مخالفة القوانين بلغت ذروتها، الفضائح المالية تهدد امكانية القبول بالعولمة

السبت 20 شعبان 1423 هـ الموافق 26 أكتوبر 2002 تعيش الامم الصناعية في الوقت الحالي فترة انحسار لاخلاقيات المال والاعمال. وعلى الرغم من سمعة الروح المهنية العالية والامانة والاستقامة فإن عالم المال والاعمال في كل من الولايات المتحدة واليابان واوروبا شهد العديد من الفضائح والمشكلات مؤخراً.العيب في الولايات المتحدة تمثل في المبالغة في الارباح والافراط في مكافآت وتعويضات المدراء التنفيذيين. في حين تمحور القلق في اليابان حول الخلل في تعريف وتحديد المنتجات والارباح. وفي اوروبا تمثلت القضية في الرشوة والتقليل الزائف من قيمة الارباح الحقيقية. ومن شأن تلك التطورات ان تهدد القبول بالعولمة الاقتصادية. ربما يتساءل المرء وهو يقرأ عناوين الاخبار ويرى صور مدراء تنفيذيين يساقون في الاصفاد، ما إذا كانت نزعة مخالفة القانون قد بلغت ذروة جديدة في عالم المال والاعمال. الفضائح تتوالى تباعاً والارقام التي يدور عنها الحديث تبعث على الذهول. هل هذه بداية انحلال الامم الصناعية وعودة شبح الظلم اليها؟ هكذا بدا من اصوات المتظاهرين الذين تجمعوا امام مقر انعقاد اجتماعات البنك الدولي السنوية في واشنطن. قد يجد المرء اغراء للاسترخاء بوضع القضية في سياق اكبر من بين اكثر من 12 الف شركة مسجلة في لوائح لجنة الامن والبورصة الاميركية، فان الشركات المتهمة بالمخالفات القانونية لا تشكل سوى جزء صغير تافه فلقد سلطت الاضواء العامة على الشركات الكبرى المفلسة في الولايات المتحدة والاختفاء التدريجي لشركات مصارف المانية ضخمة. وغطت تلك المآزق على مئات الألوف من المدراء الصدوقين المجدّين.وفي حين ورّطت الفضائح بعض اعضاء المدرسة القديمة من الفرنسيين واطلقت شرارة سلسلة من الاستقالات في اليابان، فان مدى التقبل العالمي للرشوة والفساد تراجع بشكل حاد. نحن الان نعرف عن الصلة الخفية بين الفساد والارهاب. وقد وافقت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية على تغيير الانظمة المتعلقة بالرشوة في بلدانها الاعضاء. وفي المستقبل سيتم منع حسم أي مبالغ من مدفوعات الضرائب، وليس فقط المبالغ غير الملائمة. وحتى منظمة التجارة العالمية تتحرك الان لوضع قوانين الرشوة في اولويات اجندتها. في السنوات القليلة الماضية، ازدادت مسئولية الشركات على المستوى العالمي بشكل كبير. وازداد ايضا حجم الضغوطات حاملي الاسهم والمحليين الاقتصاديين. ومن المؤسف ان بعض الشركات استجابت لهذه الضغوط باتباع الطريقة المختصرة واستخدام اسلوب الدخان والمرايا.لكن برغم كل هذا التقدم، من الواجب تعريف الممارسات الشائعة لاستئصالها ومعاقبة المدراء التنفيذيين المسئولين عنها. وفي سياق مطالبتهم وسعيهم لايجاد علاجات وقوانين جديدة يشير المعلقون والمشروعون عادة الى حاملي الاسهم المضللَين والموظفين المطرودين من العمل والزبائن المخدوعين. ويرغب هؤلاء باقناعنا بأن القضايا التي يجب معالجتها هي شأن محلي بحت، لأن الاعتبارات الاخلاقية تتنوع باختلاف البلد والثقافة. لكن المهمة اكثر هولاً من هذا بكثير. فالقضية ليست شأناً محلياً فقط، بل انها تهدد العولمة الاقتصادية برمتها. ونحن بحاجة لاجراءات عملية سريعة ومتواصلة في سبيل نجاح قوى السوق حول العالم. والبلدان الصناعية، بوصفها الاطراف المناصرة لنظام السوق، تبيع بقية العالم افكارها اعتماداً على قضيتين اساسيتين. الاولى هي فائدة قوى السوق النابعة من تفاعل العرض والطلب. وهذا التفاعل بدوره يستخدم مؤشرات الاسعار بدلاً من التعليمات الحكومية لضبط النشاطات المالية. انه تفاعل يعيش على المنافسة، ويعمل في اطار بيئة من الاحترام للربحية والممتلكات الخاصة. والمقترح الثاني الاساسي هو ان يبذل اللاعبون، ضمن اطار نظام السوق كل ما في وسعهم لتعريف فرص السوق وجلب منتجاتهم وخدماتهم للزبائن في انحاء المعمورة. وفي مقابل الامكانيات الربحية، يضع الافراد ودائعهم المالية تحت تصرف الشركات لتستمر بالشكل الأكثر فعالية وانتاجية. ومن العوامل الجوهرية لانجاح هذه الآلية، تمتع المدراء والشركات الكبرى بالاستقامة والرؤية والصدق. ومالم يؤمن العالم بالدعائم الاساسية للنشاطات الاقتصادية المبنية على نظام السوق، سيكون من الصعب، بل من المستحيل ايجاد صيغة التزام عالمي بين اولئك الذين يتحدثون عن الاسواق واولئك الذين تحاول البلدان الصناعية اقناعهم بتوجيه انفسهم نحو قوى السوق. لذلك فمن المهم جداً لانصار العولمة ضمان إقصاء الفساد والرشوة وانعدام الشفافية، وتضليل الزبائن الى مكانها الطبيعي في مزابل التاريخ. وستتحدد درجات حرية عولمة المال والاعمال في المستقبل بمدى الانفتاح والاستجابة والتفكير بعيد الامد والموثوقية. ومن الاهمية بمكان ان تتعاون اليابان والاتحاد والاوروبي والولايات المتحدة لحراسة استقامة قوى السوق بحيث يمكن للمزايا الايجابية للعولمة ان تزدهر في عالم بأمس الحاجة لرياح اقتصادية في اشرعته. ترجمة: علي محمد عن «جابان تايمز»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات