فاشية رغم الكلمات الكبيرة المنمقة، الأب الروحي للمحافظين الجدد الأميركيين يخرج من الظلال

الاحد 17 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 18 مايو 2003 يبرز في الوقت الراهن استاذ جامعي وباحث في الدراسات الكلاسيكية غير معروف للكثيرين ـ يبرز باعتباره احد اهم المؤثرين في مجموعة المحافظين الجدد بالولايات المتحدة، حيث يقوم اساتذة العلوم السياسية في الوقت الراهن بالبحث عن اعمال بروفيسور ليو شتراوس الذي توفى في الولايات المتحدة عام 1973 مخلفا وراءه مجموعة من التلاميذ والاتباع الذين يقومون في الوقت الحالي بتشكيل سياسة البنتاغون الخارجية القائمة على استعراض العضلات وتوظيفها. وقد كان شتراوس من اليهود الذين هربوا من المانيا النازية حيث انطلق الى انجلترا حاملا معه نسخة من مخطوطة الكتاب الذي ألفه عن الفيلسوف السياسي البريطاني العائد للقرن السابع عشر توماس هوبز «قد غلفه بقماش مشمع ليضمن بقاءه سليما حتى اذا غرقت السفينة التي تقله».وامضى شتراوس جانبا من ثلاثينيات القرن العشرين في بوتقة جامعة كامبردج، واجرى مناقشات مطولة مع الاشتراكيين البارزين في ذلك الحين وعلى رأسهم هارولد لاسكي و. ر.ه. تاوني. وقد اقنعته معرفته بتجربة جمهورية فيمار الالمانية التي اطاح بها ادولف هتلر في عام 1933 ـ اقنعته بان القيم الديمقراطية يتعين القتال من أجلها وان نزعة النسبية الاخلاقية تفسد كل شيء وتسمح بالانزلاق إلى الفاشية والشيوعية. وفي جامعة شيكاغو التي امضى بها شتراوس سنوات ما بعد الحرب، اثر على جيل بكامله من الباحثين الذين تخصصوا في مجالات مضت بهم إلى الحياة السياسية والاكاديمية ومراكز الابحاث والصحافة وشكلوا حجر الاساس للمحافظين الجدد الذين اصبحوا تياراً بكامله داخل اليمين الاميركي. ويبرز بين المحافظين الجدد، وهو التوصيف الذي اطلقته صحيفة «نيويورك تايمز» يبرز بول وولفويتز، مساعد وزير الدفاع الاميركي الذي كان اول من دافع عن شن الحرب على العراق بعد احداث 11 سبتمبر، وكذلك ابرام شولسكي مدير مكتب الخطط الخاصة التابع للبنتاغون الذي شارك بكتابة مقال بعنوان «ليوشتراوس وعالم المخابرات» في عام 1999. وقد حصل الرجلان على درجتي الدكتوراة باشراف شتراوس. وينتمي إلى المتحمسين لفكر شتراوس كذلك ستيفن كامبون، وكيل وزارة الخارجية لشئون المخابرات الذي اعلن مؤخراً اكتشاف ما يحتمل ان يكون مختبراً متنقلاً للاسلحة البيولوجية في العراق. وكذلك ايضاً وليام كريستول، رئيس تحرير مجلة «ويكلي ستاندرد» التي يتحمس لها المحافظون الجدد كثيراً، والذي درس في جامعة هارفرد على يد احد تلاميذ شتراوس البارزين وهو هارفي مانسفيلد. ويقول كريستول: «يمكن للمرء ان يكون صقراً في السياسة الخارجية، من دون ان يكون قد قرأ اعمال ليوشتراوس ولكن شتراوس كان مفكراً واستاذاً بالغ القوة والتأثير، حيث تلحظ فيه اصراراً وقوة ذهنية ولكنه تمتع بذلك برؤية فائقة لما يمكن للسياسة ان تحققه». ويعتبر بروز شتراوس باعتباره صاحب نفوذ قوي على المحافظين الجدد امراً شديد الادهاش، لأنه لم يكتب عن السياسة الخارجية، على الرغم من ان تجربته المتعلقة بالمحرقة قد اقنعته بانه: «لجعل العالم آمناً بالنسبة للديمقراطيات الغربية، يتعين على المرء جعل الكرة الارضية بكاملها ديمقراطية، بما في ذلك كل بلد، كل مجتمع وكل أمة». وقد تحمس شتراوس اساساً للتحقيق والتدقيق في نصوص الفلاسفة الكلاسيكيين مثل افلاطون وارسطو وسقراط الذين اعتقد شتراوس ان جوهر حكمتهم يتجاوز كثيراً حكمة الفلاسفة المعاصرين. وينظر بعض المراقبين الى وجود تلاميذ شتراوس من الدوائر العليا لعملية صنع السياسات في اميركا باعتباره مؤشراً على تسلل رهيب الى هذه الدوائر تماماً كما نظر اليمين الى انتشار المثقفين الماركسيين بعين الريبة، وفي عدد أخير من مجلة «نيويوركر» اتهم سيمور هيرش، الذي يعد من اكثر منتقدي البنتاغون الحاحاً ـ اتهم جناح تلاميذ شتراوس بتخريب ما اكتشفته المخابرات الاميركية عن العراق والقاعدة والتلاعب بهذه المكتشفات لحساب الاجندة السياسية للمحافظين الجدد. وفي المقال الذي كتبه هيرش يقول خبير سابق في ال«سي. آي. آيه» انهم ينظرون الى انفسهم باعتبارهم عناصر خارجية وقد اقنعوا انفسهم بأنهم يقفون في جانب الملائكة وان كل الآخرين في صفوف الحكومة ليسوا إلا حمقى. واعتقاد شتراوس بأن المعاني الخفية التي تحتجب عن الجميع باستثناء قلة محدودة يمكن العثور عليها في النصوص الكلاسيكية هذا الاعتقاد اعطى دفعة لنظريات المؤامرة والقائلين بها الذين يعتقدون ان المحافظين الجدد يخفون اجندتهم الحقيقية وراء حديثهم عن الديمقراطية. ويقول كريستول: هذا امر سخيف فقصة شتراوس ليست قصة غارقة في الظلال، وانما هي قصة رجل يكتب ويدرس ويمكن ان يكون له تأثير على تفكير الناس وهذا هو بالضبط النقيض المباشر لأي حديث عن النزعة الخاصة الغامضة. ويحظى شتراوس بمعجبين ينتمون الى اليسار والى اليمين على حد سواء. فقد قال روان وليامز رئيس اساقفة كانتربري مؤخراً ان شتراوس: لديه حس واقعي لما تعنيه الرؤيا المحافظة وكونها بعيدة عن الرجعية والانغماس في الذات والتفاهة. وكان من بين تلاميذ شتراوس ألان بلوم الذي ألف في الثمانينيات كتاباً اقتحم قوائم افضل الكتب مبيعاً بعنوان «انغلاق العقل الاميركي» وكان بلوم صديقاً لسول بيلو وكان يعتز دائما بأنه درب اولئك الذين اقتحموا الحياة العامة بواشنطن وهزوها هزاً. وقد جسّد سول بيلو شخصية وولفويتز في رواية شهيرة حيث تمثل في شخصية فيليب نورمان وهو مسئول في البيت الابيض ينتقد بشدّة القادة الاميركيين لانهم تركوا طاغية في بغداد عام 1991 وانسلّوا مبتعدين عن الساحة. وقد قال ديفيد ويليتس وزير الظل في حكومة المحافظين البريطانيين انه يشك في ان فلسفة شتراوس السياسية يمكن ان تضرب جذورها في بريطانيا، واضاف: «ان شتراوس يمثل تياراً في النزعة المحافظة الاميركية اكثر اهتماماً بالحقائق الاساسية واقل اهتماماً بالكيفية التي يمكن لمجتمعنا ان يزدهر بها. وتابع قائلاً: ان النزعة المحافظة البريطانية هي حركة سياسية ذات موقف غامض للغاية حيال المثقفين. اما النزعة المحافظة الاميركية فهي حركة ثقافية ذات موقف غامض للغاية حيال السياسة. ترجمة: علي محمد عن «صنداي تايمز»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات