كتاب، التكريس ... قصة رئيس ، الحلقة الرابعة، تأليف: نيكولا دوميناك وموريس سازان، عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

السبت 3 صفر 1424 هـ الموافق 5 ابريل 2003 قبل فترة تعدّ بالأشهر، وليس بالسنوات، كانت أغلبية المحللين والمراقبين السياسيين الفرنسيين ترى ان المغامرة السياسية لجاك شيراك على وشك ان تصل الى نهايتها، لكنه ها هو يبدو اليوم أحد أكثر رؤساء الجمهورية الفرنسيين قوة وسلطة، إذ منذ عهد الجنرال شارل ديغول لم يلعب أحد دوراً حاسماً مثل الدور الذي لعبه على المسرح الدولي، بل لقد بدا بمثابة الرئيس الوحيد في العالم الذي استطاع أن يحتج ويعارض بالقوة والحزم ذاتهما إرادة القوة الأميركية الجبارة. لقد عرف جاك شيراك كيف ينتفض باستمرار من «رماده» ويعود أكثر قوة وأشد بأساً في وجه خصومه. هنا نلقي نظرة على محاولة المؤلفين الكشف عن الطبيعة الحقيقية للرئيس الفرنسي وأسرارها. في 5 مايو 2002 وقبل دقائق قليلة من توجه الرئيس جاك شيراك الى ساحة الجمهورية في قلب العاصمة الفرنسية باريس للإعراب عن شكره لعشرات الالوف من الفرنسيين الذين كانوا قد تجمعوا في ذلك الميدان بعد الاعلان مباشرة عن نتائج الانتخابات الرئاسية وفوزه بها، التفت نحو زوجته برناديت وقال لها: «شكراً برناديت فقد كسبت بفضلك نصف نقطة» ثم طبع قبلة على وجنتها. لكنها بدت مقطبة الجبين، فهي لم تكن وراء نصف نقطة فقط وانما وقفت وراء ما يتراوح 2% الى 3% من الذين اقترعوا لصالح زوجها، اي ان مشاركتها كانت «حاسمة، وبالتالي تكون «الملكة» هي التي ساهمت في «تتويج الملك» هذه المرة. وقد قالت الزوجة بعبارة لطيفة ان الكلمات القليلة التي قالها تمثل جهدا استثنائيا لانه «ليس اختصاصيا في تبادل التهاني الزوجية» ولانه اعترف بأن زوجته قد ساهمت في نجاحه» وذلك مهما كانت مساهمتها متواضعة، هذا مع ان شكره لها يعني انها قد لعبت دورا كبيرا اذ انه لم يفعل الشيء نفسه عند فوزه في انتخابات عام 1995، وانما اكتفى آنذاك بأن تجلس الى جانبه عندما تم الاعلان التلفزيوني عن النتائج. لقد كانت الى جانبه كما فعلت في الواقع منذ ثلاثة عقود لحياتهما السياسية «المشتركة» لكنها لم تكتف في انتخابات 2002 بالجلوس الى جانبه، بل كانت عنصرا فاعلا في معركته الانتخابية والى حد ما وراء انتخابه. او هي على الاقل تعتقد ذلك بكل ثقة. وقد وقفت معه ضد جميع خصومه في معسكر اليسار، ولكن ايضا في معسكر اليمين، وضد النخب ذات الميول اليسارية. المواجهة ان هذه المرأة ذات الاصول الغنية الميسورة، اصبحت مقاتلة لا تمل ولا تكل، ولا تهاب امام المصاعب، واثبتت انها ليست مجرد زوجة «الرئيس» او «السيدة الاولى» بحكم موقعه الرئاسي، وانما هي ايضا تمتلك «شرعيتها» عبر خوض المعركة الانتخابية، انها لم تعد تلك الابنة المدللة التي انصبت اهتماماتها الاولى في طفولتها وسنوات شبابها الاولى على تعلم العزف على البيانو، لكن تحولت شيئا فشيئا الى امرأة تحمل روحا قتالية، ورأت انه عليها هي ايضا ان «تواجه» سيلفيان جوسبان زوجة الرجل الذي كان يفترض لزوجها ان ينافسه في الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية كما تشير جميع الدلائل آنذاك، هذا على الرغم من اعلانها صراحة لـ «اعجابها» بها، حيث كتبت عنها: «انها امرأة جميلة جدا، طويلة، ونحيفة، وانيقة» اي انها عددت جميع الصفات التي تعتقد بأنها «تنقصها». وترددت فكرة مفادها ان زوجة «جوسبان» تبدو انيقة وجميلة مهما كانت ألوان الثياب التي ترتديها، او اذا كانت من «الجينز» او من الفراء» في الوقت الذي لم يستطع «ديور» او «شانيل» او «ايف سان لوران» ان يسدوا هذه الثغرة بالنسبة لبرناديت شيراك، بل ووصل الامر بزوجها نفسه ان يصفها ذات يوم بـ «البطريق» على سبيل الدعابة ولا يزال الكثيرون يذكرون دعابة أيضا تقول: «ماذا تصنع برناديت شيراك بثيابها القديمة؟ انها ترتديها» وقد قالت الابنة كلود شيراك اكثر من مرة بأن امها «توحي بصورة جيدة» بينما تعرف «سيلفيان» جيدا كيف تصعد بثقة كبيرة بالنفس درجات البناء الذي يضم الاحتفال ببدء مهرجان كان السينمائي بثوب من تصميم ثورنتي باختصار تبدو سيلفيان من الصنف الراقي ولكنه ليس صنف اغلبية النساء الفرنسيات. ولم تكن المظاهر وحدها هي التي تبرز الفوارق بين برناديت شيراك وسيلفيان جوسبان، وانما ايضا بعض الطبائع الخاصة بالمزاج الشخصي لكل منهما، اذ تتصف زوجة رئيس الوزراء الفرنسي السابق بروح المرح والحرارة في التعامل مع الآخرين، بينما تميل برناديت الى الجدية المفرطة والبرودة ومن طبيعة سيلفيان ميلها للمسرح بينما كانت برناديت قد عاشت في ظل اجواء الحرب، اذ كان والدها قد تعرض للسجن عام 1939 وغاب عن المنزل لفترة طويلة، مما ولد لدى الاطفال نوعا من القلق.القلق حيال الغد، والقصف ايضا حيال الاهل والاقرباء ، وما يترتب على هذا من تأثيرات عامة على الشخصية كلها، وعلى النظرة للحياة برمتها. بالمقابل لا يبدو الرئيس جاك شيراك من النوع الذي يفضي روح المرح على العلاقة الاسرية، او الذي يهنيء زوجته على صحن الطعام الجيد الذي حضرته، بل كان كثيراً ما يذكرها بأنها تتحرك ببطء السلحفاة، وانه كان من حسن خطها انها قد تزوجته، ويقول لها عندما تشكو من كثرة اشغالها: «حسنا فهذا يجنبك ان تصحبي امرأة غير مفيدة».ان الرئيس جاك شيراك لا يخجل بالمقابل في ان يوزع تعاطفه وحنانه على فرنسا والعالم اجمع، وعلى السيدات، ولكن قليلا ما يفعل ذلك بالنسبة لزوجته التي عمدها مع ذلك بلقب «غزالتي» بينما يدعو ليونيل جوسبان زوجته بـ «جميلتي».وفي الكثير من المرات اظهر الرئيس شيراك غضبه علنا بسبب تأخر برناديت، او بأن تكون سببا في التأخر، عن موعد، ومن المألوف ان يردد على مسامعها قوله: «انتبهي، فاننا سنتأخر مرة اخرى، هذا غير معقول» اما جوسبان فانه يعترض هو الآخر على «تأخر» زوجته ولكن بلطف فهو مأخوذ قبل كل شيء بجمالها لا سيما وانه لم يكن دائما دون جوان لا تمكن مقاومته. لكن مثل هذه الاشياء الصغيرة لا تعني في الواقع ان هذين الزوجين اكثر نجاحا من الزوجين الآخرين، ذلك ان حقيقة التلاحم داخل الاسرة تتمثل في الاستمرارية الزمنية اساسا، ولا شك بأن زواج برناديت قد قاوم رقابة الزمن، واذا كانت سيلفيان فيلسوفة تعرف كيف تتحدث بشكل جميل عن جميع اشياء الحياة اليومية، كما عبرت برناديت شيراك نفسها، فان هذه الاخيرة تحب الكتب ايضا وتكن اعجابا كبيرا بالكتاب والادباء، الا ان ذهنها يتجه بالاحرى نحو الاهتمام بآليات السلطة، وتتمثل موهبتها في معرفتها كيف تنحني امام الذكاء والثقافة وقد اولت اهتمامها منذ ان كانت طالبة بزملائها اللامعين، وهكذا استطاع زوجها المقبل جاك شيراك عندما كانا طالبين معا في كلية العلوم السياسية بباريس ان يجذب انتباهها، لانه كان يحصل على درجات افضل منها على الرغم من انها هي التي كانت تعيره مذكرات الدروس، وكانت اكثر مواظبة منه على الدراسة، لكن اعجباها كان يذهب ايضا باتجاه النساء اللواتي يبرزن في ميادين تجريدية، مثل الفلسفة، لانها كانت تحس بتواضع امكانياتها في هذه الميادين، وعندما تلتقي موهبة الذكاء عند امرأة مع الثقافة والجمال فان برناديت شيراك لا تتردد في ان تبدي اعجابها من دون ان يخامرها اي احساس بالغيرة، وبهذا المعنى كانت دوافعها للتأكيد على حقوق المرأة انما هي دوافع حقيقية، وليست التظاهر فقط. ولهذا كانت تحيي باستمرار اللواتي يناضلن من اجل الصعود نحو القمة، ولعل مثل هذا الموقف لم يكن بعيدا عن واقع ما كانت قد عاشته في جو يتم التأكيد فيه على تفوق الرجل، أكان ذلك في محيط اسرتها او داخل العلاقة الزوجية، ان تجربتها هذه جعلتها تدرك مدى الصعوبة التي تتم مواجهتها عند محاولة الصعود نحو القمة، اذا كانت امرأة هي التي تقوم بمثل هذه المحاولة. ان زوجة الرئيس تؤكد على مدى جسامة التضحيات التي يقدمها الجنس اللطيف، وكانت هي نفسها قد ضحت كثيرا من اجل زوجها، جاك شيراك، ومن اجل اطفالها، وتخلت عن متابعة الدراسة للحصول على الاجازة الجامعية في العلوم السياسية وعن الدراسات العليا كلها، كما تخلت ايضا عن العمل كانت تلك هي اخلاقيات جيلها. بالمقابل كانت سيلفيان جوسبان تنتمي الى الجيل اللاحق الذي نال قدراً اكبر من الاستقلال الذاتي واستطاعت بكل تصميم وعناد ان تحصل على شهادة التأهيل «جريفاسيون» في مادة الفلسفة، اي اعلى شهادة تعليمية، وذات يوم علقت برناديت شيراك على الجيل الجديد من النساء بالقول: ان نساء اليوم عندما يتمتعن بكفاءات علمية ومهنية، ويكن محاربات يصعب عليهن ان يعرقلن حياتهن بزوج، لكن برناديت لاتأسف ابدا بالمقابل على اي شيء في مسيرة حياتها، بل انها دافعت وتدافع باستمرار، عن الزواج وخلية الاسرة والقيم التقليدية، لكن من دون ان ينقص احترامها بالنسبة للواتي يصررن على التحرر، وبهذا المعنى فهي تكن الاحترام لسيلفيان جوسبان، ولكن من دون ان تتصور لحظة واحدة انه كان يمكنها ان تكون مثلها. خصومة لكن احترام برناديت شيراك لسيلفيان جوسبان لا يلغي واقع انها زوجة خصم زوجها، وبالتالي هي نفسها في موقع الخصومة معها، بمعنى ما، ومنذ عام 1997، عندما اتخذ الرئيس جاك شيراك قرار حل الجمعية الوطنية الفرنسية اليمينية وفشل معسكره في الحصول على الاغلبية من جديد، ادركت السيدة شيراك، بأن هناك «مواجهة قادمة» لابد لها من التحضير لها، رغم انها لم تكن موافقة على قرار الحل. وكانت تلك المواجهة «تعني ايضا بأنها تريد ان تأخذ بالثأر من كل اولئك الذين لم يعطوا الرئيس القيمة التي يستحقها، بمن فيهم «زوجها الرئيس شيراك نفسه، هذا على الرغم من انها لا تحب لفظة «الثأر» لا سيما عندما تكون قائمة على اساس فردي، وهي المرأة ذات الميول الديغولية بحكم جوها الاسري، قبل وبعد زواجها، والتي تعودت دائما ان تكون معاركها من اجل فرنسا. بعد الانتخابات الرئاسية لعام 1995 والتي فاز بها الرئيس جاك شيراك واجهت برناديت شيراك الكثير من الاهمال والتهميش من قبل الرئيس ومستشاريه بمن فيهم ابنتها كلود شيراك، واصبحت مهامها ذات طابع خيري مثل زيارة الاطفال المرضى في المستشفيات، بل وطلب منها، بصيغة رجاء، عدم البروز كثيرا في احتفالات قصر الاليزيه، الى درجة ان المستشار الاعلامي في رئاسة الجمهورية جاك بيلان طلب منها عدم الحضور اثناء الغداء الرئاسي المكرس للشباب بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني الفرنسي وقال لها «لا شك بأنك تفهمين بن حضورك سيجعل الاحتفال يبدو وكأنه لقاء بين الاب والام واولادهما، انها لم تفهم ذلك ولم تقبله ابدا، مع ذلك تم استبعادها من بعض الرحلات الرسمية للرئيس أو من بعض الصور. «السيدة شيراك» في قصر الاليزيه اصبحت هي «كلود شيراك»، الابنة التي لم تعد تفارق اباها مما دفع الأم الى المطالبة بابتعادها قليلا، اذ انها لم تعد في سن يسمح لها بالتعلق بسترة ابيها، وانه عليها ان تفكر الآن بحياتها كامرأة مستقلة عن الاسرة، مع هذا اصبحت كلود المستشارة والابنة شديدة الالتصاق بالرئيس الاب بحيث ان العديد من المراقبين اعتبروا انه ليس هناك من استطاع ان يمارس نفوذا على الرئيس شيراك اكثر من ابنته كلود، باستثناء شخص واحد هو والده، ابيل شيراك، ولقد اصبحت كلود تشرف على جميع تفاصيل حياته اليومية. ان مشاغل الحياة ومهمات الوظيفة الرئاسية اخذت كل وقت الرئيس جاك شيراك الى درجة انه نسي الى حد كبير الاهتمام بزوجته، برناديت، التي تجرأت ذات يوم على التساؤل عما اذا كان الرئيس «أرمل»؟ بل وطالبت وزير الاشغال العامة والمواصلات جان كلوغيسو بأن يخاطبها باعتبارها المستشارة العامة لمنطقة الكوريز حيث كان قد تم انتخابها هناك لهذا المنصب. امام مثل هذه الحالة قررت برناديت شيراك ان تبين للجميع بأنها سليلة اسرة شودرون دي كورسيل النبيلة وبأنها لن ترفع رايات الاستسلام بسهولة، وهي ايضا التي كانت قد عرفت كيف تتصدى لجميع منافساتها اللواتي كن يجرين وراء جاك شيراك الشاب الوسيم عندما كان في كلية العلوم السياسية، وبالتالي لم تكن ترى في واقع الامر في سيلفيان جوسبان التي وصلت الى معترك السياسة متأخرة خصما قادرا على المجابهة. باختصار، قررت ان تكون بمثابة محرك الانتصار في معركة زوجها الانتخابية لذلك قررت ان تفرض نفسها على الجميع في فترة ما قبل الحملة الانتخابية. السقوط وفي المواجهة مع سيلفيان جوسبان كان لابد ان تسقط احداههما في ساحة المعركة، وكانت سيلفيان هي التي عرفت هذا المصير، اذ نجحت «برناديت» في السيطرة عليها تماما. وكانت نقطة ضعف وعقدة زوجة رئيس الوزراء تتمثل في احساسها بتفوق غير واع هذا ما استشفته زوجة الرئيس من خلال بعض المواقف وبعض الكلمات التي كانت توجهها لها وهي تبتسم مجاملة، مثل تهنئتها على الانسجام الكبير في باقات الزهور او في تصفيف الارائك اثناء حفلات الاستقبال التي كانت تقام في قصر الاليزيه وكأن برناديت شيراك ليست اكثر من ربة منزل، هذا مع العلم بأن المقربين منها يؤكدون انها تتمتع بصفات عميقة «عميقة جدا» من الكرم وحب الآخرين، ولكن تحت غطاء مزاجها الجاف والجارح احيانا، لقد استهان الكثيرون بها، وهذا ما ردت عليه بالقول: «ان الناس لا يحذرون أبداً بما يكفي من النساء الطيبات». وعلى اولئك المثقفين من ا مثال فرانسواز جيرو المناضلة المعروفة في صفوف حركات المرأة والصحفية الشهيرة والوزيرة في ظل الرئيس فاليري جيسكار ديستان التي حيت ذات يوم قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2002 امكانية ان تصل اخيرا امرأة مثقفة الى قصر الاليزيه باشارة الى سيلفيان جوسبان، وردت برناديت شيراك بأنها «مجرد عاملة من القاعدة» لكنها عاملة كان لها دائما مواقف من الحياة ومن السياسة وهي التي كانت قد قالت ذات يوم من على منبر كلية العلوم السياسية وامام حشد من الطلبة: «ان اوروبا لاتعنيني كثيرا» و«لاتعنيني ايضا مسألة التفاهم مع المانيا» ضجت القاعة ومال استاذها باتجاهها كي يحذرها قائلا: «انتبهي هناك طلبة فرنسيون ـ المانيون» فما كان منها الا ان اردفت باصرار: «انني اقول ما افكر به .. واذا كنت احب اوروبا فهذا يعود الى كون ان فرنسا هي التي تلعب الدور المسيطر فيها» لقد بهرت صراحتها القاعة، وحازت على اعجاب الجميع. وكانت برناديت شيراك بعد فترة وجيزة من زواجها قد رفضت ذات يوم ان تساهم في اعداد السندويتشات مع باقي نساء المرشحين الآخرين في منطقة كوريز حيث كان زوجها مرشحا كي يصبح نائبا في الجمعية الوطنية الفرنسية وقالت: «ان السياسة ليست مدرجة في عقد الزواج» وكانت تحلم عندما تزوجت بأن تصبح زوجة لموظف كبير وكان جاك قد وعدها بذلك اذا تخرج بنجاح من المدرسة الوطنية العليا للادارة لكنه عندما حصل على ذلك انطلق بقوة نحو العمل السياسي والحملات الانتخابية، وقد سارت برناديت في خطاه، اذ كان ينبغي التمسك به او القفز من النافذة، كما قالت، وبالطبع اختارت التمسك به. ومنذ عام 1967 بدأت تتأبط طفلتيها تحت ذراعيها لتركب القطارات وتمارس دور زوجة المرشح جاك شيراك وقد كانت اسفارها الاولى الى منطقة الكوريز وحيث القاعدة السائدة هي: الرجل في الامام والمرأة في الخلف»؟ «السيد وخادمته» هذا لا سيما وان جاك شيراك كان ولدا وحيدا مدللا من امه ووسيما كممثلي السينما، هكذا امضت برناديت ثلاثين عاما وهو تحضر باستمرار حقائب السفر، لكن كان هدفها واضحا باستمرار، وهو ان تبقى موجودة ولو كانت وراء زوجها، والافضل الى جانبه. المعترك لقد قررت برناديت ان تدخل واقعيا معترك العمل السياسي عبر ترشيحها اولا الى الانتخابات المحلية في منطقة الكوريز واصبح لها هي نفسها اسم خاص بها، لكن الساعة الحاسمة بالنسبة لدورها السياسي دقت في منتصف عام 1997 بعد الفشل الانتخابي الذريع الذي مني به معسكر اليمين الفرنسي بعد قرار الرئيس جاك شيراك حل الجمعية الوطنية الفرنسية وعشية تلك الكارثة الانتخابية و «العائلية» فهمت ان معركة الانتخابات الرئاسية لعام 2002 ينبغي ان يتم تحضيرها منذ اللحظة وانها كانت فرصتها، فزوجها منهك وكذلك ابنتها كلود، واليمين على الارض، اي كان ينبغي الانطلاق من الصفر من جديد، شريطة ان لا يعترض طريقها الزوج او الابنة، وقد بدأت نشاطها الاجتماعي بزيارة المستشفيات والاهتمام بكل اولئك البؤساء الذين لا يهتم بهم احد وامضت وقتا طويلا في الاستماع الى اولئك المتألمين والذين لا يستمع لهم احد. وفي المحصلة اعطتها نشاطاتها الكثير من احترام الفرنسيين لها، ثم بدأت تطرح رأيها شيئا فشيئا في الامور السياسية مثل التأكيد بأن «تقليص ساعات العمل الاسبوعي الى 35 ساعة ليس امرا جيدا» بل واصبحت تقدم للرئيس نصائحها بشأن اختيار الاشخاص الذين يعملون في قصر الاليزيه. لقد ظل الرئيس جاك شيراك مترددا في اعطاء الضوء الاخضر كاملا لزوجته كي تفعل ما تراه مناسبا، لكن تردده تراجع امام نصائح صديقه جيروم مونو ووزير ثقافته آنذاك جاك توبون اللذين قالا له: «جاك، ينبغي الاستفادة من برناديت، اذ بامكانها ان تكسب ما بين نقطتين الى ثلاث نقاط اضافية» لكن برناديت لم تنتظر طويلا، ان «السلحفاة» قد انطلقت بقوة .. وكان المرشحون في الانتخابات البلدية لعام 2001 يرفضون ان يأتي الزعماء السياسيون الوطنيون لدعمهم ويطالبون بأن تأتي زوجة الرئيس التي كانت لا تكل ولا تمل في الترديد امام مسامع الجميع: «لقد دلت تجربة زوجي التي عاصرتها وكنت شاهدة عليها بأنه ينبغي ان تقاتلوا وتقاتلوا وتقاتلوا حتى الدقيقة الاخيرة، وابحثوا عن الاصوات، اصوات الناخبين، بأسنانكم». هكذا بدا النجاح في الانتخابات البلدية بمثابة نجاح لها هكذا ايضا بدأت الصحافة تهتم بها وتسعى للحصول على تصريحات منها، الامر الذي ارضى شيراك واثار اهتمامه هو ايضا ليؤكد بأنها «تقوم بعمل جيد» صحيح له مفهومه لتراتبية علاقة الرجل والمرأة ولكنه، وبعين الخبير الانتخابي، لاحظ بأن المرشحين الذين دعمتهم قد فازوا في الانتخابات التي كانوا يخوضونها، كذلك صرحت ابنتها: كلود قائلة: «ان والدتي تفعل ما تشاء» وبدا انه ليس هناك ما كان يمكن، او من كان يمكن، ان يوقفها. ضمن هذا السياق، تم نشر كتاب «الحوارات» التي اجراها معها «باتريك دو كاروليس» مدير فيغارو ماجازين». ولم تقبل سوى تعديل واحد تلبية لرغبة زوجها وهو تغيير العنوان الذي كان في البداية: «اعترافات سلحفاة» وبكل الاحوال ضمنت «برناديت شيراك» هذا الكتاب الكثير من اعترافاتها وبقدر كبير من الحرية «غير المعتادة» خاصة عندما تحدثت عن «التضحيات» التي قدمتها من اجل نجاح المسيرة السياسية لزوجها كما «تتطلب واجبات امرأة من محيطها في هذا القرن» كذلك تطرقت في هذا الكتاب ايضا الى المأساة الداخلية التي تعيشها امام المرض الخطير الذي كابدته ابنتها، لورنس، التي لا تستطيع تناول الطعام، انه يأس الأم وعجزها عندما لا تستطيع تقديم يد العون لاطفالها، وتحدثت برناديت شيراك بحرية ايضا عن «انجذاب الفتيات لزوجها مثل الفراشات»؟ الامر الذي تحملته كما تقتضي التقاليد العائلية واخلاقيات الحقبة ومفهومها الشخصي عن الالتزام وقناعتها بأن الزواج يقتضي الصبر والحكمة والشجاعة والحب بل والكثير من الحب. لقد حقق كتاب «الحوارات» نجاحا كبيرا واحتل المرتبة الاولى في قائمة الكتب الاكثر مبيعا في فرنسا لاسابيع عديدة بل ولاشهر عديدة، لقد بلغت مبيعاته اربعمئة الف نسخة ودل استطلاع للرأي بأن 72% من الفرنسيين «يؤيدون العمل الذي تقوم به» كانت برناديت شيراك تطمح في الوصول الى جذب الشعب نحوها، لكن في الواقع، ان الشعب هو الذي جاء اليها، وهكذا ساهمت الى حد كبير في فوز الرئيس الزوج في الانتخابات الرئاسية لعام 2002 ليصبح رئيسا للجمهورية الفرنسية للمرة الثانية ولخمس سنوات لاحقة، وذلك بعد ان كان قد عمل هو نفسه على تقليل مدة الرئاسة الى خمس سنوات بدلا من سبع وهكذا ايضا انتصرت برناديت شيراك «التقليدية» على سيلفيان جوسبان «التحديثية». ويوم 5 مايو وبعد الاعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية نهض جاك شيراك وانحنى كي يقبل زوجته ثم يشكرها، وهو يقطب الجبين قليلا، لا شك بأنه كان انتصاره ، ولكنه كان انتصارها ايضا.

طباعة Email