ما نشر ليس إلا قمة جبل الجليد، نهر من الأسرار يتدفق من ملفات الخارجية العراقية

الاحد 10 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 11 مايو 2003 كم مسئولاً عراقياً يحتاج الامر لاصلاح سطح يرشح ماء لمنزل احد الدبلوماسيين في لندن؟ كم من الوقت يحتاج مترجم ماهر لتحويل احدى خطب جورج غالاوي البرلمانية إلى اللغة العربية؟ ففي قرابة 1000 صفحة من النثر العربي، كل صفحة منها مختومة بشعار النسر العراقي، تلقي الملفات التي عثر عليها داخل مقر وزارة الخارجية في بغداد ضوءاً سريالياً إلى حد ما على القضايا التي حركت العجلات البيروقراطية لنظام صدام حسين وموقفه من بريطانيا. وتتحدث خمسة ملفات زرقاء اللون مربوطة باحكام، وجميعها مدموغة بكلمة «بريطانيا» باللغة العربية ـ تتحدث على نحو غامض عن مؤامرات ضد صدام حسين، وغضب من «اكاذيب» الحكومات الغربية وتحتوي على مناشدات من اجل الحصول على مطبوعات عسكرية غربية. وتورد الملفات بالتفصيل الاتصالات مع الحكومة البريطانية ومع شخصيات اعتبرت صديقة للعراق. وهناك تركيز خاص على النشاطات السياسية لجورج غالاوي. وهناك 25 وثيقة منفصلة تشير إلى عضو البرلمان عن حزب العمال وتغطي السنوات 1998 و2000 و2001. وفي هذه الكومة من الوثائق وجدت، في اليوم التالي من قراءة الملفات، نسخة المذكرة الموقعة من قبل رئيس الشرطة السرية او المخابرات، والتي يفهم منها ظاهرياً ان عضو البرلمان العمالي قد استفاد سراً من عقود النفط مقابل الغذاء في تمويل حملته التي عرفت باسم «قافلة مريم». ومن جانبه، ينفي غالاوي استفادته بأي شكل من تعاملاته مع العراق وقال ان الوثيقة التي يجري الحديث عنها مزورة وتم زرعها من قبل اجهزة استخبارات غربية بهدف تشويه سمعته. ان الجانب الاكبر من المادة كان عبارة عن اعمال ورقية اعتيادية تتراوح بين الامور الدنيوية العادية والاشياء الغريبة. وتكشف الملفات الخمسة جميعها، وكل واحد منها يضم بين دفتيه 200 صفحة، عن الملامح الاساسية للثقافة البيروقراطية في العراق ـ وهي السرية والصفة الرسمية والمجاملة الرسمية والاستحواذ المتمثل بتجميع سجلات دقيقة لكل شيء مهما كان تافهاً. وهكذا، فإن الوزراء دائماً ما يشار اليهم بعبارة «معالي الوزير المحترم» وحتى الخربشة المقتضبة المكتوبة بخط اليد في هامش احدى الوثائق الرسمية تعبر عن عبارات التحية المفصلة. بعد بضعة اسابيع على وقوع هجمات 11 سبتمبر، وعندما بدأت اميركا تبحث ما اذا كانت ستطيح بصدام كجزء من «الحرب على الارهاب»، وجد بعض من الرجال المتنفذين في النظام العراقي انفسهم يتعاملون مع قضية السطوح التي ترشح ماء لخمسة مبان دبلوماسية في لندن. وقد تبادل ناجي صبري وزير الخارجية العراقي والفريق عبدالحميد الخطاب رئيس سكرتارية صدام المتنفذ، مراسلات مطولة حول المسألة في الثاني من اكتوبر. واشترك رئيس الاستخبارات العسكرية في المراسلات ايضاً. فقد كتب يقول ان المنزل الذي كان يشغله الملحق العسكري في لندن، في الايام التي كان للعراق سفارة في بريطانيا، قد «تضرر بفعل المطر والآثار البيئية على مر السنين». وكان رد الخطاب نابعاً بشكل مباشر من كتيب الموظفين العراقيين الرسميين. فقد شكل لجنة للسطح الذي يرشح ماء. وتم اطلاع رؤساء الاستخبارات العسكرية والاسكان العسكري والاشغال العسكرية على القضية مع دعوة موجزة «لدراسة موضوع اصلاح البيوت المذكورة وابلاغ وزارة الخارجية». واضافت رسالة بعثت في الخامس عشر من اكتوبر تقول: «يجب كتابة تقرير عن هذا الموضوع». لم اجد اي سجل يتحدث عن فعل اي شيء على ارض الواقع. وربما كانت امطار لندن لا تزال تنساب عبر تلك الاسطح. وهذه الوثائق جاءت من ملف برتقالي كتب عليه كلمة «بريطاني» وجدته في غرفة صغيرة في الطابق الاول من مبنى وزارة الخارجية في بغداد. وكان موقع بي بي سي نيوز على شبكة الانترنت قد اوردنا نبأ يوم 22 مارس مفاده ان مبنى وزارة الخارجية يحترق بعد ليلة اطلق فيها 1000 صاروخ كروز على بغداد. غير انه يبدو ان ذلك الخبر كان خاطئاً. فليس هناك من دليل على ان وزارة الخارجية قد ضربت بقنبلة او صاروخ. وبدلاً من ذلك، فإن المبنى قد تعرض للنهب مباشرة بعد انتهاء الحرب وتدمر بشكل كبير بفعل الحريق. ولكن كل شيء تقريباً داخل الغرفة التي عثرت فيها على الوثائق كان سليماً. ويبدو ان باب الغرفة السميك، الذي احرق من الخارج ولكن لم يتضرر من الداخل، قد حمى الغرفة من الحريق. كانت العشرات من صناديق الملفات، وكل منها يحتوي على ثلاثة او اربعة ملفات مليئة بالوثائق، تغطي الارضية او مكدسة على رفوف معدنية. وبالاجمال، نجت آلاف عديدة من الوثائق حول طائفة واسعة من الموضوعات. وكان من الواضح ان اللصوص قد دخلوا الغرفة ـ فأقفال الباب كانت محطمة والعديد من الملفات كانت مرمية على شكل كومة على الارض ـ ولكن نظراً لعدم اهتمامهم بالاعمال الورقية، فقد تركوها سليمة كما هي. معظم صناديق الملفات حملت ملصقات بالعربية. وكانت مغطاة بالغبار والرماد وبعض الوثائق انفكت من ملفاتها ـ الرسائل المكتوب عليها «سري وشخصي» سقطت على الارض ـ ولكن معظم الاوراق بدت بحالة جيدة. رأى مترجمي العراقي ان معظم صناديق الملفات كانت مصنفة حسب البلد. فبعضها كتب عليه الجزائر، وتونس، المغرب، فرنسا والولايات المتحدة. وبعضها الاخرى حملت ملصقات كتب عليها مجلس الامن وسجلات سياسية. طلبت منه ان يبحث عن اي ملف يحمل ملصق بريطانيا. وبالبحث معاً، وجدنا في النهاية ملفين الى جانب صندوق كتب عليه فرنسا. وكانا قد تركا في مكان واضح. ومن خلال تقليب الصفحات، ومعظمها كان مكتوباً باللغة العربية، رأيت رسالة مكتوبة بالانجليزية وكانت رأسية الرسالة تحمل اسم غالاوي. وبحسب نص الرسالة، فإنها تعين فواز زريقان ممثلاً له في بغداد، لم افكر كثيراً في الامر، والتقطت صندوق الملفات وعدت الى الفندق. تفحصنا احد الملفات. وكنت اتساءل ما اذا كنا قد نجد شيئاً مثيراً للاهتمام حول تصور العراق لتوني بلير. وهل يصدقون دعايتهم حوله بأنه «كلب اميركا»؟ كانت هذه عملية بطيئة وشاقة، لأن المترجم العراقي كان عليه ان يقرأ كل صفحة بصوت عال بالترتيب. ولم نجد شيئاً يثير الاهتمام. فقد كانت الرسائل العادية، وهي مراسلات مملة كانت ترد على مكتب وزير الخارجية العراقي، تتوالى تباعاً. بحثنا فيها يوماً ثم اوقفنا العمل. ولم نعثر على رسالة لفتت نظري الا في وقت متأخر من اليوم التالي. وكانت وثيقة عربية، كتبت على ورق جميل يحمل رمز قزحية العين والكلمات الانجليزية «جهاز المخابرات العراقي». وبدت المذكرة في ظاهرها نسخة من رسالة مرسلة من رئيس المخابرات الى سكرتارية الرئيس صدام ـ وهو المكتب الداخلي للدكتاتور والذي يتعامل مباشرة مع الاجهزة الامنية. ولم ادرك ان هذه المذكرة قد تكون مرتبطة بجورج غالاوي وقد تفرز قصة بريطانية مهمة الا عندما قرأ مترجمي موضوع المذكرة وهو «حملة مريم». كانت المذكرة جزءاً من ملف يضم 129 وثيقة اخرى حول مجموعة الموضوعات المختلفة. وكان الملف مربوطاً كالملفات الاخرى بعقدة مميزة. وبصرف النظر عن مسألة ما اذا كانت محتويات المذكرة صحيحة، فإن الدلائل التي عثر عليها في اماكن اخرى من الملفات تعزز صحة هذه الوثيقة كنتاج حقيقي للبيروقراطية العراقية. فهناك ستة امثلة اخرى لرسائل مخابرات مماثلة في ملفات اخرى. وقد تعرف هيثم رشيد وهايب، رئيس التشريفات السابق لدى صدام، الذي هرب من العراق في عام 1993 ـ تعرف على التوقيع الموجود على الوثيقة بأنه لطاهر جليل حبوش التكريتي، رئيس المخابرات منذ عام 1999 وحتى سقوط النظام. وتظهر اربع وثائق اخرى تحمل هذا التوقيع في الملفات. اما المذكرة التي تحدد تعاملات غالاوي التجارية المفترضة، فقد كانت بخط اليد. وهناك ثلاث وثائق في الملفات مكتوبة بنفس الخط. وثلاث وثائق اخرى تحمل اشارة مباشرة الى المذكرة الحاسمة، حيث تقتبس تاريخها ورقم مرجعها. وتذكر رسالة اخرى عقود غالاوي النفطية المزعومة. واذا كانت الوثيقة الحاسمة مزورة، فلابدّ ان تكون كل هذه الوثائق مزورة بصعوبة كذلك ومن ثم مزروعة بعناية داخل الملفات. ويحتوي الملف ايضاً على رسائل من السير ادوارد هيث، رئيس الوزراء السابق، وكانون اندرو وايت، مدير الكهنوتية الدولية لكاتدرائية كوفنتري، واللورد ويفرلي، احد الاعضاء المستقلين في البرلمان، وروبن كوك، وزير الخارجية السابق، وقد تم التأكد من صحة كل رسالة من تلك الرسائل. تبدأ اربعة ملفات من اصل خمسة ملفات ـ الاستثناء هو مجريات مؤتمر للعقوبات في لندن ـ بفهرس بخط اليد لمحتوياته. ورسالة الغلاف الملحق بها المذكرة التي تبدو في الظاهر عن غالاوي مدرجة في الفهرس على الملف ذي الصلة. واذا كانت المذكرة الحاسمة مزورة، فإن الفهرس المطول والمعقد يجب ان يكون كذلك. كما ان المذكرة كانت مكتوبة باسلوب عراقي مميز. فاللغة العربية لا تملك مقابلاً للحرف «ا» بالانجليزية. والمخابرات العراقية تميل بشكل اعتيادي الى استخدام الرسم الفارسي بدلاً من ذلك. والمذكرة تستخدم هذا الاسلوب المميز لكتابة اسم غالاوي ـ وكانت المذكرة مجرد واحدة من بين عدد هائل من الاوراق، ومعظمها اوراق اعتيادية، مرتبطة بغالاوي. فعلى سبيل المثال، تظهر نسخة من مداولات البرلمان البريطاني في 25 نوفمبر 1998 تحتوي على خطاب ألقاه غالاوي حول العراق ـ تظهر في الملفات مع بطاقة شخصية للمعارض العمالي مثبتة بها. وكتب محمد سعيد الصحاف، الذي كان وزيراً للخارجية العراقية في حينه واصبح بعد ذلك وزير الاعلام الصارم خلال الحرب ـ كتب بخط يده على المجلد الخاص بمداولات البرلمان البريطاني ما يلي: «الى الاستاذ قاسم حافظ، الرجاء ترجمة هذا المجلد الخاص لكلمة السيد غالاوي في البرلمان والردود الموجهة اليه». وقد استغرق هذا العم المضني من الاستاذ حافظ اسبوعين واسفر عن 35 صفحة من النثر العربي. وتم ارسال كلمة السيد غالاوي، التي تم تحويلها الى اللغة العربية، الى المكتب الخاص بصدام. وحافظ غالاوي على اتصالاته بالوزراء العراقيين. ففي 21 ديسمبر 2000، كتب للصحاف على الرسالة المبعوثة من «بريطانيا العظمى الى مجتمع العراق». وقال غالاوي في رسالته الى عضو كبير في النظام زعم على الدوام انه يعارضه: «اولاً ابعث لك بتحياتي وتمنياتي الاخوية الحارة بمناسبة العام الجديد». ثم حدد فكرة جديدة لتأسيس «شركة محدودة المسئولية» يكون مقرها بريطانيا، بهدف الضغط على الحكومة نيابة عن رجال الاعمال البريطانيين الذين منعوا عن الاسواق العراقية بفعل العقوبات الدولية. ومضى غالاوي يقول: «خطتنا الاولية للفعاليات في عام 2001 ستكون مؤتمراً للأعمال حول العراق في مايو 2001 سيعقد في مقر البرلمان، ووفد تجاري يذهب الى العراق في يونيو ومعرض بريطاني في اوائل اكتوبر. ترجمة: ضرار عمير عن «ديلي تلجراف»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات