مؤشرات دالة توضح الاتجاه، جهود مكثفة يبذلها شارون لتشويش «خريطة الطرق»

الثلاثاء 23 شعبان 1423 هـ الموافق 29 أكتوبر 2002 أرييل شارون الذي اشتهر في ريعان الشباب كقاريء للخرائط منذ مولده والذي حظي بالتمجيد العسكري خصوصا بفضل قدرته على قراءة خارطة المعركة في خضم الحدث، منشغل الآن في ابتداع حيلة تشوش «خريطة الطرق» الأميركية التي تقترح مسارا لتسوية الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني. شارون ومستشاروه يبلورون الآن صيغة تهدف الى عرقلة الخطة الأميركية من الناحية العملية من دون الظهور بمظهر الساعي الى ذلك عن عمد وتخطيط مسبق. العلامات الاولى لعزم رئيس الحكومة الاسرائيلية ظهرت على السطح في الاسبوع الماضي إثر المشاورات التي أجراها: وسائل الاعلام غصت بالتقارير والتحاليل التي تهاجم الوثيقة الأميركية ووجدت فيها اخلالات في الأغلب. والرسالة الأساسية التي صدرت عن رئيس الحكومة: «خريطة الطرق» هي رواية غير شرعية ابتدعتها الخارجية الأميركية لخطاب بوش. ففي الوقت الذي حرص فيه على المطالبة بوقف تام للعنف الفلسطيني قبل تحريك دواليب العملية السياسية بأي صورة كانت، تقترح «خريطة الطرق» مسارا ينطوي على اجراء المفاوضات الاسرائيلية ـ الفلسطينية في ظل اطلاق النار. كما ادعى ديوان رئيس الوزراء ان الورقة الأميركية قد وضعت مبادرة السلام السعودية التي تبنتها القمة العربية في بيروت في سلة الوثائق الدولية (مثل قرار 242 و338) التي ستكون برنامجا لاتفاق السلام الاسرائيلي - الفلسطيني. =ادعاء رئيس الحكومة ومستشاريه هو ان المبادرة السعودية لم تحصل أبدا على مكانة دولية معينة وانها تعبير عن موقف طرف في الصراع والذي ينطوي على مطلب بتجسيد حق العودة - هذا المطلب الذي لن تستطيع اسرائيل قبوله أبدا. والتحفظات تهدف الى ابتداع خلفية للموقف الاسرائيلي الذي سيطرح على واشنطن سواء من خلال زيارة المبعوث الأميركي وليام بيرنز أو من خلال المداولات اللاحقة. =حاشية رئيس الحكومة الاسرائيلية لم تكتف بتوجيه الانتقادات للخطة الأميركية المقترحة وانما لم ترتدع - بعد اسبوع فقط من عودة شارون من لقائه مع بوش حيث طالب الادارة الأميركية بتقديم مساعدة لاسرائيل بعشرة مليارات دولار - من عرضها في صورة سخيفة وتوجيه ملاحظات مهينة لها. ولا شك ان شارون قد نجح في الاطلاع على الخطة بصورة معمقة وبلورة استراتيجيته تجاهها منذ اللحظة الاولى التي عرضت فيها عليه (لم أتمكن من الاطلاع عليها بعد): انه يسعى الى ازالتها عن جدول الاعمال وارسالها الى المكان الذي وضعت فيه وثائق ميتشل وزيني وتينيت. =هناك تبرير كامل لاذابة الخطة الأميركية من وجهة نظر شارون. فمنذ ان صعد الى سدة الحكم لم يحرك ساكنا من اجل تخليص المجابهة العنيفة من الدائرة الدموية وتوجيهها نحو طريق الحوار السياسي. شارون اكتفى باعطاء ردود جبروتية للارهاب الفلسطيني، الا انه تهرب من استغلال الفرص السياسية التي سنحت هنا وهناك (مبادرات اوروبية وأميركية وأممية وعربية ايضا) من اجل نقل الصراع الى طاولة المفاوضات. رئيس الحكومة الاسرائيلية تشبث خلال قيامه بذلك بسلوك ياسر عرفات الخبيث والمبيت الذي وفر له ذرائع ضخمة لتكريس الصراع بين الشعبين وايصاله الى حجم الهدف الموضوع أمام مهداف البندقية. ومن اجل ارضاء السامعين، شارون يتحدث بين الحين والآخر مثل يعقوب الا ان أياديه هي أيادي عسوه: فأعماله تشير الى انه لا يسعى للمصالحة بين الشعبين وانما الى تركيع الفلسطينيين. =«خريطة الطرق» تعبر عن تصور ورؤية مغايرة عن تلك التي يتطلع اليها رئيس الوزراء: ففي أساسها يوجد افتراض بأن على الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني ان ينتهي بالتسوية. لهذا السبب وضعت مسارا من ثلاث مراحل حيث يتوجب على كل طرف فيها ان يعمل على تلبية توقعات الطرف الآخر. =روح الوثيقة تدعو اسرائيل والفلسطينيين الى التخلي عن المجابهة العنيفة والموافقة على تنازلات تهدف الى اعادة الثقة بينهما والوصول خلال ثلاث سنوات الى السلام القائم على دولة فلسطينية واعتراف فلسطيني بحق اسرائيل في الوجود. وشارون لا يؤمن بهذه الرؤية، لذلك، فهو سيعمل على سحب هذه الخارطة ورفعها عن جدول الاعمال. بقلم: عوزي بنزيمان عن «هآرتس»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات