روايات خالدة

عشيق الليدي تشاترلي

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

يعتبر الروائي وكاتب القصص القصيرة والناقد والشاعر والرسام الانجليزي ديفيد هربرت لورنس من أهم أدباء القرن العشرين. وهذا لا يرجع إلى نتاجه الأدبي فقط بل لتأثيره الكبير على الساحة الأدبية والاجتماعية والسياسية، ليس في بريطانيا فقط بل في أكبر دول العالم مثل الولايات المتحدة واليابان والصين واستراليا وغيرها من البلدان ولمدة تزيد عن ثلاثين عاما وربما حتى يومنا هذا.

بدأت تلك الثورة اللورنسية لدى محاولة لورنس نشره لروايته «عشيق الليدي تشاترلي» في عام 1928، وسيتم تناول هذا الأمر بعد الإلمام بجوانب حياته الخاصة.كان لورنس الذي ولد في 11 سبتمبر عام 1885 في ضاحية إيستوود قرب نوتينغهام، يؤمن بأن ثورة الصناعة الغربية إنما تقلل من شأن النزعة الإنسانية وتركز على العقلانية إلى حد عزل طبيعة المشاعر الإنسانية بما فيها الحدس. واعتقد بأنه سرعان ما ستنحدر هذه الثقافة الجديدة وبأن الإنسانية ستأخذ اعتبارها ومكانتها لكونها جزءا من الطبيعة.

عاش لورنس وهو الابن الرابع في أسرته طفولة بائسة في كنف والده الذي أضمر له كرها شديدا منذ بداية تشكل وعيه، بسبب إدمانه للكحول وإساءة معاملته له ولإخوته وبالأخص لوالدته المتعلمة التي كانت تعمل بالتدريس. ونظرا لإصابته بنزلة برد شديدة بعد ولادته ببضعة أيام فقد لازمه المرض طيلة حياته.

وساهم تفوقه في الدراسة في الحصول على منحة دراسية لإكمال المرحلة الثانوية، إلا أنه بسبب ظروفه الصحية وظروف العائلة المادية لم يتمكن من إتمام دراسته. وهكذا عمل وهو في الخامسة عشرة في أحد مصانع الأدوات الطبية، إلا أن تدهور حالته الصحية دفعه للتوقف، ثم التحق بالمدرسة البريطانية المحلية مدرساً للتلاميذ وبدأ بالكتابة، إنما بصورة سرية مدعيا إعطاءه بعض الدروس الخصوصية.

وفي ديسمبر 1904 تقدم لورنس لامتحان منحة الملك، التي ستضمن له الدراسة في كلية جامعة نوتينغهام، وبالتالي حصوله على شهادة كمدرس. وعلى الرغم من نجاحه في الامتحان إلا أنه لم يتمكن من أخذ مكانه إلا في عام 1906 بسبب الظروف المالية. وخلال أوقات فراغه بعد التدريس تابع الكتابة،

وفي شهر يناير عام 1911 نشرت أول رواية له بعنوان «الطاووس الأبيض»، وبسبب حزنه على وفاة والدته بالسرطان قبل شهر لم يستطع أن يعيش فرحة نجاح كتابه. وقيل بأن لورنس قد عجل بموت والدته بإعطائها جرعة زائدة من الدواء المنوم.

وفي نوفمبر من العام ذاته أدى اعتلال صحته إلى إصابته بمرض السل، مما دفعه إلى ترك التدريس. وبسبب عدم ممارسته لأية مهنة صمم على كسب رزقه من خلال كتابته، في زمن كان الكتاب فيه مجبرين على ممارسة إحدى المهن للحصول على مورد لتغطية نفقات معيشتهم.

وكان العام التالي حافلا بالنسبة للورنس فبالإضافة إلى نشر روايته الثانية «العابر» وبعض القصائد والمقالات، فقد وقع في غرام السيدة فريدا فون ريتشهوفن الألمانية زوجة بروفيسور، التي هجرت زوجها وأبناءها الثلاثة وهربت معه إلى بافاريا، وكتب في العالم التالي روايته الشهيرة «أبناء وعشاق ». وعلى عكس ما حدث مع «آنا كارنينا» في رواية تولستوي، فقد تزوجا بعد حصول فريدا على الطلاق في عام 1914 وبقيا معا حتى وفاة لورنس في فينس في فرنسا في 2 مارس عام 1930.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى لم يتمكنا من الذهاب إلى إيطاليا للعيش فيها كما خططا، وعاشا في فقر مدقع، إلا أن ذلك لم يمنع لورنس من متابعة الكتابة حيث أنجز في عام 1915 روايته «قوس قزح» التي منعت من قبل الرقابة مما سبب له كآبة شديدة، ثم نشر عام 1921 «نساء عاشقات». و تتناول هاتان الروايتان نتائج محاولة تجاهل انسجام الإنسانية مع الطبيعة.

وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، تشكلت لدى لورنس قناعة بأنه لا بد من إعادة تنظيم المجتمع تحت قيادة شخصية متفوقة. وهكذا كتب روايات حول هذا المحور، ومنها «آرون رود» ونشرت عام 1922، و«كانغارو» ونشرت عام 1923، و«الكاتب سيربنت» ونشرت عام 1926، وقد اعتبرها النقاد حينها أعمالا فاشلة.

وكل ما تقدم ذكره بمثابة تمهيد للوصول إلى روايته «عشيق الليدي تشاترلي» التي حاول نشرها مابين عام 1926 وعام 1928. وهي قصة الشابة الانجليزية النبيلة كونستانس ريد، التي تتزوج من سير كليفورد تشاترلي في عام 1917، الذي يشارك في الحرب، ليعود إليها مصابا بعموده الفقري، مما يسبب له حالة شلل تجعله مقعدا وأسيرا لكرسي العجلات، وعاجزا عن أداء واجباته الزوجية.

تتعاطف كونستانس أو كوني مع زوجها، وتحاول بصورة دائمة رفع معنوياته والوقوف بجانبه، إلا أن عجزه يحوله إلى شخصية كئيبة، فيصبح دائم التذمر والشكوى، مما يزيد من معاناة كوني ووحدتها. وبعد مرورها بعلاقة عاطفية خائبة مع مؤلف مسرحي يدعى ميخائيليس، تنشأ علاقة عاطفية حميمة بينها وبين أوليفر ميللورز الذي يعمل بستانياً في القصر عند زوجها، ولدى حملها تطلب من زوجها الطلاق إلا أنه يصر على الرفض،

فتذهب إلى فينيسيا لتلد سرا وتعود، وعلى الرغم من انكشاف السر لاحقا إلا أنها وأوليفر يشعران بنوع من الرضا الداخلي الذي لا يمكن لأحد سلبه إياهما، وتنتهي الرواية على هذا الوضع. وحينما حاول لورنس نشرها رفض جميع الناشرين عمله، وذلك للإباحية التي وصف بها العلاقة الحميمة بين الليدي تشاترلي وعشيقها، مما دفعه إلى طباعتها سرا وتوزيعها.

ثم أعاد كتابتها مرة ثانية وثالثة، وأصر على عدم حذف أي كلمة من روايته حينما فاوضه الناشرون على ذلك وعبر عن ذلك بقوله، «إن خضوعي لهم، مثل محاولتي لتغيير شكل أنفي بتقليمه بمقص. الكتاب سينزف». وفي المرتين الثانية والثالثة طبعها في كل من فرنسا وإيطاليا من دون تصريح، وكذلك طبعت في أميركا من دون استئذانه. وفي عام 1950 أصرت دار نشر في الولايات المتحدة على نشرها وحينما احتج المسؤولون ورفعت قضية في المحكمة ضد دار النشر،

تولى محامو الدفاع إثبات أن المشاهد التي تصف حميمية العلاقة بين كوني وميللورز إنما تخدم الحدث ولذا لا يمكن تجاهلها، وما ساعد دار النشر في كسب القضية شهادة عدد من أهم الأدباء منهم ألدوس هكسلي وكذلك القاضي المسؤول الذي كان يتميز بسعة أفقه وبعد رؤيته.وتكرر الأمر في بريطانيا وفرنسا ثم في اليابان والصين. وجدير بالذكر أن نص محاكمته قد طبع ووزع في عدد كبير من البلدان.

ولكن ما عاناه لورنس بعد توزيع رواياته من تهجم ونبذ سيما من المجتمع الكنسي، جعله كئيبا منعزلا، وروحه مثقلة بالحزن والهم، مع معاناته من الفاقة إذ رفض الجميع نشر أي من أعماله بغض النظر عن موضوعها، مما ساهم ربما في تفاقم مرضه وعجل بوفاته.

وجدير بالذكر أن جزءاً من اعتراضات المجتمع يعود لكون تلك السيدة النبيلة تقيم علاقة مع شخص من العامة وفي ذلك إهانة للمجتمع الارستقراطي وهذا ما لا يمكن التغاضي عنه. وما لم يدركه لورنس، أنه بعد وفاته وبعد الستينات ومع انفتاح المجتمع وحرية الثقافة والأدب باتت روايته من الأعمال المتحفظة مقارنة بما كتب منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا.

رشا المالح

طباعة Email