كتاب ـ واشنطن والعالم معضلات قوة عظمى ـ الحلقة الرابعة ـ فرنسا استثناء وحيد، المحافظون الجدد : الهيمنة الأميركية جيدة للعالم وهذه براهيننا

الاثنين 11 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 12 مايو 2003 تم اطلاق صفة الامبراطورية والحديث عن السياسة الامبريالية على الولايات المتحدة من قبل ناقديها الأجانب أو الاميركيين، وكذلك من قبل الآباء المؤسسين الذين لم يكونوا يترددون في الحديث عن الامبراطورية الوليدة، ولكن بمعنى القوة، كما أشار جيمس تشيس في شتاء عام 2002 بمقال تحت عنوان «أميركا الامبريالية والمصالح المشتركة» المنشور في مجلة «وورلد بوليسي جورنال» المتخصصة في السياسة العالمية. وكانت هناك فترة محددة في منعطف القرنين التاسع عشر والعشرين في ظل رئاسة ماكنلي (1897 ـ 1901) ثم في ظل رئاسة تيودور روزفلت (1901 ـ 1909) تم اطلاق صفة «الامبريالية التقدمية» عليها واتسمت بخليط من «الشهية الاستعمارية» و«ارادة القوة» ونزعة التوسع الديمقراطية، ثم تم الحديث بعد ذلك عن الرئاسة الامبريالية القائمة على أساس تزايد أهمية السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية للولايات المتحدة خلال العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. لكن عامة لم يتم أبداً الاعتراف بتصور أميركا صراحة على انها كذلك. من هنا ايضاً جاء واقع المفارقة حيال امبراطورية لم تكن مؤسساتها ولم تكن ايديولوجيتها متكيفة مع دورها الدولي. وما كان النقاد يسمونه امبريالية أو على الاقل سياسة امبريالية، يبدو في نظر التوجه الأميركي السائد بمثابة دفاع عن حرية المبادلات في مختلف المجالات، أي سياسة الباب المفتوح، أو الديمقراطية. لكن باستثناء التوسع على صعيد القارة الاميركية، فإن عملية تأكيد التفوق الاميركي قد جرت من خلال سلسلة من الأعمال الدفاعية أو الأعمال التي تم الشروع بها بدعوة من حلفاء كانوا يمرون بوضع حرج، وذلك خلال القرن العشرين وخاصة بعد الحربين الكونيتين وخلال فترة الحرب الباردة. أمة لا امبراطورية مع ذلك هنا سمتان دائمتان تقريباً أعطتا للولايات المتحدة ذهنية امبريالية وحتى لو انها تحتج عن يقين وغالباً بحق بأنها لا تمتلك أي طموحات للفتح.. هاتان السمتان هما «نزعة الاستدعاء» و«الاحادية القطبية». لكن هذا لا ينفي واقع ان أغلبية المعلقين والمحللين الأكثر اعتدالاً والاكثر عمقاً للسياسة الخارجية الاميركية من أمثال والتر ليبرمان وجورج كينان وهانس مورجنتو قد حذروا مواطنيهم من خطر الجمع بين «حسن النية» و«ارادة انقاذ العالم» وحثوهم على أن يتصوروا انهم «أمة» وليسوا «امبراطورية». وكعضو في جوقة من القوى يرعى كل طرف في اطارها مصالحه مع مراعاة مصالح الآخرين. لكن بمقدار ما كانت تتعاظم قوة الولايات المتحدة كان دورها يبدو ضرورياً أكثر فأكثر في مواجهة التهديدات الهتلرية والسوفييتية، وكانت سياسة مواجهة نزعة التوسع السوفييتية التي تبنتها الادارات الاميركية تلقى موافقة الواقعيين وانصار التوازن الدولي والمثاليين وحواريي الديمقراطية، كما انها أخرست أنصار العزلة وحتى لو كانت ضرورة مواجهة التهديد السوفييتي قد تم استخدامها أحياناً من أجل التبرير المفرط لاشادة امبراطورية عملياً وللقيام بمغامرات غير محسوبة. وأعطى الفشل الأميركي في فيتنام مصداقيته لمختلف أشكال النقد المقدمة مما أنهى الاجماع الذي كان قائماً حيال سياسة مواجهة التوسع السوفييتي ذاتها.إن حدثين استجدا ليدفعا الى الواجهة قضية الامبراطورية بشكل حاسم ونهائي ويتمثلان في سقوط الاتحاد السوفييتي ثم في احداث 11 سبتمبر 2001. إن سقوط المعسكر السوفييتي جعل الولايات المتحدة بدون منافس لجيل على الأقل، أما الحدث الثاني فقد طرح أمامها عدواً مميتاً ودولياً ينبغي القضاء عليه. وقد دفع هذان الحدثان أميركا الى عدم الاكتفاء بالعولمة وبالحصول على النفوذ الاقتصادي والثقافي المتأتي من هذه العولمة، بل السعي كي تصبح امبراطورية عسكرية ومقاتلة لا توقفها حدود أو سيادات، كذلك لا يوقفها الحلفاء أو المؤسسات متعددة الأطراف. وإذا كانت مسألة مناقب ومثالب الاحادية القطبية للنظام الاميركي ولتفوقه وهمينته قد تم طرحها في مطلع عقد التسعينيات الماضي، فمنذ منتصف ذلك العقد بدأ عدد من المحافظين الجدد وخاصة رؤساء تحرير مجلة «ويكلي ساندارد» وليام كريستول وروبير كيغان وماكس بوت المحرر فيها، وكذلك توم دونيل مؤلف كتاب «مشروع من أجل القرن الاميركي الجديد» كانوا قد بدأوا التحرك ضد سياسات جورج بوش التي رأوا انها سياسات مفرطة الاعتدال وخجولة، وكذلك سياسات بيل كلينتون المبالغة في اهتمامها بالقضايا الدولية العامة والقضايا الانسانية والمترددة كثيراً في استخدام القوة وفي النفقات العسكرية. وطالبوا في الوقت نفسه بالعودة الى السياسة الريغانية ـ سياسة الرئيس الاسبق رونالد ريغان التي حكموا بأنها قد انتصرت على «امبراطورية الشر» السوفييتي وفتحت الطريق أمام امبراطورية الخير، أي الامبراطورية الاميركية. وكان روبرت كيغان قد استخدم تعبير «الامبراطورية المحتفى بها» على اعتبار انها «خيّرة» وقد قال: «ان حقيقة دور الولايات المتحدة في العالم معروفة من قبل أغلبية المراقبين الجيدين ذلك ان الهيمنة الخيّرة هي أمر جيد بالنسبة لجزء مهم من سكان العالم. وهي تمثل بالتأكيد حالة أفضل للوضع الدولي من جميع الفرضيات الواقعية الاخرى، وإذا أريد البحث عن تخريبها فإن سكان العالم المعنيين سوف يدفعون سريعاً وغالياً ثمناً أكبر مما سيدفع الاميركيون أنفسهم.. «مهما كانت عيوب أميركا، فإن بقية دول العالم ستجد الوضع أقل ملاءمة مما لو كان أخذت أمة أخرى مكانها. ربما ان أميركا متغطرسة وان الأميركيين أنانيون أحياناً، وقد يكون كفّهم ثقيلاً إذا استخدموا قوتهم. لكن بماذا تنبغي مقارنة هذا؟ هل هناك من يعتقد بأنه لو امتلكت فرنسا القوة التي تمتلكها الولايات المتحدة فإن الفرنسيين سيكونون أقل غطرسة وأقل أنانية وأقل ارتكاباً للحماقات؟ ثم انه قد يكون من الصعب أن نجد في تاريخ هذه البلاد ـ أي فرنسا ـ كقوة كبرى أو حتى كقوة متوسطة ما يبرر مثل هذا التفاؤل. لكن لنعد الى الواقع على الرغم مما يقال من نقد للهيمنة ليست هناك أي أمة تريد تعددية قطبية أصيلة.. وإذا كان الأوروبيون يريدون بصدق الوصول إلى التعددية القطبية فإنه سيكون عليهم زيادة كبيرة في ميزانياتهم العسكرية وليس تقليصها وأن يأخذوا على عاتقهم بتسوية الأمور في البلقان بدلاً من أن يكرروا بأن مساهمتهم ترتبط بمساهمة أميركا، لكن الفرنسيين والاوروبيين الآخرين وحتى الروس ليسوا مستعدين لدفع ثمن عالم متعدد الأقطاب فعلاً.وهذا لا يعود فقط إلى انهم يتراجعون أمام نفقة ايجاد ثم صيانة مثل هذا العالم، وإنما لأنهم يخشون بحق النتائج الجيوستراتيجية المترتبة على تدمير الهيمنة الأميركية. سببان لكن أنصار قيام امبراطورية يظلون بمثابة مجموعة من المثقفين البليغين الهامشيين، كما هو الحال بالنسبة لأنصار النزعة الداعية للعزلة، وإذا كانت مادلين أولبرايت قد تحدثت عن «الأمة التي لابد منها» وتحدث ريتشارد هاس عن «الشريف المتردد» فإن الاثنين مع تأكيدهما على دور الزعامة بالنسبة للولايات المتحدة، فإنهما يحاذران من تمجيدها أو اسناد «دور امبريالي» لها. بل ان المرشح جورج بوش الابن، ومع انه دعا الى ضرورة اعادة تأكيد المصالح القومية الاميركية، فإنه قد رآها ايضاً بالاحرى فرصة للحد من الالتزامات الاميركية الخارجية، وخصوصاً فرصة لرفض مهمات المحافظة على السلام وبناء الأمة والديمقراطية في الخارج. إن أحداث 11 سبتمبر 2001، وعبر سلسلة من الظروف المنطقي بعضها والقاهرة في بعضها الآخر، هي التي جعلت من تيار كان يتم النظر له على أساس انه تيار لامع وإنما غير واقعي وغير مسئول بمثابة تيار تستلهم منه الى حد كبير السياسة الخارجية الأميركية بلاغتها وخطابتها.ـ السبب الأول، هو ان تلك الصدمة قد أوجدت لدى الرأي العام الاميركي فكرة وجود عالم معاد ومهدد وخفي، وبما ان التهديد كان في الوقت نفسه متعدد الأشكال وكامل الحضور وشاملاً، فإن الرد كان ينبغي أن يكون كذلك. وبما انه ليس بالامكان الانسحاب من العالم أو التأقلم معه فلم يبق إذن سوى السيطرة واحكام الرقابة عليه. إن هذه الفكرة للهيمنة القائمة بمنع بروز منافس اقليمي مهم يمكن أن يصبح فيما يلي منافساً عالمياً وتهديداً للاستقرار الدولي وللنظام الاميركي كانت قد أثارت فضيحة عام 1992 عندما وضعها «بول وولفويتز» في مسودة وثيقة رسمية حول «الخطة الأمنية» الأميركية، وذلك لدرجة انه قد تم حذفها من الوثيقة النهائية. على العكس في العام 2002 وجدت هذه الفكرة مكانها في وثيقة الأمن القومي حيث نقرأ: «علينا أن نبني قدراتنا الدفاعية ونحافظ عليها كي نواجه كل من تسوّل له نفسه تحدينا»، ثم «ينبغي أن تردع آلتنا العسكرية أية منافسة عسكرية مستقبلية». ان التوليف بين شعور الضحية البريئة وغير المفهومة من الجميع وشعور الاحساس بالهشاشة وامكانية التعرض لضربة وشعور انعدام امكانية التعرض للقهر عسكرياً، كان كافياً من أجل توليد رد فعل امبريالي. ـ السبب الثاني، يكمن في انتخاب جورج دبليو بوش الذي كاد ألا يتم ـ قضية حساب الاصوات الشهيرة ـ هذا ولم يكن لديه أي أفكار حول السياسة الخارجية، وقد قام بتشكيل فريق مؤلف في الوقت نفسه من واقعيين مثل الجنرال كولن باول، معادين لأي مبادرة تحمل مخاطر وخبراء في ميدان التحالفات، ومن «الصقور» المتأثرين كثيراً بمنظري الامبريالية الجديدة مثل نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد وحيث يوجد «بول وولفويتز» في الصف الأول من هذه المدرسة كمنظِّر وكخبير في الممارسة. ويوم 11 سبتمبر «عرف جورج دبليو بوش مهمته» كما قال هو نفسه وهي مهمة قائد حربي للنضال ضد الارهاب. لقد رأت المدرسة الامبريالية الجديدة مباشرة الفوائد التي يمكن ان تجنيها من ذلك الوضع وحاولت أن تمرر تحت غطاء مكافحة الارهاب عدداً من المشاريع السابقة جداً على تلك «الأولوية» مثل الدفاع المضاد للصواريخ وزيادة الميزانية العسكرية والحرب ضد العراق. وقد بدا بوش في البداية مؤيداً لخط كولن باول مع بناء تحالف كبير للحرب ضد طالبان. لكن نجاح هذه الحرب كان سريعاً، وظاهرياً كاملاً، ضد توقعات ومخاوف الليبراليين والاوروبيين مما أعطى مصداقية لتحليل الصقور من الامبرياليين الجدد. وبكل الحالات مال الميزان لصالحهم داخل ادارة بوش، حيث عززوا من موقعهم لدرجة لم يكونوا يأملون بها. وكان ذلك هو السبب الثالث في نجاحهم ولحظة الامبريالية الظافرة.مع ذلك، كانت الحصيلة بعد عام أقل ظفراً بكثير، ذلك ان أسامة بن لادن لا يزال حراً وأفغانستان مهددة بالغرق في حالة من الفوضى وتعليمات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لم يتم تنفيذها، والوضع أصبح أكثر فأكثر متشدداً، كما ان الولايات المتحدة أصبحت متماهية أكثر فأكثر مع الخط المتشدد للحكومة الاسرائيلية. وكما هي الحال دائماً زاد الفشل من الارادة الامبريالية وجعلها أكثر فأكثر أقل جداً حيال أولئك ـ الأوروبيين والعرب ـ الذين لا يميلون لصفها. وأصبح تبرير الامبراطورية يتمثل أكثر فأكثر في العمل الهجومي وغير المحدد ضد الارهاب. ويمكن القول انه قد تم الانتقال، كما في عقيدة الكنيسة الكاثوليكية، من الامبريالية المتألمة الى الامبريالية الظافرة ولكن عبر العودة الى مرحلة ثالثة من الامبريالية المناضلة. والسؤال هو ليس فقط معرفة ما إذا كان بالامكان تأسيس السياسة الخارجية كلها على مسألة النضال ضد الارهاب وإنما ايضاً معرفة ما إذا كان مثل هذا الأمر يمكن أن يكون بمثابة الأساس الوحيد لاقامة امبراطورية دائمة. وإن خصوم الامبرياليين الجدد يعيبون عليهم عدم امكانية اشادة أي امبراطورية على القوة العسكرية وحدها ويذكّرون بالاعتماد على الفلاسفة الكلاسيكيين انه لا يمكن أبداً اشادة امبراطورية ثابتة ومستقرة إذا لم تتوفر لها الشرعية السياسية بواسطة قبول أولئك الذين يخضعون لها بها، ولا يمكنها الحصول على مثل هذا القبول إلا إذا قدّمت لهم امتيازات مادية ورؤية ثقافية أو روحانية. الرد المزدوج إن أنصار معسكر المحافظين الجدد والامبرياليين الجدد يردّون على هذا بطريقتين، الأولى هي ان الشرعية تتولّد على أساس السلطة وتتولد هذه من ثقة الزعيم بنفسه وتصميمه على استخدام الوسائل الضرورية. ويقدمون على هذا مثال صمت «الشارع العربي» اثناء الحرب ضد أفغانستان، أو رضوخ الروس ضد القرارات الخاصة بتوسيع اطار الحلف الاطلسي بينما كان النقاد قد اعتبروا بأنها قد تؤدي الى قطيعة كوارثية. وإذا أظهر الأميركيون بأن الاعتراضات لا تثنيهم عن عزمهم، فإن هذه الاعتراضات نفسها هي التي سوف تزول لأن الجميع يفهمون لغة القوة والعالم يأمل في جميع الحالات بأن يجد من يقوده.أما الاجابة الثانية فإنها تؤكد أن الهيمنة الأميركية «جيدة بالنسبة للعالم» وان هذا العالم «ربما باستثناء فرنسا» يعترف بالفوائد التي يمكن ان يجنيها من ذلك. لكن المعترضين على مثل هذه الاطروحة يؤكدون بأن غطرسة القوة هذه هي التي يمكن أن تخلق في العالم أجمع بغضاً وحنقاً لن يزول على المدى الطويل بقدر ما هما عاجزان في الوقت الراهن على المدى القصير. ثم من جهة أخرى ان التبدل الحاصل بالقياس الى السياسة المتنورة والمعطاءة لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ـ مشروع مارشال وغيره ـ إنما هو الذي أوجد المشكلة والذي يمكن أن يؤدي الى تحوّل شعوب العالم أجمع ضد الديمقراطية الليبرالية والسوق والعولمة ويجعل من امبريالية القوة ألد أعداء الامبراطورية الاميركية. هكذا غدا النقاش يهتم بدرجة أقل بوجود الامبراطورية الاميركية ومناقبها أو مثالبها كما هو بصيغتها وباستقرارها وبنتائجها. ويختلف في هذا النقاش انصار كل خط بما في ذلك داخل ادارة جورج دبليو بوش.وبمناسبة نقاش حديث العهد حول الدور الأميركي في آسيا الوسطى يمكن تمييز ثلاثة مواقف: موقف المتحمسين للموقف الامبريالي وموقف خصوم الاغراء الامبريالي والذين يرون أن الامبراطورية الاميركية محكوم عليها بالموت وان التأكيد على العسكرة إنما هو سلوك يقوم على اليأس، وأخيراً موقف بعض المحافظين الذين يرون أن الموقف الامبريالي للولايات المتحدة الأميركية ليس جيداً بالنسبة لها أو بالنسبة للعالم وإنما هو واقع لا يمكن فيما بعد تجاهله والمطلوب بالتالي ادارته وخاصة بأكبر قدر ممكن من الحكمة. ويقول اندرو باسوفيتش في مساهمة له بالنقاش حول هذا الموضوع في مجلة «ذي ناشيونال انترست» في اكتوبر 2002 ما مفاده: «ينبغي أن يبدأ النقاش بالكشف عن السر الذي أحس به أعضاء النخبة السياسية منذ زمن طويل. وهو ان التحدي الأول الذي على الولايات المتحدة الاميركية أن تتصدى له في القرن الحادي والعشرين ليس اجتثاث الارهاب وإنما ادارة الامبراطورية الاميركية غير الرسمية التي قامت خلال القرن الماضي، إن مثل هذا القول يبدو صحيحاً وحتى لو ان النخبة السياسية الاميركية لا يمكنها الاعتراف به. هكذا قد انطرحت اذن المشكلات الكلاسيكية لادارة شئون الامبراطورية، أي المشكلات التي تؤدي بادارة الرئيس جورج دبليو بوش الى ولوج طرق كانت تريد أن تتجنبها ويتمثل الخيار المفضل لهذه الادارة في ان تتولى هي نفسها المبادرة السياسية واختيار الاستراتيجية العسكرية والجانب التقني ـ خاصة الجوي ـ لهذه الاستراتيجية، ولكن في ان تتخلى من جهة للقوات المحلية المدربة والمجهزة من قبل الولايات المتحدة لخوض المعارك البرية الدامية، وتستغل من جهة اخرى الانتصار واحلال السلام واعادة التعمير والمحافظة على النظام واقامة الديمقراطية ودولة بدلاً من الدول المعادية للحلفاء. إن الاعتماد على وسطاء محليين يمثل أحد أشكال المنطق التي تستخدمها امبراطورية، لكن من الواضح، كما يبين المثال الافغاني ذاته، بأن مثل هذا المنطق ليس كافياً. ويذهب الامبرياليون المتشددون الى نهاية منطقهم ويدافعون عن فكرة ان تقوم الولايات المتحدة نفسها بدورها الامبريالي حتى نهايته، أي الاحتلال لفترة طويلة والادارة واعادة التربية كما فعلت في ألمانيا وفي اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. وهذا هو ايضاً السبيل الذي يطالب فيه خبراء ديمقراطيون من أمثال «كنيث بولاك» والذين يرون أن هدف الولايات المتحدة ينبغي أن يكون بالتنسيق مع الحلفاء، تعميم الديمقراطية في الشرق الأوسط كما فعلت بالنسبة لأوروبا. لكن إذا كانت ادارة الرئيس بوش مدعوة لولوج مثل هذا السبيل، فإنها لا تفعل ذلك سوى بخطوات صغيرة وببعض النفور. ومن جهة أخرى، وخاصة إذا كان ينبغي تنفيذ هذه المهمة أولاً بالنسبة لمجمل العالم العربي ثم بالنسبة للمناطق الاخرى التي تسودها الفوضى أو المعادية في العالم، فإن هذا يتطلب على المدى الطويل جهوداً هائلة وليس على الصعيد العسكري والاقتصادي فحسب، وإنما ايضاً على الصعيد الاخلاقي والسيكولوجي، ذلك ان الأمر يتعلق أولاً بقمع مثيري الفوضى، بما في ذلك أولئك الذين بدأوا بالدعوة للحماية الامبريالية وبادارة التطورات بصبر وتأن مع المعرفة الكاملة للخصوصيات المحلية. هذه الصفات كلها ليست تقليدياً هي تلك التي تتسم بها الولايات المتحدة الأميركية. صميم النقاش هكذا يتم التوصل الى صميم النقاش، فالولايات المتحدة أو «الجمهورية الامبريالية» حسب تعبير ريمون آرون، الفيلسوف الفرنسي الليبرالي الشهير، تمتلك موقعاً امبريالياً، لكن التقاليد الامبريالية للامبراطوريات الاستعمارية غريبة عنها الى حد بعيد. وهي تبقى حتى فترة أخرى جمهورية ذات نزعة فردية وليبرالية لم تتم صياغة ذهنيتها ومؤسساتها من أجل القيام بمثل هذا الدور الامبريالي. وإذا أرادت الولايات المتحدة بالفعل التمسك به فإن عليها أن تقوم بعملية تحول عميقة لأولوياتها ولمؤسساتها ولقيمها. وعلى مستوى الوسائل بدأت ادارة الرئيس بوش، وبفضل حجة النضال ضد الارهاب، بالتحول عبر اعطائها الأولوية المطلقة للنفقات العسكرية. لكن النتائج الاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة تطرح أكثر من اشكالية للتوقعات التي قال بها «بول كندي» حول انحطاط الامبراطوريات لأنها تجاهلت حاجات البلاد في ميادين التربية والصحة... الخ. وإذا كانت أحداث 11 سبتمبر 2001 قد أثارت من منظور أخلاقي ونفسي انتعاشاً أكيداً للحس الوطني لدى الأميركيين، فإن هؤلاء لم يتجمعوا في طوابير أمام مكاتب التطوع للقتال. وإذا كانوا من أنصار توجيه ضربة للعراق إذا وافق الكونغرس على ذلك وانهم استعدوا لقبول فكرة وقوع خسائر بشرية، فإنهم مع ذلك قد رهنوا موافقتهم بأن تكون هذه الخسائر قليلة. وتبقى المشكلة النهائية هي معرفة ما سيؤدي إليه هذا التوجه القتالي وهذه الحالة من الحرب المستمرة يمكن أن يجعلا من المجتمع الاميركي من وجهة نظر مؤسساته كما من وجهة نظر حرياته وكذلك من حيث قيمه التي تمثل أكثر حتى الآن نحو الاقتصاد الخاص والفائدة الفردية. إن النقاش الحقيقي مكرّس بدرجة أقل الى السياسة الخارجية مما حوّل سمة المجتمع الأميركي ونظامه وما يمكن ان يُطلب منه دون خيانة تطلعاته، وحول ما يمكن أن يكون عليه أن يرفضه وأكثر حول المواضيع التي تخص امبراطوريته. تأليف: بيير هاسنر وجوستان فايس _ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

طباعة Email
تعليقات

تعليقات