كتاب ـ مواطنون اختاروا الوطن ـ (4) ـ السرّية والانضباط أبرز أسلحتهم، ثلاثة رجال حملوا مهمة تأميم قناة السويس على كاهلهم

الاربعاء 24 شعبان 1423 هـ الموافق 30 أكتوبر 2002 يتواصل الحوار مع المهندس عزت عادل: ـ كنت واحداً من ثلاثة كلفهم جمال عبدالناصر بالتوجه الى الاسماعيلية قبل قرار التأمين في 26 يوليو 1956، بثلاثة أيام لتنفيذ القرار. لماذا تم اختيارك مع زميليك، ومن هما؟ وماذا كان شعورك حيال هذه المهمة الانتحارية؟ كيف تمت المهمة. ـ حقيقة الاختيار كانت تتلخص في ان المهندس محمود يونس، الذي كان رئيساً لهيئة البترول في مصر وكان قبل ذلك مديرا لمكتب قيادة الثورة الفني، هذا الرجل هو الذي كلفه الرئيس جمال عبدالناصر بتنفيذ قرار التأميم في يوم 23 يوليو 1956، اثناء الاحتفالات بعيد الثورة الرابع، وكان التكليف «شديد السرية».. وكنت ـ أنا ـ وزميلي عبدالحميد أبو بكر وهو الفرد الثالث في المهمة، لم نعلم بهذا التكليف إلا يوم 24 يوليو 1956. لما كلف المهندس محمود يونس بعملية التأميم، طلب من الرئيس جمال عبدالناصر، ان يشرك معه اثنين من معاونيه، انا وعبدالحميد في تجهيز الخطة الكاملة لعملية تنفيذ التأميم، وتجهيز الافراد، ووضع الترتيبات، والتوقيتات وأذكر هنا اننا نحن الثلاثة هنا في هيئة البترول وكنا ضباطا في القوات المسلحة واصلا مهندسين وسأل عبدالناصر، محمود يونس: من هما وبالاسم؟ فقال له: محمد عزت عادل وعبدالحميد ابو بكر، ووافق جمال عبدالناصر على ترشيحي ومعه زميلي عبدالحميد على الا يعلم أحد على الاطلاق غير الثلاثة وقد اتضح بعد ذلك ان بعض الوزراء لم يكونوا يعلمون بقرار التأميم ومن بينهم المشير عبدالحكيم عامر. واود القول ـ بعد توفيق الله ـ إن السرية وحسن الاختيار للمجموعة التي قامت بتنفيذ قرار تأميم القناة والتخطيط الجيد، تصدرا اسباب نجاح عملية التأميم. السرية رقم واحد، اما الاخلاص فيدخل في عملية الاختيار، واستطيع القول، ان هناك حدثا كبيراً حصل، والسرية لها دور كبير فيه ايضا وهو عبور اكتوبر 1973. الحمد لله، عملية التأميم تمت بنجاح يوم 26 يوليو 1956 واعود للسرية فأقول ان المجموعة التي سافرت معنا الى الاسماعيلية لم تكن تدري لماذا هي في طريقها للاسماعيلية وعندما وزعت المجموعات لتتجه الى بورسعيد والسويس، في هذا الوقت ـ فقط ـ علموا لماذا هم في الاسماعيلية، وكان الرئيس عبدالناصر قد اعطى للمهندس محمود يونس «صلاحيات المحافظة على السرية» ولو اقتضى الامر استخدام العنف لان القاعدة البريطانية كانت موجودة في منطقة القناة، وفي ظل هذه الظروف، كانت المفاجأة ضرورية لان السر لو كان عرف لكانت عملية التأميم قد صاحبها الفشل، انما بمجرد أن اذاع جمال عبدالناصر في خطابه بالاسكندرية يوم 26 يوليو قرار التأميم «تؤمم شركة قناة السويس شركة مساهمة مصرية»، وقد ذكر الرئيس في خطابه «والآن اخوة لكم يقومون بتنفيذ قرار تأميم القناة. مباشرة وجدنا التأييد الشعبي الجارف في المنطقة، منطقة قناة السويس التي كانت خير سند، ومؤشراً للقاعدة البريطانية بعدم التدخل، وبهذه الطريقة تمكنت مجموعة التأميم من تنفيذ المهمة التي كلفت بها من دون ان يحدث اشتباك، أو أي معوقات تشوب العملية. القناة واحتلال مصر والتدخل الاجنبي ومعركة 1956، كانت هذه نتائج مباشرة لحفر القناة اي البداية «شرور» و«الوسط» شرور! وان كانت النهاية «خير»، اذن هل لعبت القناة من وجهة نظرك دوراً ايجابياً في هذه المنطقة.. ام كانت وبالا عليها؟ لقد تكلمنا عن الماضي، وعن الشر الذي احدثه حفر القناة، والاطماع الاستعمارية خاصة، من بريطانيا التي كانت تود تأمين مستعمراتها في الشرق فاحتلت مصر، اما في الحاضر فدخل قناة السويس ـ والحمد لله ـ يمثل المصدر الثالث في الاقتصاد القومي المصري خاصة من حيث العملة الاجنبية، وان كانت «السياحة» تنافسه على هذا المركز، ولو نظرنا الى صافي الدخل من العملات الاجنبية فهي تحتل المركز الثالث. وبإذن الله ـ في المستقبل ـ ستظل قناة السويس مصدراً مستمراً للدخل والعملة الأجنبية، وندرس ـ حاليا ـ تطوير القناة، لكي تتمشى مع عصر العملاقات الموجودة في السوق العالمي، والتي ستبني مستقبلا، بحيث تنتقل قناة السويس من «قناة الفارغ» بالنسبة للعملاقات، الى عصر «الناقلات المحملة» بدلا من دورانها حول رأس الرجاء الصالح. حقيقة قناة اسرائيل ـ نشر وروج ان اسرائيل ستحفر قناة، ما مدى صحة هذا القول؟ وهل يمكن ان يؤثر ذلك على الاهمية الاستراتيجية لقناة السويس؟ ـ انا شخصيا لا أعتقد ان الفكرة قد وصلت الى حيز التنفيذ، أو قرب هذا! واود ان اقول بين قوسين اننا هنا في الهيئة «كمجلس ادارة» لنا سلطة تحديد قيمة الرسوم على ضوء حركة الملاحة العالمية. لذلك لو خرجت هذه القناة الاسرائيلية، الى حيز التنفيذ، سوف ننافسها، واعتقد بشدة، اننا في وضع اقوى، لانه علشان اسرائيل تعمل قناة جديدة، سوف تتكلف تكاليف رهيبة خصوصا وان الارض هناك صخرية ومرتفعة، ذلك يصبح على اسرائيل ان تحصد ما أنفقته في حين ان قناة السويس حفرت من 120 سنة. اذن الاستهلاك قليل، لذلك نستطيع المنافسة في السوق، لذلك من يفكر في مثل هذه القناة ـ يقصد اسرائيل ـ عليه ان يحسب حساباته عشر مرات. ونحن ننافس على خطوط الانابيب البترولية، ونحن جاهزون للمنافسة، وعيوننا مفتوحة جدا لمثل هذه المشروعات ليس فقط في القنوات الملاحية، ولكن في الطرق البرية، وللسكك الحديدية، ولطريق القطب الشمالي، ولقناة بنما، وكل ما يؤثر على اقتصاديات النقل في قناة السويس، يجب ان يكون موضع اعتبار، وطالما اننا نحدد رسومنا بطريقة متزنة. تساؤلات استفزازية ـ لدي ثلاثة استفسارات استفزازية: (1) يتردد ان هناك «محظورات «تمر من القناة.. على سبيل المجاملة لدول عظمى؟، (2) نحن الطيبون نتحسر على مرور ناقلات اسرائيلية في القناة!، (3) يشاع ان هيئة القناة تمثل «دولة داخل الدولة»، ماذا تقول؟ ـ (1) فيما يتعلق بالمحظورات فان لائحة قناة السويس تسمح بمرور المواد المشعة في حدود محددة، ونحن نعلم الان التطور التقني في العالم، الذي يصح ان جهاز يتعامل بمواد مشعة، بعد ان نعرف درجة اشعاعه، وبعد الرجوع الى مؤسسة الطاقة الذرية، نسمح له بالمرور اذا كان ليس له تأثير ضار على البيئة في منطقة القناة. اما المحظور مروره فهو السفن المسيرة بالطاقة الذرية، طبقا للائحة الملاحة في القناة، لان مثل هذا النوع، يقتضي استعدادات واحتياطيات كبيرة وطالما انها لا توجد اذن من الصالح عدم جواز مرورها. (2) الجزء الخاص بالسفن الاسرائيلية، نحن نعلم ان اسرائيل لها ميناء على خليج العقبة، ولها موانيء على البحر الابيض، اذن فاسرائيل ـ حقيقة ـ ليست في حاجة الى قناة السويس، لان تجارتها مع الشرق الاقصى تتم عن طريق ميناء إيلات في العقبة، ومع الغرب عن طريق البحر الابيض. اذن من الناحية الفعلية التجارية الاقتصادية السليمة اسرائيل ليست في حاجة الى قناة السويس، انما عندما نقول ان اسرائيل لها مركب يود المرور، فهي بتدفع فلوس مثل اي مركب اخر، بغض النظر عن المضمون النفسي، والموقف السياسي، انا اراها كرجل يعمل في القناة المخصصة للعبور بمقابل! (3) القناة دولة داخل الدولة، هذا الكلام كان صحيحا قبل التأميم، لكنه غير صحيح بعد التأميم قناة السويس لها شخصية اعتبارية، وقانون خاص، وهذان العاملان هما اللذان جعلا قناة السويس «تنجح» هذا القانون يتحمل كافة الالتزامات والمسئوليات. ـ نحن مرفق نتعامل مع الملاحة العالمية، اذن لابد ان نكون قادرين على اخذ القرارات السريعة، لان السوق تتغير، والتطورات العالمية تتم بسرعة، لا استطيع ان اكون مقيدا بالروتين الحكومي المعطل. ذلك ليس معناه اننا دولة داخل الدولة، لانه اذا اخطأنا فاننا «نعلق من اطراف اصابعنا»، ولكن سلطاتنا اذا احسنا استخدامها.. يبقى نجحنا. والعكس طبعا معروف. لكن لا استطيع ان انتظر الروتين المعطل، الذي يضر الصالح، خاصة فيما يتعلق بالقرار السريع، نحن جزء من منطقة القناة، نحن جزء لا يتجزأ من شريحة الشعب المصري في هذه المنطقة، كلنا مصريون، عدد العاملين هنا 25 الف موظف، كلهم مصريون، فكيف نكون دولة داخل الدولة؟ نحن جزء لا يتجزأ من هذه الدولة التي ننتمي اليها. اكتب يازمان! بورسعيد قصيدة عشق في الوطنية. وقصة كفاح على مر الزمن، ومطمع غزاة الغرب، ومحطة القادم والمسافر بوصفها مدينة محاطة بالمياه. ففي الشمال البحر المتوسط، وفي الجنوب الغربي بحيرة المنزلة وفي الوسط تخترقها قناة السويس. والثابت تاريخيا، انه لم يكن في موقع المدينة عند مدخل القناة اي تجمع بشري، بل كانت هناك قرية للصيادين، عند «الجميل» التي تبعد غربا بنحو 8 كيلو مترات، وعلى قرابة 28 كيلو مترا، كانت هناك مدينة ساحلية اندثرت معالمها منذ قرون، كانت تسمى «برامون» اي مدينة الاله «آمون»، ثم اقام اليونانيون ضاحية لهم اسموها «بيلوز». وقد انسحب اسم «بيلوز» على الموقع كله، فسميت منطقة «بيلوز» ومعناها «الطينة» لكثرة الاوحال بها، وهي مواجهة لما يعرف باسم «برمون» أو «برما» ومنها اسماها العرب «الفرماء»، وهي المدينة المعروفة حاليا بـ «تلال الفرما» التي كانت مدخل المسلمين الى مصر. ومن موقع الفرما كمدينة حدودية ساحلية كانت ـ بالتالي ـ مسرحا للعديد من المعارك الحربية والغزوات العسكرية وبالتالي كانت حصنا متقدما للدفاع عن الغزاة، وقد اعيد بناء حصونها عدة مرات، الا انها انتهت على يد الملك «بلدوين الاول» ملك بيت المقدس اثناء غزوات الصليبيين على مصر في العصور الوسطى، وتحديدا في العام 1118م. وبورسعيد اسم مركب من كلمة «بور» ومعناها ميناء وكلمة «سعيد» وهو اسم حاكم مصر وقت منح امتياز حفر قناة السويس، الذي بدأ مع صباح يوم 25 ابريل 1859، عندما رفع العلم المصري على الموقع، حيث القى المهندس الفرنسي ديلسبس كلمة وسط العمال والفنيين من الاجانب والمصريين الذين استجلبوا من قرى دمياط وفارسكور، وكان نحو سبعين عاملا قال فيها: «باسم شركة قناة السويس العالمية البحرية وتنفيذا لقرار مجلس ادارتها نضرب اول معول في هذه الارض لنفتح ابواب الشرق لتجارة الغرب وحضارته عن طريق مدخل الشرق»، ثم امسك بالمعول وضرب به الارض مبتدئا اعمال الحفر، ورحلة النضال للشعب المصري في بورسعيد، التي كتب ابناؤها بعرقهم ودمهم ودموعهم تراجيديا الانسان المصري على شط القناة.والثابت تاريخيا ان الغاء معاهدة 1936، قد واكبه على صعيد الوطن بأكمله حركة سياسية وطنية نشطة واكبتها ـ ايضا ـ ظهور نشاط الفدائيين ضد معسكرات الانجليز منذ العام 1950، حيث شهدت تصاعدا في العام 1951، وان كانت ذروتها في العام 1956، مع العدوان الثلاثي على مصر.والواقع ان عدوان 1956، لم يكن وليد تأميم قناة السويس فقط، ولكنه كان مخططا استعماريا لاجهاض الحركة الثورية في مصر التي بدأت ملامحها تتضح مع فجر 23 يوليو 1952. واثبتت المقاومة الشعبية التي اقسم رجالها واطفالها ونساؤها على البذل والعطاء من اجل الوطن فكان لهم ما ارادوا.. الوطن من نصيبهم والشهادة من نصيبهم والعزة والكرامة من نصيبهم ايضا.وعندما يسجل التاريخ وقائع ما حدث في بورسعيد وهو يغني على اوتار السمسمية: مور هاوس ليه بس جيت من لندن هنا واتعديت! وبنظلم آه ولا خليت واهي موتك جوه البيت ويقول التاريخ أيضا مع البورسعيدية: بحروف من نور وحروف من نار اكتب يازمان مجد الاحرار مقدرش عليه الاستعمار. فانه سيدرك ان النصر، كان من نصيب الحق، وكان الحق ـ ولايزال ـ من نصيب الشعوب التي تبحث عن حريتها. الشاهد الاصيل محمد مهران عثمان اسم لن ينساه الانجليز طوال عمرهم انه شاهد اصيل على البطولة المصرية، وهو مواطن اختار الوطن دون تردد. كيف؟ كان محمد مهران في التاسعة عشرة من عمره في العام 1956، كان واحدا من الفدائيين المصريين، الذين امتلأت ابدانهم بوطنية زائدة. ملأت عليه فؤاده عقله ووجدانه، وفي التاسع والعشرين من شهر اكتوبر 1956، وصلته التعليمات للتوجه الى مطار الجميل، استمر في الموقع حتى 5 نوفمبر، وحدث الالتحام مع العدو البريطاني، ومن قلب حفرة كان يحتمي بها، اطلق مدفعه الرشاش، فأصاب ما اصاب.لكن مصيبة مهران كانت اعظم، فالقوات الغازية تفرق كثيرا بين الضابط والجندي، لم تهتم القوات الغازية بمقتل جنودهم على يد مهران انما بفقد عيني ضابط بريطاني. ولان الكثرة تغلب الشجاعة، فقد تمكنوا منه وخطفوه، وفي طائرة حربية، نقلوه الى لارنكا بقبرص، وفي المستشفى العسكري ساوموه على عينيه. قالوا له: سنأخذ عينا واحدة منك نرقع بها قرينة الضابط المصاب، ونترك عينا، مقابل ان نسجل لك على الراديو الموجه الى مصر، لتقول ان شعب بورسعيد رحب بالاصدقاء البريطانيين! هنا انتفض مهران، وبدلا من الاشادة بالاصدقاء البريطانيين قال: «من هنا اطلب النصر لقادتنا المصريين على اعداء مصر». واضاف: تحيا مصر، واكد : عاش جمال عبدالناصر! ولم يدر بعدها مهران، الا بعينيه الاثنتين قد اقتلعتا، فصاح فيهم: اقتلعتم عيني لكنكم لن تستطيعوا انتزاع ذره واحدة من وطنيتي، ولن تنالوا من حبي لبلدي مصر. واعادوه الى بورسعيد، في مستشفى دليفراند، ومن هناك خطفه الفدائيون وهربوه الى القاهرة، لاستكمال علاجه في احد المستشفيات العسكرية، وهناك زاره جمال عبدالناصر. سأل مهران عبد الناصر، قالوا لي في قبرص لقد اقتلعنا عينيك لتكون عبرة لامثالك في مصر! فهل هذا صحيح فرد عليه عبدالناصر: بل العكس هو الصحيح لقد اصبحت قدوة لكل الاحرار في العالم.بعد انتهاء المعركة، نشرت القصة على العالم الذي استنكر هذه البشاعة البريطانية، ولتكشف زيف العالم الديمقراطي الذي كانت تمثله في هذا الوقت «بريطانيا العظمى» لكن فتاة بورسعيدية رقيقة اتصلت بكل المسئولين، وبمهران تعرض عينيها على مهران ليرى النور، ليس على سبيل المجاملة، ولكن تقديرا وامتنانا لهذا الشاب البطل الذي ضحى بعينه من اجل الوطن، لكن مهران رفض، وكان الحب بينهما، وتزوجها، وانجبا طبيبين، ومازلا معا على الطريق يكافحان. وعين محمد مهران عثمان بقرار من جمال عبدالناصر محاضرا في متحف بورسعيد الحربي في العام 1964، ولم يبرح مهران بورسعيد من ديسمبر 1956، وحتى الان اي انه عاش مرحلة الاستنزاف والعبور حتى الان، ويتواصل الحوار معه: ـ حاج مهران: لم تغادر بورسعيد اثناء الاستنزاف؟ ـ نعم، لم اغادرها، ولماذا اغادرها؟ ـ اذن إحك لنا.. ـ لقد تابعت معارك ايلات ورأس العش، وكانت هذه الفترة صعبة وكنت دائما اتخانق لان بعض الضعفاء كانوا يقولون: «مش هانحارب ولابعد 90 سنة»، الكلام ده كان قبل عام 1970، وعندما مات الزعيم جمال عبدالناصر السنة نفسها حدث لي اكتئاب واستمرت حياتي وجاءت بشائر اكتوبر، وكان التهجير قد حدث في ابريل 1969، وهجرت اولادي في رأس البر، وكنت اسافر لهم خميس وجمعة، ويوم الخميس 4 اكتوبر سافرت الى بورسعيد في الظهر، وفي المساء كنت في «المقهى جاءني عسكري من بورسعيد وقال لي: النقيب فاروق جبر (المشرف على المتحف) يريدك ان تعود فورا الى بورسعيد. حاولت الاتصال ببورسعيد، لم اتمكن، تاني يوم الجمعة 5 اكتوبر، عديت عزبة البرج انا ومراتي لم نجد الا عربية مليانة قماش في طريقها لبورسعيد، الحيت على السائق ان يأخذنا معه، جلست ومعي زوجتي القرفصاء وسط القماش.وصلت المتحف بعد العصر، قال لي النقيب فاروق: فيه معركة .. متى؟ لا نعرف.. قلت: من الذي قال لك هذا الكلام؟ قال: اللواء عمر خالد! وقلت لفاروق: فاكر لما جبنا سيد جلهوم من «الكوشة» وهو يتزوج! وقلتم لنا ان فيه معركة الواحد عاوز مشنقة يعلق فيها رقبته ويخلص، وقلت: بلاش كلام فاضي واخذت زوجتي وعدنا الى رأس البر. وقلت لزوجتي: مش مسافر بكرة السبت الى بورسعيد، وصليت الفجر، ونمت! فجأة وجدت زوجتي تصحيني: حاج.. حاج المعركة قامت.. عبرنا! اخذت دش بارد! بعده قعدت اخبط في نفسي ولم اجد عربية يومي 6،7 اكتوبر توصلني الى بورسعيد، وبعد الفجر يوم الاثنين 8 اكتوبر اخذت ومعي زوجتي تاكسي حتى المطرية دقهلية، واخذنا لنش من المطرية، وكان اللنش في المياه، والضرب شغال، وبالرغم من شجاعة ام الولاد الا انها كانت تصيح قائلة: الضرب والقنابل ياحاج! اخذنا حنطور من بحيرة المنزلة، ودخلنا قطاع بورسعيد العسكري، وصلت زوجتي الى بيت والدتي في الحي العربي، وتوجهت الى المتحف. هناك قال لي اللواء حامد صالح خلي بالك من مخلفات العدو، واجمعها، وطلبت من اللواء حامد الصعيدي (الآن) ووقتها كان عقيداً ويعمل مأمورا لقسم الشرق ان يعطيني بعض رجاله ليساعدوني في جمع المخلفات. وبدأت في العمل، وكان معي صديق اسمه عاشور مرسي وبعض العساكر، نجمع، ونرمي في حديقة المتحف. لكن.. ـ لكن ماذا ياحاج؟ ـ فيه حاجة انا حزين عليها، كان فيه موقع اسمه (5) لقيت فيه طائرة فانتوم مصابة، قلت انا عاوز هذه الطائرة، كلمت المحافظ، كلمت الدنيا كلها، قالوا لي: هانجيبها ازاي ونحطها فين! كل يوم اذهب اليه، واتفرج عليها وانتهت المعركة. وقلت لهم نقطع الطائرة اجزاء وننقلها، وبعدين نلحمها، وبعدها اميركا ارسلت اليهودي كيسنجر يتفاوض مع السادات! وكان فيه بعض الطائرات الاميركية بتبحث في القناة قلت: الطائرات دي تشيل الطائرة الفانتوم لغاية المتحف! قالوا لي: ازاي طائرات اميركية تشيل طائرة اميركية علشان يتفرج عليها المصريون؟ ـ ماذا عن حال الناس؟ ـ لم أر الناس ـ ابدا ـ في بورسعيد متألقين ومتآلفين، قدر فترة النكسة الست بتاعتي كانت بتقعد اسبوعين في رأس البر مع الاولاد، واسبوعين معي في بورسعيد، كنت بين ايدي اصحابي، نسهر ونروح اي بيت (عشرة انفار أو خمسة عشر) اي واحد يجيب اكل، اي واحد يطبخ. كان حب، ياريته دام، ياريته دام.. وياريت بورسعيد ما اتغيرت! لقد كانت الفترة من 67 حتى 1975 عبارة عن حلم جميل. هكذا تكلم النمس الشاهد الثاني محمد النمس، الترسانة البحرية ـ بور فؤاد، يبادر الى القول: لم اترك بورسعيد في الفترة من 67 وحتى 1973، كنت عام 1967 عندي 36 سنة، مش معقول نترك البلد، ونسيب الستات هنا، مش ده الدم المصري، وانت عارف انه مفيش اغلى من البلد، انضميت لكتائب المقاومة الشعبية، ولاني دخلت الجيش من 58 وحتى 62 وعندي تدريب عسكري، علشان كده كان من السهل التعامل مع السلاح في المقاومة الشعبية. ـ وما حال الناس؟ ـ الحب كان يجمعنا، والخوف ايضا، كلنا بنام في مكان واحد، رغيف واحد نقسمه على خمسة، كنا ـ فعلا ـ مبسوطين كان فيه حب ووفاء واخلاص اكدته الوطنية والانتماء للبلد. كنا عايشين في قلق (67 ـ 73) غارات على طول، الطيران الاسرائيلي مكنش بيتركنا، ليلا نهارا، ودائما ـ كنا ـ مع الراديو ما حال قواتنا، الاستنزاف شغال، والجيش في السويس والقنطرة شرق. الفرحة لا توصف! هيستريا، الله اكبر، الطيران المصري فوق بيضرب، والاسرائيليون طاش صوابهم، بيضربوا في اي مكان، في الوقت اللي الدفاع الشعبي له اماكنه، ومواقعه، وقايم بالواجبات المكلف بها، ويوم 22 اكتوبر عملوها اليهود، ضربوا سوق الحميدي الساعة 11 صباحا، كنت خالي شغل في بورفؤاد، استأذنت علشان اشوف المدام كانت تعمل ممرضة في المستشفى العام، في المستشفى شعرنا ان فيه شيء غير طبيعي، فوجئنا بالعربيات الكبيرة بتنزيل في مصابين وموتى، الكل كان بيجي. سوق الحميدي انضرب بالدانات 1000 رطل، المباني هدمت، الكل انصاب، حتى اللي عاش.. عاش مشوه، نزلت مع الممرضات اشيل الجثث، واحطها في المشرحة، ذراع مين؟ رجل مين.. معرفش؟ كل واحد فلوسه واقعه من جيبه.. عشرات.. جنيهات.. كانت الناس «قابضة مرتباتها» موظفون من الشئون الاجتماعية قاموا بحصر البيانات، المشرحة مليانة، والعربيات تملأ، وتفرغ. مفيش واحد مد يده على فلوس مصاب او ميت لانه مفيش حد ضامن عمره، كنا نقول «اشهد ان لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله» في الدقيقة 100 مرة. الكل متوقع الموت في اي لحظة، وكان ذلك هو السبب في الترابط بين الناس، فيه البعض يقول: «كانت ايام سودة» وانا اقول: «كانت ايام حلوة، وذكرياتها لن تذهب من رأسي.. لان حب الناس مازال مزروعاً في قلبي من ايامها. تأليف: محمد هيكل

طباعة Email
تعليقات

تعليقات