البعض فقد الأمل في نيودلهي، الهند تنتظر خطوات عملية باتجاه الاصلاح السياسي

الثلاثاء 23 شعبان 1423 هـ الموافق 29 أكتوبر 2002 عندما سئلت انديرا غاندي رئيسة وزراء الهند الراحلة عن الأسباب التي تدعوها الى السماح للفساد بالإنتشارعلى نطاق واسع أجابت كما لو أنها تتحدث عن الطقس إنها ظاهرة عالمية. في هذه الأيام يتحدث الناس عن تلك المرحلة التي امتدت ما بين السبعينيات وأوائل الثمانينيات بما يوشك ان يكون حنينا اليها، حيث أنه على الرغم من تزايد الشواهد على وقوع الفساد في تلك المرحلة الأمر الذي كان يأخذ حداً خيالياً في بعض الأحيان كما يقولون إلا أن هذه الشواهد تبدو باهتة إذا تمت مقارنتها بجرائم الإختلاسات المالية المنظمة التي تنهش أوصال المجتمع الهندي في يومنا هذا. على نحو شبيه بتلك التقلبات التي تتميز بها التنبؤات السابقة لهبوب العواصف الموسمية يسيطر الحديث عن الفساد على كل أشكال الحوار العادية. وفيما يجد المرء أن بعض أشكال الفساد ربما كانت عادية، تافهة، كأن يتسلم أحدهم فاتورة مكالمات هاتفية باهظة يتلوها قطع للإتصالات في أعقاب التقدم بطلب معرفة التفاصيل فإن بعضها الآخر ربما كان واضحاً شديد الوضوح كما يحدث عندما يشاهد المرء البرلمان الهندي وهو يرفض حكماً صادراً عن المحكمة العليا يخير المرشحين في الإنتخابات فيما يتعلق بالكشف عن أوضاعهم المالية أو سجلاتهم الإجرامية. أياً كان نطاق هذه التجاوزات، فإن التجربة تثقل كاهل غالبية الناس حتى اللحظة التي يحتل فيها الشعور بالإحباط والقبول محل المشاعر الغاضبة. واليوم يصبح الفساد الذي تعاني منه الهند هو القاعدة وليس الإستثناء. يقول ناديش تشاندرا الرئيس السابق للمخابرات الخارجية الهندية لقد بلغ الفساد معدلات لا يمكن السكوت عليها أو تجاهلها الى الحد الذي يجعلك لا تتصور وجود وسيلة للقضاء عليه غير أنه لابد وان يستمر في هذا النمو الى أن يتهاوى النظام الإجتماعي برمته أمام أعيننا. على الرغم من أن مثل هذه التوقعات قد تبدو مفرطة في التشاؤم، إلا انها تبدو كسيناريو في طريقه الى التحقق في ولايات منها اترابراديش وبيهار، اللتين يصل عدد سكانهما الى 250 مليون نسمة تشكل أفقر تجمع سكاني في العالم. في اوترا براديش، حيث تشير الإحصائيات الأخيرة الى أن أقل من ثلث الميزانية المتعلقة بالتنمية الخاصة بنيودلهي تصل الى مواضع غير المخصصة لها، حيث أن لدى ما يقارب نصف عدد أعضاء الهيئات التشريعية ل403 ولايات سجلات اجرامية تتراوح ما بين السرقات وحوادث القتل. حتى في نيودلهي نفسها، حيث الرقابة الصارمة التي تفرضها أجهزة الإعلام الوطنية على رجال السياسة يقدر عدد أعضاء البرلمان الذين لهم سجلات إجرامية ب20% . وحسبما تشير له فضائح الفساد المالي المتزايدة في الوقت الراهن فإن أعداداً كبيرة من البرلمانيين في طريقها للإنضمام الى القائمة في المستقبل القريب. الواقع أن الفساد كان قد بدأ خلال العقدين الأخيرين في الوقت الذي بدأ فيه أشخاص معروفين بسجلاتهم الإجرامية بدخول السياسة هذا ما يقوله ه. د شوري وهو مؤسس مجموعة «كومون كوز» احدى الجماعات الناشطة في مجال محاربة الفساد، ويضيف في السابق كان أصحاب السجلات الإجرامية يقومون برشوة السياسيين، في حين أنهم الآن لا يحتاجون الى وسيط. لقد اصبح وجودهم ضاراً بالحياة العامة كما أنه لايثير حفيظة الموظفين المدنيين. إن ظهورالسياسة المجيرة لصالح الجريمة قد تزامن مع ظهور الأحزاب المؤلفة من أفراد ينتمون الى الطوائف المنبوذة التي كانت أهدافها غير المدركة تتلخص في استغلال فساد الدولة. وعلى أحد مستوياتها، فإن ثورة هذه الجماعات المنتمية الى القاع هي في حد ذاتها ظاهرة إيجابية. كما أن هناك أشخاصاً بمن فيهم ف. س. نايبول مؤلف كتاب مليون تمرد الآن يرون في ذلك تأخيراً لحالة الديمقراطية المزدهرة التي تعيشها الهند. وعلى الرغم من ذلك فإنه ليس من السهل على المرء أن ينكر أن شيئاً كاستيلاء الإحزاب التي ينتمي اليها أفراد الطوائف المنبوذة المغلقة على نفسها على المقاعد البرلمانية في عدد من أكبر الولايات الهندية قد أسهم بدوره في إضفاء الشرعية الديمقراطية على ما يمكن ان تسميه النظام الوقح للسرقة العلنية. لكن المفارقة هي أن الضحايا الرئيسيين لهذا النظام هم الناخبون المنتمون الى هذه الطوائف الذين يقومون بإيصال مرشحيهم الى مقاعد البرلمان. وعلى الرغم من أن أبطالهم السياسيين ومنهم وزراء كبار من أمثال ماياواتي في اوترابراديش أو لالوبراساد ياداف في بيهار قد برهنوا على أنهم روبن هوديون ولكن على نحو مقلوب إلا انهم وعلى نحو غير عادي لا يبدون الإستياء. يقول أحد كبار المسئولين المدنيين في ولاية أوتار براديش: إن المنبوذين لايهمهم إن كان قادتهم يسرقون أكثر من غيرهم، انهم يعتقدون كذلك باعتبارهم غير المستفيدين من برامج الإنفاق العام على الإطلاق حيث لم يسبق لهم الاستفادة منها، وعليه فمن المناسب لهذه الأموال أن تذهب الى جيوب قادتهم عوضاً عن ذهابها الى جيوب السياسيين المنتمين الى أحزاب الطبقات العليا أو المستخدمين المدنيين. إن مثل هذا النوع من عدم الاهتمام يبدو محيراً. وطوال العامين الماضيين كانت منظمة «باريفارتان رينيوال» لمكافحة الفساد ومركزها نيودلهي قد بذلت جهداً مضنياً لقياس حجم الاستغلال الذي يتعرض له افراد الطبقة الدنيا في العاصمة الهندية. وتشير احصاءاتها الى أن غالبية المتهمين هم من المنتمين الى الطبقة نفسها. تحت وطأة نظام الحجز فإن أكثر من 50% من الوظائف التي يوفرها القطاع العام تعتبر محجوزة الآن للعديد من أفراد الطبقة الدنيا، حيث ما أن يصل أحدهم الى السلطة حتى يشرع في نهب الأموال من المواطنين العاديين ومن غيرهم. وبدورهم فإن مياواتي وغيره من المنتمين الي هذه الشريحة يقاتلون من أجل توسيع نطاق العمل بهذا النظام. تتحدث ساروج بالا.. المنبوذة التي تعيش في كوخ بالقرب من شبكة مجاري مائية قذرة بأحد أحياء العاصمة الهندية، عن معاناتها ومعاناة الكثيرين من زملائها اليومية، حيث تسعى للحصول على توقيع السلطات على شهادة وفاة زوجها من أجل الحصول على الإعانة المخصصة للأرامل وكيف أنه لايمكن لها الوصول الى ذلك من دون تقديم شيء كالرشوة، كما لايمكن لها الحصول على بطاقة المؤونة المخصصة لأولئك الذين يعيشون فى مستوى تحت خط الفقر. وعلى الرغم من حصول بعض زميلاتها عليها إلا أنهم لن يتمكنوا من ذلك إلا بعد قيامهم بدفع رشوة منفصلة خاصة بالأوراق التي يكتب عليها الطلب بالإضافة الى رسوم اخرى خاصة لتعبئتها، وعلى الرغم من أن بعض اولئك النسوة كن متعلمات وعلى الرغم من أن اللغة الوحيدة التي يعرفنها هي اللغة الهندية إلا أن اللغة المطلوب استخدامها للتعبئة هي الإنجليزية. تزداد الأمور سوءاً حين يعلم المرء أن الحصص المفترض حصول هؤلاء عليها من الأرز والطحين ليست إلا أشياء تفقس فيها جيوش الحشرات في الوقت الذي يبيع فيه التجار المشرفون على توزيع هذه الإعانات مخزونهم في السوق السوداء ليستبدلونها بما لايؤكل من النفايات. .تعتقد منظمة باريفارتان أن هؤلاء المسئولين المشرفين على توزيع الأغذية يدفعون بدورهم رشاوى تقدر بحوالي مئة الف روبية من أجل الحصول على الترخيص ببيعها. كما يقدر معدل ما يذهب من المساعدات التي تخصصها الحكومة الهندية للأعمال الإغاثة ب40% تذهب للسوق السوداء حيث تشير بالا الى ذلك بقولها انظروا الى هذا الأرز إن الحيوانات لايمكنها أن تأكل هذا الشيء». إلا أن تأثير الفساد يمتد الى أبعد مما تعنيه السرقة وحدها، وحسبما يرى أحد المسئولين الحكوميين الكبار فإن الفساد غالباً ما يملي السياسات التي تأخذ بها الحكومات أو لاتأخذ. وعلى سبيل المثال فإنه على الرغم من أن حكومات الولايات تبدو مغرمة بتشييد السدود لأن مثل هذه المشروعات تتطلب عقوداً باهضة التكاليف تعقدها مع الشركات الخاصة إلا أنها نادراً ما تعبأ بمتابعتها بأعمال الصيانة ولهذا السبب فإن الهند تعج بالسدود التي تتسرب منها المياه. وبطريقة مماثلة، فإن مشروعات الري هي الأخرى لاتكاد تلقى الاهتمام الكافي على الرغم من الحقيقة القائلة بأن المزارعين الهنود يحتاجون في الواقع الى مصادر أفضل لتزويدهم بكميات المياه اللازمة لنتاج المحاصيل الزراعية بما يتناسب مع النمو في حجم السكان. وكما يقول المسئول السابق فإن الشيء ذاته يقال عن الاهتمام بالتعليم الابتدائي في بلد ثلث عدد سكانه هم من غير المتعلمين. فالهند لاتنفق إلا 9،1% من اجمالي انتاجها القومي ليذهب الى برامج التعليم الإبتدائي وهو ما يعادل بالكاد نصف ما تنفقه دول شرق آسيا الأخرى. يقول: «إذا أردت أن تعاقب موظفاً مدنياً فاسداً فإن مكانه المناسب سيكون وزارة التربية حيث من المستحيل أن يقوم هناك مشروع ايجابي بناء إذا تعلق الأمر بالمدارس الإبتدائية». وعلى العكس مما يجب أن يكون عليه الأمر، فإن وزارة الدفاع الهندية التي تزمع تبديد 14 مليار دولار في مشروعها الهادف الى تحسين النهوض ببرامج التكنولوجيا العسكرية. يضيف المسئول في بعض الدول يطوق الفساد النظام إلا أنه في الهند، هو النظام نفسه. على الرغم من التهديد الذي كانت تشكله المساءلة حول مسألة الفساد إلا أن الهند أفرزت من جانب آخر عددا من مؤسسات محاربة الفساد الفاعلة. وأحد هؤلاء الناشطين الذين ضحوا بمناصبهم من أجل الإنضمام الى الحملة الداعية الى رفع الحظر عن نشر المعلومات هو هارش مندر عضو مؤسسة ر. ت. آي لمكافحة الفساد. يقول إن المنطق الذي يستند اليه العمل في المؤسسة يبدو سهلاً للغاية. بإتاحتها المجال للرقابة على المناقصات العلنية الخاصة بتشييد الجسور والشوارع ومشروعات المياه والصرف تمنح المؤسسة الناس أدوات حادة للقضاء على الفساد الذي يؤثر في مجرى حياتهم اليومية. على الرغم من تعرضها للتشويش المستمر إلا أن الحملة التي تشنها المؤسسة باتت في طريقها للإنتشار على نطاق واسع في مختلف أنحاء الهند. وهناك عدد من الحكومات المحلية التي أصبحت تتبنى قوانينها. وعلى الرغم من الإنجاز الذي حققته إلا أن الإنتصار الحقيقي كما يرى مندر هو في التطبيق العملي لهذه القوانين. في البداية تتقدم بطلب الحصول على المعلومات غير أن احداً لايتجاوب معك فتقوم بكتابة مذكرة قانونية فيتجاوبون معك دون تقديم المعلومات المطلوبة. والآن أصبحوا يطلبون 50 روبية مقابل الطلب الواحد، وبالطبع فالإنسان العادي لايستطيع القيام بهذا. وعلى الرغم من ذلك فإن غالبية المشاركين في الحملة لديهم قدرة فائقة على التحمل الأمر الذي يمكنهم من الاستمرار في المعركة الطويلة ضد الفساد. كما أنهم بدأوا بتحقيق بعض الإنتصارات. العديد من القرى في ولاية راجستان بدأت الآن وعلى نحو روتيني بمسألة التدقيق الإجتماعي في المناقصات العامة الأمر الذي يحمل المسئولين على الإلتزام. وفي وقت مبكر من هذا العام قامت مجموعة من موظفي مجلس شركة الكهرباء في دلهي بإعادة آلاف الروبيات الى المواطنين الذين اخذت منهم في السابق وذلك في احتفال عام نظمته المؤسسة. كما أن استخدام القانون الجديد مكن المؤسسة والكثيرين غيرها من بناء صورة أكثر تعقيداً للكيفية التي يعمل من خلالها الفساد. يقول راجيف اورورا أحد رجال الأعمال المتعاونين مع مؤسسة باريفارتان يقوم المسئولون باقتطاع نصيب لهم من كل مناقصة عامة ثم يوزعونها بالموافقة بينهم بدأ بحق أعضاء المجلس الى أعضاء اللجان المحلية بعد ذلك يقوم رجال السياسة بتوزيع حصص متفق عليها على المستوى الوزاري وهكذا. وكان اورورا والكثيرون غيره قد كشفوا عن مئات المشروعات الخاصة بالطرق والمرافق العامة والمجاري والمباني العامة، كما استخدموا القانون الخاص بنيودلهي للكشف عن ان 18 الفا فقط من سكان المدينة المبالغ عددهم 42 الفاً من العاملين في البلدية يلتزمون بالدوام الرسمي. معظم اولئك الذين لايلتزمون بالدوام الرسمي يقومون بأداء أعمال اخرى لمصلحتهم الشخصية، هذه الممارسة أصبحت السمة الغالبة على سلوك موظفي قسم الصحة العامة ببلدية نيودلهي، يقول اورورا ليس من الغريب أن تترك النفايات على حالها. على الرغم من أن مثل هذه المؤسسات التي تقوم بحملات التطهير ضد الفساد يثيرون الإعجاب إلا ان أن الحملة تحتاج الى المزيد من الجهود التي تشارك فيها الجماعات الناشطة ضد الفساد لتغيير هذا الواقع الذي تعيشه الهند، هذا ما يقوله تشاندرا المستشار السابق لرئيس الوزراء الهندي الأسبق ناراسيما راو الذي يعيش منذ تقاعده بمنزل صغير في احدى ضواحي نيودلهي. وأياً كان فإن تشاندرا ليس هو وحده النموذج الفريد. فهناك الكثير من المسئولين المدنيين الذين الذين استطاعوا أن يحافظوا على استقامتهم والذين يعيشون بعد تقاعدهم في ظروف عادية مشابهة، إلا أن تشاندرا يرفض الرأي القائل بأن من يكافح ظاهرة الفساد المستشري هم المسئولون المدنيون وحدهم وبواسطة ما يملكونه من استقامة. يقول إن الاخلاقيات مسألة ثانوية. فالناس هناك في الغرب ليست لديهم أخلاقيات مماثلة لما لدينا وعلى الرغم من ذلك هناك تراجع في معدلات الفساد. إن الإجابة على هذا تتمثل في تقوية مناعة المؤسسات العامة الهندية وعلى رأسها النظام القضائي والإداري والشرطي و الرقابي، إضافة الى التقليص التام لسلطة الدولة التي تمكنها من الإستمرار في التخلي عن كل مظاهر الحياة. ويتابع إلا أن مثل هذه الإصلاحات ستحتاج الى وقت طويل لإنجاحها. كما ان الحافز على التغيير يجب أن يأتي من الأسفل. إن الفساد في الهند لايمكن التصدي له على نحو صارم إلا بإدراك الأحزاب بأن هناك من يصوت ضده. وفي الوقت الراهن يهتم الناخبون بمعارك الهوية الإجتماعية بينهم تاركين وراءهم كل ما يتعلق بكفاءة الحكومات. في الوقت الراهن لايزال نطاق الطبقة الوسطى في الهند صغيراً جداً وربما لايكون مناسباً لفرض مساءلته الحقيقية على مستوى الثقافة السياسية، إلا انه وبمضي الوقت سيصبح مؤهلاً للنمو الإقتصادي أن يدفع بعوامل جديدة يمكنها أن تسهم في وضع حد للأسس التي تقوم عليها ثقافة الفساد.غير أن باريفارتان مستمرة الآن في السير على نهجها. بقلم: ادوارد لوس ترجمة: مريم جمعة فرح عن «فايننشيال تايمز»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات