جزيرة إيستر... موطن شعب رابا نوي وحضارته

الجمعة 8 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 9 مايو 2003 تنتصب تماثيل «الموي» في جزيرة ايستر بمهابة وسكينة مديرة ظهورها للبحر. وبينما تقذف الرياح بالمياه المالحة على اجسادها الثابتة، تواصل محاجرها الخالية من العيون التحديق في السماء ويبدو ان هذه التماثيل المغلفة بالأسرار لا تفشي اي شيء منها. سميت جزيرة ايستر بهذا الاسم نسبة الى الهولندي جاكوب روجيفين الذي وصل اليها في يوم عيد الفصح السادس من ابريل عام 1722، ولكن اسمها الاصلي وهو «رابانوي» الذي يترجم في بعض الاحيان الى مركز الارض يعتبر اكثر دقة. وتعتبر هذه الارض الصخرية التي تبعد قرابة 025,4 كيلومترا عن ساحل تشيلي و185,4 كيلومترا عن تاهيتي في بولينيزيا الفرنسية، والتي لا يزيد حجمها عن ثلث حجم ولاية نيوجيرسي الأميركية ـ تعتبر أكثر الأراضي المأهولة عزلة على وجه الأرض. ويعتبر تاريخ شعب «رابانوي» ممزقاً، ولكن اجزاء صغيرة منه لاتزال حية لم تندثر. وبحسب المعلومات القليلة المتوفرة عن تاريخهم، فانهم قد عاشوا ألف عام معزولين عن باقي اجزاء العالم المتحضر. وكانت لديهم ثقافة تقوم على عبادة الاجداد، حيث كانت القبائل تتنافس فيما بينها على بناء أكبر وأفضل تماثيل «الموي» ـ وهي تماثيل ضخمة تمثل اجدادهم ـ وذلك من اجل ضمان الحماية لها. ولكن ذلك المجتمع الفاضل تلاشي وانقلب الناس ضد بعضهم البعض في صراعهم من أجل البقاء. ولم ينقذهم من هذا الوضع سوى ظهور دين جديد، عبروا فيه كائناً غريباً، نصفه طير ونصفه الآخر إنسان. ثم جاء الأوروبيون ودمروا ما تبقى منهم بادخال أمراض غريبة على المجتمع وجلب أنواع من النباتات والحيوانات قضت على النباتات والحيوانات المحلية الأصلية. وهكذا ضاعت الحقيقة المتعلقة بحضارة «رابانوي». انتشرت التنبؤات بشأن شعب جزيرة إيستر منذ بدء أولى الحفريات الأثرية لعلماء هواة في القرن التاسع عشر. والآن، تقوم الجزيرة تدريجيا بالكشف عن أسرارها. فلقد أمضى فريق من الأخصائيين من علماء الآثار وعلماء الأنثروبولوجيا إلى علماء النبات وخبراء في اللغة والمنحوتات الأثرية ـ أمضوا الأعوام العشرة الماضية يفصلون الحقيقة عن الخيال. وفي عام 1989، دعت الحكومة التشيلية، التي تمتلك جزيرة ايستر، غوسيب اوريفسي، مدير المركز الايطالي للبحوث الأثرية لفترة ما قبل اكتشاف أميركا ـ دعته لزيارة الجزيرة. وقام أوريفيسي المتأثر بالثروة الاثرية المتبقية، بالترتيب للبدء بعمليات حفر أثرية في العام التالي، واجرى تنسيقا بين فريق من الخبراء، وكل واحد منهم مختص بمجاله، قاموا بزيارة الجزيرة لعدة اسابيع في المرة الواحدة خلال الأعوام العشرة التي تلت البدء بالحفر. ويقول دكتور أندريا دروسيني، وهو استاذ في الانثروبولوجيا بجامعة بادوا في ايطاليا، والذي دعي من قبل أوريفيسي لزيارة الجزيرة: معظم البحوث التي جرت على الجزيرة قبلنا، باستثناء بعضها، كانت تتم من قبل باحثين فرديين، في حين ان هدف حملتنا كان جعل اخصائيين مختلفين من مجالات مختلفة يعملون معاً في الوقت نفسه وفي المنطقة نفسها». هناك 212 موقعاً أثريا على الجزيرة، ولهذا فإن الخبراء ركزوا على مناطق مختلفة. فعلى سبيل المثال، قامت ميشيل وكاثرين اورلياك من متحف التاريخ الطبيعي في باريس، بجمع قطع قديمة من الفحم قامت بفحصها تحت مجهر الكتروني. ومن النتائج التي حصلتا عليها، استطاعتا ان تتعرفا على الاشجار التي اصبحت منقرضة منذ ذلك الحين ولكنها كانت تغطي الجزيرة في عصر ثقافة «الموي» كما قامتا ايضا بدراسة دلائل على الكثير من الحرائق غير العادية منذ منتصف القرن السادس عشر، والتي تتزامن مع سقوط ديانة الاجداد. وركّز دروسيني واوريفيسي بشكل اساسي على منطقة «آهوناوناو» التي تشكلت عندما اندمج بركانين من براكينها الثلاثة. وقد تبين من خلال الدراسة انه لم يكن هنا اي نشاط بركاني منذ استيطان البشر على الجزيرة لاول مرة، وبالتالي فان اي بقايا تساعد في تحديد تاريخ وصول البشر اليها لاول مرة بشكل دقيق. وكانت طبقات الرمل والطمي في هذه المنطقة المحمية نسبياً قد حفظت الكثير من العظام من التلف بفعل الرياح المحملة بالملح، ما يجعل من السهل تحليلها. يعتقد بأن شعب رابانوي قام باستيطان جزيرة ايستر في حوالي العام السابع للميلاد، ولكن اللقى الاثرية التي تم العثور عليها في هذه الحملة توحي بأنهم ربما وصلوا اليها قبل ذلك بثلاثة قرون. ولم يكن احد متأكدا من اصول هذا الشعب، فمنهم من قال انهم كانوا ينحدرون من اصول بولنيزية، وهناك من قال انهم جاءوا من اميركا الجنوبية. ولكن الجزء اليسير من التقاليد الباقية بالاضافة الى اشكال بعض التماثيل والمنحوتات يشير الى ان شعب رابانوي هو من اصل بولينيزي وليس من اميركا الجنوبية. كما ان البحوث الوراثية الحديثة الحديثة على العظام والاسنان تدعم بشكل قوي هذه النظرية. فقد اظهرت التحاليل التي اجراها دروسيني والبروفيسور داريس سويندلر وهو زميل من جامعة واشنطن في سياتل، على اسنان عثر عليها في الجزيرة ان تلك الاسنان تحتوي على جذور ثلاثة بدلاً من اثنين وهذه صفة وراثية خاصة تلاحظ لدى الشغب البولينيزي. ان تاريخ هذه الجزيرة الصغيرة يستخدم عادة كاستعارة مجازية للحالة الراهنة للارض ككل، لا في اظهار مدى سهولة تدمير الاسنان للموارد الطبيعية فحسب وانما ايضا في وجود الامل حتى في احلك الظروف واسوئها. ضرار عمير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات