ماركيز حاوره طويلاً في القضايا الشائكة، غورباتشوف : الحرب على العراق جريمة بحق المجتمع الدولي

الاثنين 4 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 5 مايو 2003 إثر اندلاع الحرب على العراق جاء رد الرئيس السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف على حشد من الاسئلة التي طرحها عليه الكاتب الروائي الكولومبي الفائز بجائزة نوبل في الادب والذي قرر استطلاع وجهة نظر احد الرجال الذين تمكنوا قبل عقدين من الزمان من تبريد حدة المواجهة بين قوى متصارعة، وهي المواجهة التي بدا أنه لا مناص منها والرجل المقصود ليس الا الرئيس السوفييتي السابق المعتكف الآن في مقره الشتوي، لكنه يتابع دائما مسيرة انسانية بدا واضحاً للعيان أنها قادرة على العدول بشكل نهائي عن اعتماد الحلول المسلحة. ماركيز اجتمع مع فريق من صحافييي مجلة «كامبيو» المكسيكية من بينهم خوليو اغويلار، حيث اعدوا قائمة بالاسئلة التي وجهها لهذا الرجل الذي كان احد اللاعبين الكبار في القرن العشرين، والذي تجمعه معه صداقة ممتدة زمنياً. قال غارسيا ماركيز موجهاً كلامه الى غورباتشوف: «عندما تعرفت اليك في موسكو، قبل أكثر من 15 عاماً خلت، تملكني احساس داخلي بأنك كنت تحلم حينها بعصر من التآخي الانساني قادر على أن يقودنا أخيراً الى السعادة، بعد عدة قرون من المحن. تلك الذكرى التي لا تنسى، جعلتني أفكر، اكثر من اي وقت مضى، بك في هذه الايام المشئومة التي يمكن فيها لخطوة زائفة بسيطة يقدم عليها شخص ذو نفوذ تنقصه الحكمة ان تقضي على كل أثر للحياة في الأرض. مع تجلي النتائج المروعة لدوران آلة الحرب في العراق اجاب غورباتشوف على قائمة الاسئلة التي شملت قضايا لا ينقصها التعقيد ولا التشابك: ـ الأزمة العالمية الراهنة مع قوة عظمى وحيدة تهدد بشن الحروب هي نتيجة للنظام العالمي الجديد الذي اطلقته بنفسك بالاصلاحات في الاتحاد السوفييتي القديم. هل فكرت بأن العالم كان من الممكن ان يصل الى هذا الوضع عندما بدأت البرسترويكا»؟ ـ الازمة العالمية الراهنة ليست نتيجة للنظام العالمي الجديد. وذلك لأنه لم يكن ممكناً انشاء هذا النظام الجديد بمفهوم الحرب الباردة. البروسترويكا تتصل بهذا الوضع، بمعنى ان الحرب الباردة انتهت معها، فذلك هو التحدي التاريخي للبرسترويكا حيث بدأت معها سياسة ودبلوماسية عالمية تقوم على عدم المواجهة. وعلى الرغم من جميع الشكوك والاخطاء والاخفاقات، الا ان طريقة المعالجة على اساس عدم المواجهة في الشئون العالمية وفي العلاقات متعددة الاطراف هي التي فيها وجهة نظر. قارن ما كان موجوداً سابقاً مع نفوذ ونشاط عمليات البحث الجماعية عن حلول شاملة للشئون الدولية. ـ أي وضع اعتقدت في تلك الحقبة ان العالم كان سيكون عليه اليوم؟ ـ لقد قلت دائما ان السياسة تبنى على المصالح، لكن السياسة العالمية الجديدة يجب ان تبني على الاتفاقات. مع ذلك اعتبرت ان الانسانية في القرن العشرين كانت قد تلقت دروسا بالغة التعدد، وبالتالي تعين علينا ان نحكم انفسنا من خلال مباديء الانسانية وجميع المعايير المعترف بها في العلاقات بين الدول. لكن هذه العملية تم كبح جماحها وتقييد انطلاقها مع الاسف وخصوصا لان بلداً مثل الاتحاد السوفييتي خرج من اللعبة، مع ان هذا البلد بالذات هو الذي بادر باستخدام هذه المباديء. لكن لم يكن ممكنا توطيدها بشكل كاف لان «المصالح من بين اشياء اخرى ـ على المسرح الدولي، بعد القضاء على نظام الكتلة والتهديد بحرب نووية، كانت مدعومة من قبل الكثيرين» وهذه «المصالح» ليس لها تبرير دائماً من وجهة النظر التاريخية والاخلاقية. ـ ما هو رأيك في الولايات المتحدة كقوة عظمى وفي المجتمع الدولي الذي يجد نفسه الان مستضعفاً ومقسماً؟ ـ الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة، هذا امر مؤكد، وهي الاخيرة من نوعها في التاريخ. فمفهوم الحرب الباردة، كان الاميركيون يتمتعون بقوة كامنة رائعة تسمح لهم باستخدام موقعهم مقدمين خدمة للمجتمع العالمي. وكان ذلك ممكنا لو لم ترتكب الولايات المتحدة خطأ فاحشاً وطامعاً، حيث اعلنت نفسها منتصرة في هذه الحرب، قائلة لنفسها: «الآن كل شيء مسموح لنا». ـ وهل في ذلك الخطأ يكمن أصل ما يحدث؟ ـ نعم، إن جذور الازمة الحالية موجودة عند هذا المنعطف على وجه الدقة، وهي تتصل طبعاً وبصورة مباشرة مع الجريمة المرعبة للحادي عشر من سبتمبر. فالمكابح بالنسبة للسياسة العالمية بدت غير كافية، وذلك بسبب ان اوروبا كل اوروبا بأسرها، على وجه الخصوص قد تخلقت بشكل هائل في مجال اكتشاف امكانيات حشد طاقاتها، لأن اوروبا الاتحاد الاوروبي والناتو قد اسسا نفسيهما، حتى الآن على هيكلية سياسية وحيدة. ـ مع عدم فعالية الناتو والامم المتحدة ومع اختفاء حلف وارسو، اي نوع من اعادة الاعمار أو البروسترويكا يتعين على المجتمع الدولي التصدي لها من اجل انشاء نظام عالمي جديد؟ ـ فيما يتعلق بالامم المتحدة، يتوجب عليها من حيث المبدأ ان تتحول إلى محركة للنظام العالمي الجديد بمفهوم الحرب الباردة. لكن المسئولين عنها تركوا هذه الفرصة تفلت من بين ايديهم. فلقد فت في عضدها طوال سنوات الحرب الباردة وديست توصياتها وقراراتها بصورة تعكس تجاوزاً شاملاً. اما فيما يخص حلف وارسو الذي تشير اليه فلقد مات ميتة طبيعية. اما الناتو، مع تراجع لا يصدق في اطار الوتائر الحالية للتطور التاريخي، فإنه يتطور ويمكنه ان يتحول إلى اداة نافعة للبدء في نظام عالمي جديد. ـ اذا كانت المؤسسات المتبقية تمر بأزمة فأي طريق تبقى لنا؟ ـ الدور الرئيسي اعطيه لمنظمة الامم المتحدة. مع انها تحتاج منذ زمن لإصلاح جذري، على ان يذهب بعيداً. وأعتبر انه ليس مهماً كيف تنتهي الازمة العراقية. لكن هذا سوف يقدم دليلاً قوياً للانشغال جدياً بمسألة اصلاح الامم المتحدة. ـ اذا كان الرئيس الاميركي جورج بوش يشن الحرب بدون تفويض من الامم المتحدة، فما هي باعتقادك النتائج بالنسبة لهذا البلد في علاقاته مع العالم؟ ـ اذا كانت الحرب تشن بجميع الاحوال في العراق، فأنا اعتقد انه مع نمو المعارضة الجماهيرية ومع توزع وجهات النظر والتقويمات في المجموعات الرائدة لغالبية البلدان، ستكون هذه الحرب قد استقرت في اذهان الجميع كجريمة ضد المجتمع العالمي. ولا يهم اي اشكال ستأخذها هذه المرافعة ولا اذا كانت مفتوحة بشكل قوي. ثمة عقيدة رسمية في الولايات المتحدة حول «الهجمات الوقائية» وحول الاختيار التعسفي لأهدافها. مع ذلك فإنني اعتقد في ضوء معرفتي بالولايات المتحدة، انهم يختارون هذا الطريق الخطر. الامر الذي يمكن ان يفضي إلى فوضى عامة، وان يحمل ضرراً هائلاً لمصالح الامن القومي ذاتها التي تصونها تلك العقيدة. ـ ما الذي تجازف به الولايات المتحدة بحفاظها على موقف شن الحرب؟ ـ من نافل القول ان الاميركيين لن يتخلوا عن افكارهم الخاصة بالهيمنة، لكن في حالة نشوب المزيد من الحروب، فسوف يتوقف العالم بشكل نهائي عن تصديق هذه الافكار وعن كونها تحمل أي قيمة عالمية خارج اطار المصالح الاميركية الانانية. وفي القرن الواحد والعشرين ليست فاعلة اية سياسة خارجية لا توقظ مصداقية. لذلك فإن المحاولات القائمة اليوم بالذات للحصول على شيء بدون الاعتماد على الثقة المتبادلة ليس لها مستقبل. ـ كيف يمكن باعتقادك «تهدئة» الولايات المتحدة؟ ـ انت تسألني كيف يمكن «تهدئة» الولايات المتحدة؟ يمكن للولايات المتحدة ان تكون هادئة مع مرور الزمن، حيث يتعين على الاميركيين معالجة الجراح الرهيبة والعميقة التي خلفها الحادي عشر من سبتمبر في الشعب الاميركي وفي الطبقات العليا من المجتمع. وبهذا يمكن ان تساعد سياسة رصينة، لاسيما المشاركة النشطة للولايات المتحدة في اقتلاع الجذور العميقة للإرهاب الحالي. اما استعراض العضلات واكثر من ذلك استخدامها، فإنه يشكل سلاحاً ذا حدين. اذ انه يحمي بشكل مؤقت، لكنه لا يشفي، بل يجعل المرض مستفحلاً بشكل اعمق. والنتيجة ليست الا حلقة مفرغة. ـ ما هي وجهة نظرك فيما يتعلق بالرئيس الأميركي جورج بوش؟ ـ لقد اثر الوضع في العراق بشكل قوي على نفوذه العالمي، سواء كرجل دولة أو كمواطن عادي. لكن مع ذلك وكما يقال «إلى الآن لم يطلع النهار» وبمعرفته قليلاً، فإنني لا افقد الطموح بعودة إلى طريقة معالجة متوازنة للمسائل العالمية من جانب إدارته. ترجمة : باسل أبو حمدة _ عن «كامبيو ـ كولومبيا»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات