقومون بتصرفات غريبة في المقاهي الباريسية.

ننتقل الآن إلى مصطلح آخر في هذا القاموس النقدي والأدبي هو: قصيدة النثر. يقول الكتاب عنها مايلي: انها شكل شعري ناتج عن التحرر من الأوزان والقوافي التي كنت متبعة في العصور السابقة وكان أول من كتبها في اللغة الفرنسية شاعر غير معروف يدعى لويس برتران «1804 ـ 1841»

ولكن الشاعر الذي خلع عليها المشروعية الشعرية اذ جاز التعبير هو شارل بودلير بالطبع، ثم جاء بعده الثلاثة الكبار لوتريامون، ورامبو، ومالارميه. ثم مشى شعراء القرن العشرين الكبار على خطاهم وكتبوا دواوين كاملة مليئة بقصائد النثر. نذكر من بينهم انطونين آرتو، اندريه بريتون، فرانسيس بونج، هنري ميشو، رينيه شار.

وعلى عكس ما يظن الجمهور العام فإن لقصيدة النثر قوانينها الداخلية الخاصة. صحيح أنها تحررت من قواعد النظم الكلاسيكي ولكنها تخضع لايقاع داخلي يختلف من شاعر إلى آخر. وغرابة اللغة الشعرية هي التي تخلع عليها هويتها، وهذه الغرابة تتمثل في شيء أساسي: الإكثار من استخدام المجاز الغريب الذي يصدم العقل والذوق لأول وهلة: فالمجاز لم يعد منطقيا في قصيدة النثر على عكس ما كان شائعاً في القصيدة الكلاسيكية.

فالشاعر قد يقول: ليل ابيض أو نهار أسود دون ان يخرج على شاعرية الشعر على العكس.. هناك اذن انتهاك للغة المنطق. والعقل في قصيدة النثر الاوروبية وكلما كان الانتهاك صارخا كان الشعر أقوى! ولكن اذا كان الشعر الحديث هو عبارة عن انتهاك لنظام اللغة او معانيها المنطقية فليس كل انتهاك هو شعر، فقد يكون الانتهاك مجانيا ولا يؤدي إلى توليد الشحنة الشعرية، بمعنى آخر وكما قال أحد النقاد:

كل أسلوب هو غلطة، ولكن ليس كل غلطة أسلوباً! بمعنى ان كل أسلوب عظيم هو خروج على النظام المعتاد للغة والتعبير، ولكن ليس كل خروج عليه هو أسلوب شاعري عظيم. ثم يتوقف القاموس عند مصطلحات أخرى عديدة لا نستطيع للأسف ان نذكرها كلها، ومن أهمها مصطلح: النزعة الطبيعية أو بالأحرى المدرسة الطبيعية، في الأدب، والفن، وكذلك المدرسة الانطباعية، والمدرسة الرمزية، والرواية الجديدة، والبنيوية، وسوى ذلك.

الكتاب: قاموس النقد الأدبي

الناشر: أرمان كولان ـ باريس 2005

الصفحات: 240 صفحة من القطع الكبير

DICTIONNAIRE DE CRITIQUE LITTERAIRE

JOELLE GARDES TAMINE

MARIE - CLAUDE HUBERT

ARMAND COLIN - PARIS 2005

P.240

طباعة Email
تعليقات

تعليقات