عندما يغيب الحد الأدنى من الحقائق

السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 اجتمع وزراء خارجية مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى قبل أيام في باريس للتأكيد على ان الارهاب لا يزال يشكل «تهديداً عالمياً منتشراً» وقبل ذلك بثلاثة ايام فقط، كانت وزارة الخارجية الاميركية قد أعلنت ان الارهاب في ادنى مستوى له منذ 33 عاماً. ويتساءل المرء ماذا كان يمكن ان يتغير لو كانت تلك الانباء وصلت الى وزراء خارجية مجموعة الثماني قبل انعقاد اجتماعهم. ان الحرب على الارهاب، مثل الحرب على العراق، تسير من دون اي اكتراث بالحد الادنى من الحقائق. وقبل ايام قليلة فقط اخبر مسئول رفيع المستوى في ادارة بوش ـ طلب عدم الكشف عن اسمه ـ الصحافة بأنه كان سيدهش لو عثر في العراق على بلوتونيوم او يورانيوم صالح لانتاج الأسلحة النووية وقال انه من المستبعد ايضاً العثور على مواد اسلحة كيميائية او بيولوجية، مشيراً الى ان الولايات المتحدة لم تتوقع قط العثور على أدلة ادانة بينة كهذه. ماذا اذن كانت مسوغات الحرب على العراق؟ قال المسئول ذاته ان ما كانت تريده واشنطن بالفعل هو توقيف آلاف العلماء العراقيين الذين كان من المحتمل ان يقوموا بتطوير اسلحة نووية في المستقبل لصدام حسين ووصفهم بـ «المجاهدين النوويين». وبحسب هذا التعريف المعدل، فإن الحرب الوقائية لم تكن موجهة ضد مشكلة فعلية، وانما ضد مشكلة ربما تحدث في المستقبل. كان يمكن للمرء ان يخمن ان تصريح هذا المسئول كان مجرد تبرير لحقيقة انه لم يتم العثور على أسلحة تدمير شامل في العراق، لكن هذه المرة يبدو ان جورج بوش هو الذي لم يسمع بالأخبار فهو لا يزال يؤكد للاميركيين بأن الاسلحة المحرمة ستظهر في العراق. وفي تقريرها السنوي الى الكونغرس حول موضوع الارهاب، قالت وزارة الخارجية الاميركية ان معدل وقوع الاحداث الارهابية المسجلة التي بلغ عددها 199 حالة العام الماضي انخفض بنسبة 44 بالمئة عن العام السابق ووصل الى ادنى مستوى له منذ عام 1969. لم تقع اي هجمات ارهابية في الولايات المتحدة في حين وقعت خمس هجمات في افريقيا وتسع في اوروبا الغربية والبقية كانت كلها تقريباً في آسيا (99 حالة) وأميركا اللاتينية (50) والشرق الاوسط (29). ومعظم الوقائع الموصوفة بالارهابية في اميركا اللاتينية كانت متعلقة بعمليات تفجير خطاب انابيب النفط المملوك لاميركا في كمبوديا. وما يشير إليه التقرير عملياً هو ان جميع الاحداث التي صنفتها الحكومة الاميركية في فئة الاعمال الارهابية لعام 2002 وقعت في اربعة امكنة: كولومبيا، الشيشان ـ في حربها الانفصالية ـ في افغانستان مع استمرار الحرب على مستوى ضئيل وفي الانتفاضة الفلسطينية. في مكان آخر تسبب تفجير بالي الذي نفذه متشدددون بمقتل حوالي 200 شخص. قبل 11 سبتمبر 2001، ما كان لأي من هذه الأعمال ان يوصف بالارهاب، وانها كانت ستصنف في خانة «التمرد المدني» أو العنف الانفصالي او القومي. ومنذ 11 سبتمبر، أصبح العالم يولي اهمية هائلة لمثل هذه الاحداث العرضية التي جعل منها الاساس المنطقي للتعبئة الرسمية وتقييد الحريات المدنية في الولايات المتحدة (وفي المستعمرة الاميركية الجزائية في خليج غوانتنامو).وفي أماكن اخرى سمعنا مبررات لاساليب قمع الدولة للمواطنين والتي كانت الحكومات التي تمارسها في السابق تجازف باحتمال ضم اسمها إلى التقرير السنوي لانتهاك حقوق الإنسان الذي تصدره وزارة الخارجية الأميركية. إن التوصيف المشوه للارهاب كان له تأثير نفسي غير عادي على الكثيرين في الولايات المتحدة، ودفعها للاعتقاد بأنهم معرضون الى مخاطر شخصية بدرجة لا أساس لها من الصحة عملياً في الاحصائيات او حتى بالفطرة. ومن الامثلة على ذلك الكاتب النيويوركي الذي قال مؤخرا، انه بعد سقوط بغداد شعر لأول مرة منذ 11 سبتمبر بالامان في مدينته. في ضوء التحذيرات الحكومية الفيدرالية قام آلاف النيويوركيين بتجهيز غرف محكمة الاغلاق تتكدس فيها مؤن الطعام والشراب وأقنعة الغاز من اجل التحصن بداخلها في حال وقوع مناطقها تحت حصار الارهابيين لفترة طويلة. وتظهر استطلاعات الرأي ان الناخبين الأميركيين لم يعد يهمهم ما اذا وجد في العراق اسلحة تدمير شامل. فالنصر لم يكن على الحظر المتمثل في شخص صدام، بل كان نصراً على «الارهاب». والآن في تقرير رسمي، لن يقرأه سوى القليلين، تعترف حكومتهم بأن الارهاب في ادنى مستوياته منذ 30 عاماً، وبأن الخطر الفعلي من الارهاب ضئيل جداً. وفي الوقت ذاته، تخبر الحكومة ذاتها بأن عليهم ان يعيشوا في خوف ورهبة من «الجرائم المروعة» والتدمير الشامل. إلى أين سيقود هذا الخطاب الأميركيين؟ ترجمة: على محمد عن «هيرالد تربيون»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات