العز بن عبد السلام.. وضوح الدليل وقوة البرهان

الجمعة 2 صفر 1424 هـ الموافق 4 ابريل 2003 استوعب كل ما تركه السلف في عالم الكلام.. وشاع ذكر اسمه في كل اقطار المسلمين حيث كان يتحرك في الاسواق ليأمر الناس، بالمعروف وينهى عن المنكر في حكمة وموعظة حسنة إلى جانب تفرغه للعلم والتدريس والافتاء. من أجل ذلك احبه الناس. والفقراء منهم والمظلومون، وخافه الجائرون من الحكام. حاول التحرر من المذاهب الفقهية في عصر شاع فيه التقليد.. استطاع ان يجمع كل وسائل النفوذ وادواته.. فقد كان خطيباً للجامع الاموي ومن اكبر الفقهاء في عصره.. كان يقنع الناس بوضوح الدليل وقوة الحجة والبرهان.. واحتل منصب قاضي القضاء ومن ثم على الناس ورجال الدولة تنفيذ ما يقضي به. ولد العز عز الدين عبدالعزيز بن عبدالسلام في دمشق عام 577 هجرية.. وتوفى في القاهرة عام 660 هجرية.. وما بين التاريخ الأول والاخير رحلة عطاء طويلة قدم فيها للاسلام الكثير من معالم النفع والعطاء. وكان احد الذين حرصوا دوما على نشر الخير وتعليم الناس اصول دينهم.. ورغم غزارة علمه فقد اضحى الكثير من الباحثين يجهلون جوانب مؤثرة في حياته. حيث كان غيوراً على دينه وغاضباً من جور الحكام وظلمهم وكثير الترحال والهجرة الى الله من بغي الحكام. فتح العز بن عبدالسلام عينه وهو صغير على حياة الحرمان، وكان ابوه فقيراً ويجوب الاسواق بحثاً عن عمل.. وحين شب الطفل صحبه ابوه ليساعده في بعض الاعمال الشاقة كاصلاح الطرق واعمال النظافة.. وفي الوقت نفسه كان والده حريصاً على ان يأخذه معه إلى الجامع الاموي اذا حان وقت الصلاة. وهناك رآه احد شيوخ المسجد فأعجب بذكائه ونباهته وسرعة استيعابه للدروس التي كانت تلقى في المسجد.. وعندما مات ابوه فلم يجد في نفسه القوة على القيام بالأعمال الشاقة التي كان يؤديها ابوه.. ولم يجد الصبي مكانا يأوى اليه، فذهب إلى الشيخ الفخر بن عساكر يلتمس عنده المساعدة في الحصول على عمل يقتات منه ومكان يبيت فيه.. وبعد وساطة الشيخ التحق العز بالجامع الاموي ليساعد الكبار في اعمال النظافة وما شابه ذلك، وتم السماح له بالمبيت في المسجد. لكن الفتى اراد حضور دروس الكبار في المسجد الا ان الشيوخ كانوا ينظرون اليه باعتباره حدثاً صغيراً. الأمر الذي اثر في نفسيته. وعندما رآه شيخه بن عساكر وعده ان يتعهده على ان يحضر الحلقات العلمية بعد ان يبلغ الشباب.. ففرح الفتى. من هنا بدأت رحلة العز بن عبدالسلام مع العلم. حيث رأى نفسه طالب علم.. فأقبل في شغف عظيم وحفظ القرآن واتقن القراءة والكتابة.. ومرت اعوام واطمأن الشيخ فخر الدين إلى ان الصبي قد اتقن حفظ القرآن واجادته.. فبشره الشيخ بأنه سوف يلحقه بالطلاب الذين يحضرون حلقته.. واعطاه كتاب «التنبيه» في الفقه للشافعي، واعطاه مهلة اسبوعين ليحسن قراءته واستيعابه.. وبالفعل استطاع العز ان يستوعب الكتاب ويحفظه عن ظهر قلب خلال ثلاثة ايام. وتبناه علمياً ابن عساكر، ونظم له حضور حلقات اخرى في اللغة وآدابها وفي الحديث واصول الفقه، ونصحه ان يتقن علوم اللغة من نحو وصرف وان يحفظ الشعر ويدرسه ليتمكن من فهم نصوص القرآن. وغادر العز بن عبدالسلام دمشق إلى العراق عندما سمع ان هناك شيخاً عنده من علم الحديث ما ليس عند غيره في دمشق. وبعد ان جلس إلى ذلك الرجل العالم وحفظ عنه الحديث عاد مرة اخرى إلى دمشق.. في هذه الاثناء كانت الدولة الاسلامية تمر بفترة مراوحة عصيبة. عقب وفاة صلاح الدين الايوبي. واخذ التتار والصليبيون يراقبون في يقظة كل ما يجرى في دولة صلاح الدين التي بدأت تتحول إلى ضياع يتشاجر حولها الابناء والاشقاء.. فوهنت وتمزقت. فطمع التتار في العراق.. وخطط الصليبيون للاستيلاء على مصر والشام وفلسطين، واضمحلت برقة والجزيرة العربية. وبعد ان ضاقت به دمشق ودخل في مواجهات مع الحكام في دمشق.. شد رحيله إلى مصر، وهناك وجد ترحيباً كبيراً من الحكام والناس. حيث كان صيته الفقهي قد جاوز حدود دمشق والشام ووصل إلى ربوع الحواضر الاسلامية الاخرى. وفي مصر تولى منصب قاضي القضاة.. وعقب فترة من الوقت لاحظ العز ان الامراء في مصر وكذلك قادة الجيش ليسوا من اهلها وليسوا احراراً على الاطلاق، اشتراهم السلطان من بيت المال.. وعندما شبوا وجدوا انفسهم امراء مماليك.. ولهذا فليس لهم ان يتزوجوا بحرائر النساء وليس لهم ان يبيعوا ويشتروا او يتصرفوا الا كما يتصرف العبيد.. فبدأ القاضي العز بن عبدالسلام يطبق عليهم من احكام الشريعة ما يطبق على العبيد وبهت السلطان مما صنعه الشيخ واضطرب الامر في صفوف المماليك.. فقام السلطان بجمع كل الامراء في القلعة بأمر من الشيخ ثم عرضوا في مزاد وغالى الشيخ في ثمنهم حتى اذا امتنع الحاضرون عن المزايدة في الثمن لارتفاعه، تقدم السلطان فدفع ثمناً ازيد من ماله الخاص، حتى اشترى جميع الامراء من المماليك واعتقهم لوجه الله، فأصبحوا أحراراً. وصحح الشيخ عقودهم بما فيهم عقود الزواج، من هنا يتبين لنا كم كان عالمنا حريصاً على اتباع ادق تعاليم الإسلام.. ملحاً في الدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر. ولقد اهتم الشيخ العز بن عبدالسلام بوضع اصول للفقه فألف كتاب قواعد «الاحكام في مصالح الانام» وقد ضمنه كثيراً من القواعد الفقهية. وقال في أوله: «الشريعة كلها اما درء مفاسد او جلب مصالح. فإذا سمعت الله تعالى يقول: يا ايها الذين امنوا فلا تجد الا خيرا يحثك عليه او شرا يزجرك عنه او جمعاً بين الحث والزجر. وقد ابان الله تعالى ما في بعض الاكام من المفاسد فحث على اجتناب المفاسد وما في بعض الاحكام من المصالح فحث على اتيان المصالح، وسمى التصوف علم الحقيقة وهي معرفة احوال الباطن والشريعة تستغرقه لانها تتناول الظاهر والباطن جميعاً» فكل حقيقة لا شريعة لها فهي عاطلة وكل حقيقة لا شريعة لها فهي باطلة». وليست الحقيقة خارجة من الشريعة مليئة باصلاح القلوب بالمعارف والاحوال. فمعرفة احكام الظواهر معرفة لجوهر الشرع ومعرفة احكام البواطن معرفة لبعض الشرع ولا ينكر ذلك كافر أو فاجر. وهكذا احسن التوفيق والمزاوجة بين النصوص والشريعة والتصوف وقال: الشريعة مجاهدة والحقيقة مشاهدة ولا تباين بينهما. اذ ان الطريق إلى الله سبحانه وتعالى لها ظاهر وباطن فظاهرها الشريعة وباطنها الحقيقة.. والحقيقة والشريعة يجمعهما كلمتان هو قوله: «اياك نعبد واياك نستعين» فإياك نعبد شريعة واياك نستعين حقيقة. قال صلى الله عليه وسلم: «العلم علمان علم باللسان وعلم بالقلب». وفرق بين الإسلام والايمان: «فالاسلام هو قيام البدن بوظائف الاحكام، والايمان هو قيام القلب بوظائف الاستسلام والاحسان ان تعبد الله كانما تراه فإن لم تراه فإنه يراك فتكون قائماً بوظائف العبودية مع شهوده اياك. وعلى هذا المنوال جاءت فتاوى العز بن عبدالسلام لتبين الكثير من الأمور التي التبس حولها الأمر، ولتؤكد عظمة وأهمية هذا الرجل في الفقه الإسلامي.

طباعة Email