الرموز الشيفرية على الصواريخ تفضح هوية مرتكبي مجزرة الشعلة، بقلم: روبرت فيسك

الثلاثاء 29 محرم 1424 هـ الموافق 1 ابريل 2003 كانت القطعة المعدنية بارتفاع قدم واحدة فقط، ولكن الارقام الظاهرة عليها تحمل دلائل حول المذبحة الاخيرة في بغداد. لقد بلغت حصيلة القتلى من المدنيين بحلول مساء يوم السبت الماضي 62 مدنيا على الاقل، وكانت الرموز المشفرة على تلك القطعة المعدنية تحتوي على هوية المجرم. ولقد بذل الاميركيون والبريطانيون كل ما في وسعهم للايحاء بأن صاروخا عراقيا مضادا للطائرات هو الذي اوقع اولئك العشرات من القتلى، مضيفين بأنهم «مازالوا يحققون» في المجزرة، ولكن الرموز المشفرة كانت بنمط غربي وليس باللغة العربية كما ان العديد من الناجين سمعوا صوت الطائرات. وفي مستشفى النور كانت هناك مؤخرا مشاهد مروعة للألم والمعاناة.. سائدة جعفر، ابنة العامين كانت ملفوفة بالضمادات وكان هناك انبوب في انفها وآخر في معدتها وكل ما استطعت رؤيته منها هو جبهتها وعينان صغيرتان وذقن صغير والى جوارها كان الدم والذباب يغطيان كومة من الضمادات القديمة والشاش، وفي مكان ليس ببعيد عنها يرقد محمد حميد البالغ من العمر ثلاثة اعوام على سرير قذر بينما كانت الضمادات ملتفة باحكام حول وجهه وبطنه ويديه وقدمية وكانت هناك كتلة كبيرة سوداء من الدم المتخثر تحت سريره. وهذا مستشفى لا يحوي اجهزة كمبيوتر ولا يضم سوى اجهزة بدائية جدا للتصوير بأشعة اكس. ولكن الصاروخ كان موجها بأجهزة الكمبيوتر وتلك الشظية الحيوية من جسم الصاروخ كانت مشفرة بواسطة الكمبويتر ويمكن بسهولة التحقق منه وفحصه من قبل الاميركيين، اذا ما اختاروا القيام بذلك. والرقم المشفر هو 30003 7492 ASB704- والحرف مكشوط ويمكن ان يكون ب ويعتقد بأن هذا هو الرقم التسلسلي للصاروخ ويلي هذا الرقم رمز آخر مشفر يشير اليه مصنعو الاسلحة عادة برقم «قطعة» السلاح وهذا الرقم هو: 9621409MFR. وكانت قطعة المعدن التي تحمل الرموز المشفرة قد اكتشفت بعد دقائق فقط على انفجار الصاروخ مساء يوم الجمعة الماضي، من قبل عجوز يقع منزله على بعد 100 ياردة عن الحفرة التي احدثها الصاروخ والتي يبلغ قطرها ستة اقدام وحتى السلطات العراقية لا تعرف بوجود هذه القطعة وقد رش الصاروخ كتل كبيرة من المعدن على الجماهير ـ المؤلفة بشكل اساسي من النساء والاطفال ـ وعبر الجدران المبنية من الطوب الرخيص للمنازل مؤدية الى بتر الاطراف والرؤوس وصرع ثلاثة اشقاء اكبرهم يبلغ من العمر 21 عاما واصغرهم 12 عاما، على سبيل المثال، داخل غرفة المعيشة في كوخهم المبني من الطوب على الشارع الرئيسي قبالة السوق وعلى بعد منزلين، قتلت شقيقتان بأسلوب مماثل وقال لي دكتور احمد وهو طبيب تخدير في مستشفى النور: «اننا لم نشاهد اي شيء كهذه الجروح من قبل. فهؤلاء الاشخاص قد اخترقت اجسادهم عشرات الشظايا المعدنية» ولقد كان على حق فيما قاله احد الرجال المسنين الذين زرتهم في احد اقسام المستشفى كان يعاني من 24 ثقبا في الجزء الخلفي من ساقيه وعجزه، وبعضها بحجم القطع المعدنية. واظهرت صورة بأشعة اكس سلمت لي من جانب اطبائه بوضوح وجود 35 شظية معدنية على الاقل لاتزال مزروعة بجسده. وعلى غرار مجزرة طريق الشعب التي وقعت يوم الخميس الماضي، عندما قتل 21 مدنيا عراقيا على الاقل او حرقوا حتى الموت بفعل صاروخين اطلقتهما طائرة اميركية ـ فان حي الشعلة هو احد الاحياء الشيعية الفقيرة المؤلف من محلات من طابق واحد للمواد الغذائية مبنية من الحديد المموج والاسمنت ومنازل من الطوب مؤلفة من غرفتين وهؤلاء هم الاشخاص نفسهم الذين توقع السيدان بوش وبلير ان ينتفضوا تمردا على صدام ولكن الغضب في هذه الاحياء الشعبية كان موجها على الاميركيين والبريطانيين يوم امس الاول من قبل العجائز والآباء والاشقاء الذين فقدوا اعزاءهم والذين تحدثوا بدون تردد وبغياب رجالات الحكومة.وصاحت امرأة علي بغضب قائلة: «هذه جريمة نعم، انا اعرف انهم يقولون انهم يستهدفون الجيش ولكن هل ترى جنودا هنا؟ هل ترى صواريخ؟» الجواب ينبغي ان يكون سلبيا، لقد افاد بعض الصحفيين انهم شاهدوا بالفعل صاروخ سكود محمول على شاحنة نقل بالقرب من منطقة الشعب يوم الخميس وكانت هناك مدافع مضادة للطائرات حول الشعلة. وفي لحظة معينة من صباح يوم امس الاول، سمعت صوت طائرة اميركية تحلق بسرعة فوق مسرح الجريمة وشاهدت صاروخ ارض ـ جو كان يطاردها عبثا، وكان اثرها باديا في الاعلى فوق بيوت الحي في السماء الزرقاء. وبدأت بطارية مدفعية مضادة للطائرات ـ مصنعة حوالي العام 1942 ـ تطلق نيرانها في الهواء على بعد بضع مبان عن المكان ولكن حتى لو ان العراقيين يقومون بالفعل بتحريك ذخائرهم الى اماكن قريبة من الاحياء السكانية، فهل ذلك يبرر قيام الاميركيين باطلاق النار على تلك الاحياء المكتظة بالمدنيين وعلى مناطق يعلمون انها تضم شوارع رئيسية واسواق مزدحمة وخلال ساعات النهار؟ لقد نفذ هجوم الاسبوع الماضي على طريق الشعب على شارع رئيسي في وضح النهار واثناء هبوب عاصفة رملية، عندما كان عشرات المدنيين مرشحين للقتل مهما كان الهدف الذي يعتقد الطيار انه يصوب عليه.وقال رجل في منتصف العمر يرتدي نظارات وهو يجلس في الغرفة الخلفية من منزله الاسمنتي: «كان لدي خمسة ابناء والآن لدي اثنان فقط، وكيف لي ان اعرف انهما سيبقيان على قيد الحياة، فأحد ابنائي اصيب في الكلى والقلب وصدره كان مليئا بالشظايا التي دخلت عبر النافذة، والآن كل ما يسعني قوله هو انني حزين لانني مازلت على قيد الحياة» وقاطعة جار له قائلا انه شاهد الطائرة بأم عينه: «شاهدت طرف الطائرة ولاحظت انها غيرت مسارها بعد ان اطلقت الصاروخ». ان مشاهدة الطائرات قد باتت جزءا لا يتجرأ من الحياة في بغداد وللقاريء الذي سأل بصورة ذكية الاسبوع الماضي اذا كنت استطيع ان اشاهد الطائرات الاميركية فوق المدينة بأم عيني، فلابد لي من ان اقول انه في 65 غارة على الاقل قامت بها الطائرات، لم اشاهد طائرة واحدة على الرغم من بصري الحاد. انا اسمعها وبخاصة في الليل ولكنها تحلق بسرعة تفوق سرعة الصوت، واثناء النهار، تكون في العادة فوق سحب الدخان الاسود الذي يغمر المدينة لقد شاهدت مرة واحدة صاروخ كروز، فصواريخ كروز او توماهوك تطير بسرعة 400 ميل في الساعة فقط، ورأيته يمر فوق جادة بالمدينة متوجها الى نهر دجلة، ولكن الدخان الرمادي الذي يتصاعد من المدينة مثل اصابع يد ميتة يكون واضحا تماما الى جانب الهزة التي يحدثها صوت الانفجارات وعندما يكون بالامكان العثور عليها، فان الرموز المشفرة بالكمبيوتر على اجزاء القنابل تكشف عن قصتها كما فعلت بالتأكيد الرموز التي وجدت على صاروخ الشعلة. وطوال صباح امس الاول عاد الاميركيون الى قصف اهداف في محيط بغداد ـ حيث يتم حفر الدفاعات الخارجية للمدينة من قبل الجنود العراقيين ـ وفي الوسط وانفجر صاروخ اطلق من الجو على سطح وزارة الاعلام العراقية مدمرا مجموعة من اطباق التقاط البث التلفزيوني بالاقمار الصناعية وقد تمايلت احدى مباني المكاتب التي كنت اراقب القصف منها لثوان عديدة خلال غارة مطولة وحتى في مستشفى النور، كانت الجدران تهتز بينما كان الناجون من مذبحة السوق يصارعون من اجل البقاء. حسين مناتي البالغ من العمر 52 عاما اكتفى بالتحديق بي، وكان وجهه محفر بالشظايا المعدنية، عندما كانت القنابل تدك المدينة، كان هناك شاب يبلغ من العمر 20 عاما جالسا في السرير المجاور، وكانت ذراعة اليسرى المبتورة ملفوفة بضمادات غارقة بالدم. وقبل 12 ساعة، كانت لديه ذراع يسرى، ويد يسرى واصابع، والآن يستعيد ذكرى ما حدث بوجه خال من التعابير قائلا: كنت في السوق ولم اشعر بشيء، جاء الصاروخ وكنت الى الجهة اليمنى منه ثم جاءت سيارة اسعاف ونقلتني الى المستشفى». وسواء كان مكان البتر قد خدر بفعل المسكنات ام لا، فانه اراد ان يتكلم، وعندما سألته عن اسمه جلس في السرير وصرخ في وجهي» اسمي صدام حسين جاسم». ترجمة: ضرار عمير عن «اندبندنت»

طباعة Email