الصين ليست بعيدة تماماً، واشنطن تمد جسور الحوار مع بكين قبيل قرع طبول الحرب

السبت 20 شعبان 1423 هـ الموافق 26 أكتوبر 2002 قبل زمن يبدو بعيدا جدا، وفي اليوم الاول لتسلم الرئيس جورج بوش الابن منصبه في البيت الابيض قال له العديدون من مستشاريه ان الصين هي من ستكون التهديد الاول للولايات المتحدة الاميركية. غير ان الرئيس الصيني جيانغ زيمين امضى يومين، مؤخرا في الولايات المتحدة ليس كواحد من زعماء العالم المجتمعين هناك، بل ليتبادل الرأي مع الرئيس بوش في مزرعته بتكساس حيث ناقش الاثنان العلاقات العسكرية الجديدة بين البلدين والتهديدات الارهابية ومسألة العراق وبرنامج كوريا الشمالية النووي المعلن عنه رسميا قبل ايام.ان الولايات المتحدة الديمقراطية والصين الشيوعية ليستا «صديقين» تماما لكن بسبب المصالح والظروف الراهنة شهدت العلاقات بينهما دفئا جديدا لا بأس به لدرجة ان الكثيرين من الخبراء لايعتقدون ان الصين ستستخدم حق الفيتو في مجلس الامن ضد عمل اميركي في العراق حتى لو فعلت فرنسا وروسيا ذلك. وصل الرئيس الصيني جيانغ زيمين الى شيكاغو في خطوة تظهر الى اي حد قد «تغير العالم» اذا اردنا استخدام تعابير 11 سبتمبر لدرجة ان الصينيين اخذوا يستخدمون هذه اللغة ايضا. فقد قال مسئول في الخارجية الصينية تعليقا على هذه الزيارة قبلها بايام «لقد تغير العالم بشكل واسع نريد ان نعمل بطريقة بناءة مع الاميركيين لمواجهة الارهاب نريد علاقة صحية مستقرة مع الولايات المتحدة». وبكين، البعيدة عن تحدي النزعة الانفرادية الاميركية على الساحة الدولية كما يظن البعض تنظر قدما الآن الى ما بعد العراق وتتكيف مع استراتيجية بعيدة في المدى لارساء وجودها الاقتصادي والعسكري في آسيا. ويتوقع من البيت الابيض ان يستأنف العلاقات العسكرية الكاملة مع الصين وكانت الاتصالات عالية المستوى بين الضباط والزيارات البحرية والدعوات للمناورات العسكرية قد توقفت خلال حالة التوتر التي سادت بين الجانبين في ابريل 2001 حين اصطدمت مقاتلة صينية مع طائرة تجسس اميركية في الشهور الاولى من عمر ادارة بوش. ويقول مسئول صيني: «ان العلاقات بين المؤسستين العسكريتين ليست طبيعية في هذه المرحلة واعتقد ان من مصلحتنا العودة بها الى ما يفترض ان تكون عليه. اما بالنسبة لجيانغ زيمين فان دعوته التي انتظرها طويلا لزيارة بوش في مزرعته بكراوفورد جاءت تعزيزا لصورته كزعيم عالمي ذي نفوذ وهو الموقف الذي يريد بشغف ان يحققه قبل انتخابات المؤتمر العام للحزب الحاكم في الصين في 8 نوفمبر المقبل حيث من المتوقع خلاله ان يستقيل من منصبه بعد رئاسته الصين 12 عاما. والقمة القصيرة بين الرئيسين لاتبدو حافلة بالمواد المعروضة على طاولتها فجيانغ زيمين سيكون مطواعا على الاغلب للمطالب الاميركية بخصوص العراق ومحاربة الارهاب اما الولايات المتحدة فستوسع علاقاتها العسكرية مع الصين وربما تشدد قليلا من موقفها تجاه النزعة الاستقلالية التايوانية لاسترضاء بكين كما يمكن ان ترفع واشنطن حظرا على تصدير تقنيات الاقمار الصناعية للصين اذا ما اوقفت الاخيرة صادراتها من اجزاء الصواريخ الى دول العالم الثالث. وكانت الولايات المتحدة قد وافقت الشهر الماضي على وضع حركة شرق تركستان الاسلامية وهي حركة انفصالية اسلامية من قومية الايعور في غرب الصين، على قائمة المنظمات الارهابية مما اثار حفيظة جماعات حقوق الانسان التي تخشى من ان بكين ستستخدم هذه الخطوة ذريعة لتوسيع قمعها للايغوريين. من ناحية براغماتية نفعية، ليست الولايات المتحدة ولا الصين في موقع يدفعها لاثارة الكثير من المشاكل لبعضهما حتى ولو كانتا ترغبان بذلك لبعض الاسباب فالولايات المتحدة مصابة بهاجس العراق والقاعدة وخرجت كوريا الشمالية الآن لتعلن ان لديها برنامجا نوويا سريا، اما الصينيون فمنشغلون بهاجس انتقال السلطة الشهر المقبل الى جيل جديد من القادة وهو شيء امتص مجمل اهتمام البلاد، كما ان الصين تحاول ايضا التكيف مع التزامات عضويتها الجديدة في منظمة التجارة العالمية. يقول تشنغ لي الخبير في مركز ولسون للدراسات في واشنطن «ان عدم استخدام الفيتو ضد الحرب على العراق لا يعني ان الصين مخلصة في دعمها للسياسة الاميركية لكن ليس في مصلحة الصين ان تستفز اميركا والصين لا تستطيع ان تبدو داعمة جدا او معارضة جدا لهذه السياسة ذلك ان الارهاب بالنسبة لاميركا هو الأولوية الاعلى اما بالنسبة للصين فهي الاولوية في المرتبة الرابعة او الخامسة». وتتخذ الصين نهجا طويل الامد لبناء دورها العالمي فيما يبدو انه برنامج بناء قوة عسكرية واقتصادية في آسيا على مدى 10 الى 20 عاما.وباستثناء نوبات الهستيريا والاكتئاب والغموض التي تصيب بكين بين الحين والآخر بسبب الدعم الاميركي لتايوان فان القادة الصينيين لايرون ان في مصلحتهم التحرش بواشنطن او في اطلاق رسالة قوية نحوها يعرفون انهم لن ينفذوها. ومن بين الامثلة على النهج طويل الامد هو اعادة الهيكلة الواضحة في القوات المسلحة الصينية ورغم ان المتشددين الاميركيين طالما اشاروا الى الجيش الصيني الا ان معظم الخبراء العسكريين والرتب العسكرية العليا في اميركا يعتبرون ان الصين لم تصبح بعد جاهزة لتمثل تحديا عسكريا حقيقيا لاميركا في آسيا. ومع ذلك فان الجيش الصيني دأب على تقليص حجمه البشري وتطوير استراتيجياته الحربية في مجال قوات التحرك السريع الصغيرة وعالية التقنية، كما ان الصين تمضي سريعا نحو بناء بحرية لأعالي البحار فالاول مرة في تاريخها استطاعت سفن البحرية الصينية ان تدور حول الكرة الارضية، ويقول كتاب جديد لديفيد شامباو ان الصين ستصبح قوة عسكرية هائلة في غضون عقد من الآن. وبالتأكيد تحدث بوش وجيانغ عن اعتراف كوريا الشمالية لمسئولين اميركيين ان لديها برنامجا لاخصاب اليورانيوم. وادارة الازمة ذاتها ستعرض على الطاولة في قمة آسيان بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان غير ان بوش يريد ان يستخرج الصين عما هي مستعدة لفعله كجار قوي لكوريا الشمالية بخصوص تهديدات دولة بمقدرة نووية اعترضت انها لا ترى مبررا يجعلها تعمل وفق المعايير الدولية بهذا الشأن. عن «كريستيان ساينس مونيتور»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات