مليون دولار لحجب ما وجدت المؤتمرات الصحافية لتوفيره، بقلم: مايكل ولف

السبت 3 صفر 1424 هـ الموافق 5 ابريل 2003 أقحمت نفسي في المركز الصحافي الذي انشيء بتكلفة مليون دولار في القيادة المؤقتة للقيادة الأميركية الوسطى في الدوحة بقطر، حيث يوجد الجنرال تومي فرانكس. ومعسكر السيلية حيث أقيم المركز الآمن، بعيد عن وسط العاصمة القطرية، بحيث يكتسب الموجود هناك إحساساً ما عما كانت عليه قطر منذ جيلين قبل أن تبدأ التنمية في هذه الدولة النفطية الفتية. المشهد أقرب لسطح القمر، ليس هناك من شجرة ولا حتى شجيرة، بالكاد هناك بنية ما لسطح الأرض، مجرد أفق ممتد من الأراضي الكلسية المنبسطة. وفجأة تظهر أمام عينيك القاعدة العسكرية الأميركية ـ أسلاك شائكة تحيط بأرض خلاء مهجورة وخلفها توجد القاعدة. عدم وجود أي غطاء نباتي حول القاعدة لابد وأنه يوفر مستوى أمنيا عاليا، حيث الارض مكشوفة، هذا اضافة لاقصى قدر من الشعور بالخوف الذي يبديه المكلفون بحمايتها واقصى المستويات الامنية التي يقومون بها. القاعدة ملتفة على نفسها، ليست مدافعة انما هي دفاعية، فليس هناك ما يشير إلى حركة ما، لا جنود يستعرضون ويتدربون ولا من يحزنون، مثلما تتوقعه من منشأة حربية وقت حرب، خصوصاً وأن الجميع يعيش مزاجية النصر المؤكد. إدخال واخراج الصحافيين في القاعدة يتضمن اجراءات أمنية شبيهة بتلك المتبعة في السجون: تفتيش لكامل الجسم بأشعة إكس (وإذا ما اشتبهوا بشيء فحينها ستتجرد بالكامل لتفتيش شخصي ثم تأخذك حافلة خدمة لتناور حول متاهة من المطبات الاسمنتية قبل أن تصل إلى مركز إعلام التحالف العتيد. مبنى المركز هو هيكل من الألمنيوم بثلاثة أبواب كبيرة. وفي الداخل تلتف الجدران بورق أبيض لصق على عجل تنعكس منه مصابيح الفلوريسانت. تكييف الهواء قوي وليس هناك فتحات إنارة. فبدا كئيباً. ولهذا فليس من الواضح ما الذي كانوا يريدون من الصحفيين الذين يستضيفونهم على حساب المركز أن ينقلوه للعالم: البلهنية والرفاهية المفرطتين؟ التغطية الإعلامية المفرطة للحرب؟ نعومة جادة ماديسون أفينيو؟ المصاريف التعاقدية المفرطية عادة للعسكر؟ (بحيث تتلاءم منفضة السجائر بقيمة 400 دولار مع المركز المليون دولار). تكلفة المركز التي سمعنا بها اشاعت توقعات بجو كرنفالي، أو حتى بحفلة نصر. ولهذا تثور في النفس مشاعر الصدمة حين تواجه هذه البيئة منخفضة المستوى الوظيفي. لاجو مرح حربي هنا. الصدمة الأخرى هي ما يمثله هذا الهنغار الذي نحن فيه. إذا ما كنت في الدوحة فسيقولون لك إن هذا هو المكان الذي ستقع فيه حرب الخليج الثانية، هذه هي حدودك، أنت محبوس هنا، الحرب هنا تفقد عنصرها الإنسان وتدور تحت التكييف، الحرب هنا لغز، من غير المستغرب هنا أن تنتظر عشرين ساعة ليقول لك أحدهم معلومة. استغرق الأمر 48 ساعة حتى أتيقن من أن المعلومات ربما تكون متوفرة عن هذه الحرب في أي مكان آخر من العالم أكثر مما هي عليه هنا، بل أنك تتأكد أن اصبحت تعرف معلومات أقل مما كانت لديك حين وصلت هنا وإنك أصبحت تفقد إدراكك للصورة العامة للحرب، وفي لحظة ما تصبح لا تعرف شيئاً. ربما تكون هذه خطة مسبقة، بالطبع، فليس هناك سوى نوعين من المراسلين في المواقع المتقدمة: المرافقون الرسميون بالبزات الرسمية على أرض العراق الذين لايعرفون إلى التطورات التي تقع أمام ناظريهم واولئك المراسلون الملحقون بالمراكز الصحفية العسكرية في الكويت وقطر (بقدر قربهم من الجنرال فرانكس المنتصر المفترض وفاتح بغداد مثلما يتوقع)، الذين يعلمون فقط ما يقال لهم. كل هذا تبين أنه لا يساوي شيئاً، فلا يقتصر الأمر على أن الجنرال وأعوانه ومعلقيه العسكريين متكتمون فحسب أو متحفظون في توفير المعلومات، بل تبين أنهم هم لا يعرفون ما هي المعلومات على الأرض، فالمكتب الصحفي لم يوفر لمراسل «نيوزويك» حتى الأسم الأول لأحد الجنرالات، واللازمة التي على فم كل منهم هي «نحن لانتحدث عن العمليات العسكرية، وهو ما يثير السؤال: إذن لماذا هم هنا؟ بعد يومين من بداية الحرب، وقبل تقديم أي إيجاز صحافي، أخذ المتحدث العسكري الأسترالي (الذي نعرفه لاختلاف ألوان بزته العسكرية المموهة قليلاً عن الأميركيين) أخذ الصحافيون الاستراليون لخارج المركز الصحافي ليقدم لهم إيجازاً خاصاً (والذي كان معظم ما قاله لهم فيه إنه لا يستطيع أن يقدم لهم إيجازاً صحافيا لأن الأميركيين لم يقدموا إيجازهم بعد) وهو ما دفع الجميع هنا للاحتشاد حول السور وكأننا في سجن مؤقت ونسترق النظر عبر سور الأسلاك الشائكة على تبادل فعلي للمعلومات. لكن القصة المنكشفة هي، بالطبع، الطرق التي يتم فيها الالتفاف أو تقسيم أو التدخل بقوات التحالف (العسكريون هنا، بهدف معروف، يقولون دوماً تحالف وبالتالي يجد الصحفيون أنفسهم وهم يكررون الكلمة على الرغم من أن هذا ليست تحالفاً) لكننا نعرف هذه المعلومات ليس لأنهم يقولون لنا بل لأننا نستنتجها استنتاجاً: لا أحد يحتفل. وبالطبع فإن القيادة الوسطى تستطيع أن تلتف على هذه الحقيقة وقد فعلت بالفعل بعرضها لحركة تقدم القوات والاصرار على تحقيق انتصارات معينة وتجنب احراجات التوقعات المجهضة. وقد قبلنا هذا منها وعدنا إلى طاولاتنا. النصر مؤكد، لكن بعض الاعتبارات لا تزال معلقة ـ لانزال ننتظره لنؤكده، وإن لم تكن هناك مسيرة هجومية رائعة ومثيرة وانتقامية اليوم (كما في حرب الخليج السابقة)، فإذن، هناك أفضل البدائل، وإلا فنتيجة جيدة (خصوصاً للصحف الأجنبية) وهي اللحظة التي ينعكس فيها المد ـ لنقفز لكن حتى الآن لايزال الأمر هو تخبط محبط. في اليوم السادس من الحرب ثارت الشائعات بين الجميع عن أن تلفزيون أي بي سي ومراسله جورج ستيفا نوبولوس، وهو أبرز الوجوه الإعلامية هنا إلى جانب حوالي 20 من مساعديه يغادرون (بعد أن كان مساعدوه 50 في السابق). بانعدام المعلومات، أصبحت الطبقية السلطوية عبارة أكثر رواجاً هنا، وهذا يعود في وجه منه لكون تلك قضية حربية أميركية من العيار الثقيل، فالأميركيون مهيمنون، غير أن جزءاً لا بأس به من الاعلاميين هنا ليسوا أميركيين، ومعظم هؤلاء أرجعوا إلى الغرفة الأمامية ذات الكراسي غير محددة شاغريها. وهناك ثلاثة صفوف من الطاولات حولها كراسي وفوقها مآخذ للكهرباء والانترنت. وكل كرسي يحظى من صاحبه بحماية شرسة مريرة. وهناك مستوى ثالث أيضاً من الناس هنا ـ المراسلون بدون مكان على الطاولات والذين يتصارعون من اجل كرسي تحت مرأى مجموعة من المراقبين. انه احساس بالقمار غير الرسمي. بل اكثر من ذلك: اشبه بمعرض تجاري. حيث تشهد يباسة الرأس والعصبية والافواه الناشفة «في كل يوم يأتون بكومة ضخمة من صناديق المياه المعبأة» والحسد للمحظوظين ذوي الفسحة الأكبر من فسحتك. خلف القاعة الامامية هناك ثلاثة صفوف من الغرف الخاصة التي تحصل عليها بمزيج من النفوذ «ان تكون من شبكة تلفزيونية كبيرة أو ان تكون من الواقفين في الطابور منذ زمن ـ هناك مراسلون ينتظرون هنا منذ شهر واكثر بداية الحرب او ان تكون مراوغاً» اضافة لألف دولار مقابل كل خط هاتفي. وقبالة الجدار البعيد «حسب طريقة التحالف لأنه هناك توجد مكاتب البريطانيين والاستراليين» مكتب الجزيرة، الذي يحظى بمكانة خاصة واضحة وان لم يعترفوا بذلك. وأخيراً هناك المعركة الكبرى: أي معتد في الصفوف الثلاثة الأولى سيخصص لمن في قاعة الايجازات الصحفية ـ تلك القاعة التي انفق عليها 225 الف دولار لبناء منصتها. وهنا أيضاً تصبح اليد العليا للجزيرة ولمراسلي الشركات الاعلامية الأميركية الكبرى ـ على الرغم من ان مراسل مجلة «الميكانيكا الشعبية» اصر على ان لديه 10 ملايين قاريء وحصل فعلاً على كرسي. أهمية الصف الأول لاتقتصر فحسب على زيادة فرص الطلب منك بطرح سؤالك «وقد قال لي مراسل كندي بجانبي: «سأشعل النار في مقعدي لو لم اظهر على التلفزيون وانا اطرح سؤالاً» بل لانك لن تضطر للقدوم إلى القاعة قبل ساعتين من الموعد حتى تحظى لنفسك بكرسي حيث يكون التكييف في أفضل احواله في الامام. اذن هذه هي مهمتنا الحقيقية: ليست تغطية أخبار الحرب، بل تغطية اخبار المؤتمر الصحافي حول الحرب. ربما كان هذا مفعول شوارزكوف، فقد كان القائد العسكري للتحالف في حرب الخليج السابقة نجماً تلفزيونياً. ولا يمكن انكار مفعول شوارزكوف في جذب كل هذا الحشد إلى المركز هنا. وبالفعل فإن محترفي التغطية التلفزيونية «إن. بي. سي» ومراسلها المرافق للقوات، هو الذي يقدم الايجازات» هم الذين اقترحوا وضع صف من سبعة شاشات بلازما تلفزيونية ـ هناك أربعة الآن فقط ـ لجعل المنظر شبيهاً ببرنامج من سيربح المليون؟ لكن الامر كان له اثر عكسي في الحقيقة. فإما ان يكون فرانكس غير مهتم بكل هذه البهرجة ولأسباب سياسية معروفة ربما لا يريد ان يعين جنرالاً اخر يخطف الاضواء وهذا ما يجعله يغير من يقدمون الايجازات بشكل دوري. او كما هو محتمل على الاغلب ان وزير الدفاع دونالد رامسفيلد قرر ان يحيط نفسه هو بهالة النجومية وبالتالي اصدر اوامره بعدم جعل الايجازات استعراضات شخصية. وبالفعل فإن معظم الاخبار التي كشفتها القيادة الوسطى كانت تظهر من البنتاغون أولاً. ومع ذلك، لا أحد يمل. فالايجاز الصحفي هو الحدث اليومي الاعلامي الأهم في القيادة الوسطى. وتجد كل محرر يخرج من المؤتمر الصحفي بملف يومي. وتجد مراسلي التلفزيون يحضرون كادر الصورة «بعد مهلة من دقيقتين فقط، فتجد المراسلين وهم يقفون في مقدمة القاعة أمام المتطاولين ويحاولون القاء اسئلتهم مدعين بأن لهم معلومات حصرية وحتى حساسة». وهنا تبرز الاجواء المسرحية الاستعراضية المعتدلة. ففي كل ايجاز صحفي يخرج مراسل تلفزيون أبوظبي، الذي أصبح الجميع هنا يلقبونه السيد أكاذيب، وينجح في طرح السؤال: «هل تمارسون استراتيجية الأكاذيب والخداع أم انكم قد وقعتم في فخ الجيش العراقي»؟. وهناك منافسة بين السائلين عمن يسبق لطرح سؤال أسلحة الدمار الشامل: هل عثرتم على أي أسلحة دمار شامل أثناء تقدمكم؟ غير أن أحداً لا يتوقع اسئلة جوهرية واجوبة حقيقية. «أنا لن اسأل سؤالا احتاج فعلاً الاجابة عليه» كما قال لي احدهم. ان السبب الحقيقي لوجود هؤلاء هنا ـ إلى جانب كون التلفزيون موجود في كل مكان ـ هو مزاجية الوجود فقط، حميميته. والقضية الفعلية هي ان كان فرانكس الحذر أو ابيزيد الجاد أو رينوار الودود سيكشفون ولو عن شيء صغير. «هناك أيضاً الجنرال بروكس الذي يستعرض صور الفيديو التي لا معنى لها نهائياً ثم يبقى منتصباً على المنصة». اننا ننتظر بصبر. وقد قال الجنرال رينوار في أحد اجوبته بشكل يعكس سياسة البنتاغون الفعلية ان «الاعلام هو الحقيقة» كل شيء يظهر هنا هو مسبق الصنع: هذا تحالف عريض، النصر مؤكد، الأمر ليس مسألة شخص واحد، سنجد أسلحة الدمار الشامل. بشكل منحرف في حربنا المنحرفة في اعلامنا المنحرف، أصبح من يقدمون الايجازات الصحافية هنا بديلاً للجنود انفسهم. فهم يتعرضون لنيران متفرقة هنا ويواجهون عداوات من نوع ما ويتعرضون لجيوب مقاومة لكنهم يبقون متكتمين. حتى المتحدثين الميدانيين الذين يتحدثون مباشرة عقب معركة يكونون متكتمين. ربما كل من يعمل في الاعلام تدرب على الاعلام. وربما هذه هي القصة. فالتدريب والتقنية المؤهلة والمراكز الاعلامية بملايين الدولارات تجعلك تبقي عينيك على المهمة دون كلل. وهذا ما يحدث في معركة بغداد وهذا الحشد المحترف. لكن الاحساس هنا ـ وليس هو بسبب صغير يجعل مئات المراسلين مرابطين في هذا المكان ـ هو ان هناك قدراً كبيراً جداً من التحكم والتخطيط والثقة لعدم اعطاء شيء في مكان انشيء لاعطائه. ترجمة: جلال الخليل عن «ميديا ـ جارديان»

طباعة Email