واشنطن تعود لتطبيق دليل مشاة البحرية في الثلاثينيات، «الحروب الصغيرة» تكتيك قديم لا يناسب المجتمع الدولي الحديث

الاربعاء 17 شعبان 1423 هـ الموافق 23 أكتوبر 2002 كان الربع الاول من القرن التاسع عشر عصر المغامرات الكبرى للبحارة والجنود من أوروبا وأميركا، فالضباط كانوا يقاتلون القادة والرجال اشداء يتطلعون الى خوض الصعاب بحثا عن عمل. وكان الامر يحتاج ثلاثة اشهر، وعادة اكثر من ذلك، لوصول الأوامر لهم من الوطن. في عصر الانجازات البحرية ذاك، كانت البحرية البريطانية صاحبة اليد الطولى، فيما الولايات المتحدة آخذة في النمو كقوة بحرية سريعا، اما باقي العالم فكان في معظمه غير مستعد بعد لمواجهة التصميم والروح القتالية والتفوق التقني لهؤلاء البيض المفرطين بثقتهم في النفس. ويعيد الكاتب ماكس بوت في الفصول الاولى من كتابه الجديد «حروب السلام الشرسة» يعيد للأذهان ملحمة «اوبرى ـ وماتورين» لباتريك اوبريان بأسلوب شيق جدا، فالكتابان يصفان على سبيل المثال، رحلة الفرقاطة الاميركية «اسكس» التي تحمل 32 مدفعا عام 1812 والتي كانت محورا اساسيا في كتاب «الجانب البعيد من العالم لاوبريان فتحت امرة القبطان ديفيد بورتر تدور «اسكس» حول كيب هورن عند حافة القارة الاميركية الجنوبية باتجاه الجنوب، وتأسر عددا كبيرا من صيادي الحيتان البريطانيين، وتقترب من وضع نهاية كاملة لصيد الحيتان البريطاني في المحيط الهادي، غير ان هذه المرحلة البطولية لم تدم، ذلك ان الاشرعة سرعان ما اختفت من البحار امام ظهور المحركات البخارية، السفن الخشبية سرعان ما خرجت من البحر لتفسح المجال للسفن الحديدية. كما ان الاتصالات كانت آخذة بالتطور باضطراد في مقابل تراجع استقلالية قادة السفن ومغامراتهم كما تغير ايضا موقع اميركا العالمي وأصبحت سياساتها ودوافع هذه السياسات اكثر تعقيدا. اضف لذلك المعارضة في «الحروب الصغيرة» التي كانت تنشب في الاجزاء البعيدة من العالم بدأت تكتسب اسلحة الغرب وأفكاره مثل الليبرالية والاستقلال وأصبحت عموما اكثر صعوبة في التعامل معها. تبدأ الاحداث في كتاب بوت عام 1804 بحرب السنوات الست في البحر المتوسط، حينما هاجمت البحرية الاميركية حكام المغرب وثلاث ايالات اخرى تابعة للدولة العثمانية في القسطنطينية هي الجزائر وطرابلس وتونس بذريعة تمويل حكوماتها عبر الاستيلاء على السفن الاوروبية والاميركية وبيع حمولاتها وطواقمها لمن يدفع اكثر وهو ما كان موضوعا تتناول اوبرات شائعة من موزارت الى روسيني. وكان اكثر من مئة اميركي قد وقعوا اسرى بين وادي الجزائر عام 1794 حينما صوت الكونغرس الاميركي بهامش اغلبية صغير جدا للتعامل مع هذه القضية بطلب بناء ست سفن جديدة للبحرية الاميركية ويسرد بوت وهو المحرر في صحيفة «وول ستريت جورنال» السلسلة الدرامية من المآثر والاخفاقات والنجاحات التي تتالت بعد ذلك ولم تنته الا عام 1815 حينما افلح القبطان البحري الاميركي ستيفن ديكاتور في الحصول على موافقة حاكمي الجزائر وطرابلس على دفع تعويضات كبيرة واطلاق سراح كل الاسرى الاميركيين. وكانت حرب السنوات الست اول مناسبة تسعى فيها حكومة الولايات المتحدة للاطاحة بحكومة اجنبية، وهي حكومة يوسف القرمنلي في طرابلس، لكنها فشلت في ذلك. وفي هذه الحرب قتل 35 بحارا وجنديا اميركيا وجرح 64 غيرهم. وينتهي الجانب السردي من كتاب بوت بعد قرن ونصف من ذلك في حرب فيتنام التي شهدت مقتل 58 ألف أميركي و1.2 مليون فيتنامي. وفيما بين هذه الطرفين المتباعدين تباينت الى حد كبير نطاقات وأهداف الحروب الصغيرة الكثيرة التي خاضتها اميركا، على الرغم من ان الاعداد الصغيرة نسبيا من البحارة والجنود الاميركيين الذين شاركوا بهذه الحروب قد اثبتوا خبرة وشجاعة ثابتتين. وقد سمحت مبادرات وعبقرية وشجاعة من القادة الاستثنائيين لمجموعات صغيرة من الرجال بأن تهزم اعداء اكثر عددا وتتجاوز عقبات طبيعية هائلة ففي عام 1804، ارتدى الكوماندر ديكاتور زي تاجر مالطي وقاد سفينة استولى عليها ليدخل ميناء طرابلس تحت نيران مدفعية حصنها الرئيس ويصعد على الفرقاطة الاميركية الاسيرة فيلادلفيا ويقاتل طاقمها الليبي ويشعل فيها النيران. وقد ويصعد اللورد نلسون هذه المعركة بأنها «اكثر اعمال العصر جرأة». ولاحقا استطاع سميدلي باتلر وهو من مشاة البحرية الاميركية ان يضع معايير جديدة ارفع شأنا للقيادة والشجاعة والمبادرة في كل الحروب الصغيرة ابتداء من ثورة البوكسر في الصين عام 1900 الى حروب الفلبين ونيكاراغوا والمكسيك اضافة للحرب العالمية الاولى حيث اصبح يعرف بلقب «الجنرال داكبورد» لمهارته في توظيف تقنيات الطوافات البسيطة الى ابعد حد في تقدم جنوده. وعاد لاحقا الى الصين عام 1927 وحينما تقاعد اصبح باتلر مناهضا للامبريالية وداعيا للسلام، بعد ان امضى معظم حياته جنديا في مشاة البحرية وكتب عام 1935 ليصف عمله بأنه «رجل عضلات من الطراز الاول في خدمات الشركات التجارية الكبرى وبورصة وول ستريت والمصارف». ومن مشاة البحرية الآخرين الذين يذكرهم بوت، هناك «المقاتل فريد» فانستون الذي اجبر المكسيكيين ذات مرة على بناء مصارف صحية تحت التهديد بنيران البنادق. كما ان تشيتي بولر، القائد الشهير الآخر في تاريخ هذه البحرية الاميركية قاد الفصيلة «إم» المخيفة من الحرس الوطني النيكاراغوي خلال القتال ضد نظام ساندينو وأخذ يعرف باسم «النمر». وابتداء بحروب السنوات الست في سواحل شمال افريقيا، يصف بوت ما يسميه فقدانا متدرجا للبراءة في المغامرات العسكرية الاميركية اللاحقة خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وكانت الادارات الاميركية المتعاقبة مصممة على تجنب وصمة الاستعمار الاوروبي واكتساب اراضي الاخرين بالقوة، لكن هذا لم يكن سهلا دوما. فبعد هزيمة الاسبان في كوبا ثم في الفلبين عام 1898، ادت الحملة الاميركية ضد المقاومين الفلبينيين لاثارة معارضة العديد من الاميركيين المعروفين مثل جروفر كليفلاند وصامويل غومبرز ووليام جيمس وجين آدامز ومارك توين. بل ان اندرو كارينغي عرض شراء هذه الجزر بعشرين مليون دولار لتحرير. اما الرئيس الاميركي ماكينلي حينها فبعد الكثير من التفكير وصف السيطرة الاميركية على الفلبين بـ «الهضم الرحيم» غير ان تكاليفه كانت باهظة فلأجل اخماد المعارضة في الفلبين كما يقول بوت «قتلت القوات الاميركية وفق احصائياتها هي 16 ألف فلبيني في المعارك. كما قتل ايضا حوالي 200 ألف مدني سقطوا ضحايا للمرض والجوع والفظائع من كلا الجانبين «وبشكل حتمي، اصبح قمع الثورات المحلية في الخارج اكثر فأكثر شبيها بالاستعمار الأوروبي.في الكاريبي اجتمعت عدة دوافع اقتصادية واستراتيجية وتجارية ووطنية لغرض عصر سلم اميركي بهيمنة اميركية فبهدف ضمان امن موقع قناة بنما شجعت اميركا المتمردين الكولمبيين على تأسيس جمهورية بنما الجديدة التي اعترفت بها الولايات المتحدة عام 1903. ويصف بوت كيف ان الرئيس الاميركي تيودور روزفلت الذي اتهم بارتكاب «عملية غزو قذرة» قد طلب من وزير العدل في ادارته التقدم بدفاع ضد الاتهامات بقضية قناة بنما. ويقال ان وزير العدل فيلا ندر نوكس الذي كان هو من صاغ عبارة «دبلوماسية الدولار قد رد على الرئيس الاميركي بقوله: «فخامة الرئيس لا تسمح لمثل هذا العمل العظيم بأن تشوبه اي شائبة قضائية». ويمكن تلخيص مبدأ تيودور روزفلت للتدخل الخارجي في المقطع الذي يورده بوت من رسالة روزفلت الى الكونغرس عام 1904 جاء فيها: «ان الادمان على ارتكاب الاخطاء، او العجز الناجم عن تراخي روابط المجتمع المتحضر، يمكن لها في اميركا مثل اي مكان آخر، ان ايتطلب بشكل لا يمكن تجنبه تدخلا من جانب دولة متحضرة، وفي النصف الغربي من كرتنا الارضية يمكن لالتزام الولايات المتحدة بمبدأ موزو ان يجبر الولايات المتحدة ومهما كانت النتائج في مثل حالات ارتكاب الاخطاء السافرة او العجز هذه ان تمارس دور شرطي دولي». ان هذه البيان الذي صدر قبل وقت كبير من ولادة اي منظمة دولية، توفر قاعدة سلطوية وبسيطة للقضية التي لا تزال مثيرة لجدل كبير، الا وهي التدخل الخارجي. اما الرئيس الاميركي الذي خلفه، وودر ويلسو، فقد كان يؤمن بالقوة الاخلاقية ولهذا كان اكثر ميلا للتدخل العسكري بصورة غالبة. وقد قال ويلسون: انا ماض لأعلم جمهوريات اميركا الجنوبية كيف تنتخب رجالا طيبين!». وقد اتبع هذه السياسة فعلا في جمهورية الدومينكان (1914) وهاييتي (1915).وتحول الكاريبي بشكل متفاوت الدرجة الى بحيرة اميركية قد كان له عواقب عديدة من وجهة نظر بوت. فقد ابقى القوى الدولية خارجه. كما ارسى درجة لا بأس بها من الاستقرار وبنى، مؤقتا على الاقل، بنية تحتية ادارية في الدول التي تدخلت بها الولايات المتحدة. وفي جمهورية الدومينكان على سبيل المثال كما يقول بوت «فإن النظام التعليمي بتوجيهات اميركية قد اعيد رسمه (وازداد عدد الطلاب خمسة اضعاف) وبنيت الطرق ونظفت السجون وفرضت انظمة الصرف الصحي وطورت المستشفيات وأصلح النظام الضريبي» لكن بعد ان غادر مشاة البحرية بدأت هذه البنية التحتية تتداعى مثلما تداعت الارادة بارساء نظام ديمقراطي وبدأ الحطام الطغاة بالظهور مثل سوموزا وتريجيلو ودوفالييه.وعمليات التدخل تلك اعطت الولايات المتحدة تدريبا فريدا على الحروب المضادة للعصيان والتقنيات الجديدة للقتال. فأول مرة تنفذ بها المقاتلات الاميركية القصف الجوي بانقضاض عمودي في عمليات دعم جوي قريب للقوات البرية كان اثناء إغاثة الحامية الأميركية المحاصرة في اوكاتال في نيكاراغوا عام 1927. كما ان مطاردة القوات الاميركية لبانشو فيلا في المكسيك عام 1916 بقيادة جاك بريشنغ، او «جاك الاسود» اعطت بيرشنغ ورجاله تدريبا قاسيا عشية دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الاولى. غير ان سياسة «الجار الطيب» التي ارساها الرئيس فرانكلين روزفلت وضعت حدا لجهود الولايات المتحدة القضاء على الانقلابات غير الدستورية في الدول المجاورة لها جنوبا. اذ ان، وبكلمات بوت، «الدكتاتورية كانت عنصرا اصيلا اما الديمقراطية فكانت عضوا غريبا مزروعا في هذا الجسد دون نجاح والسبب جزئيا هو ان الولايات المتحدة ما كانت لتبقى طويلاً لحماية هذا العضو حتى يترعرع. «وبالطبع لو ان اميركا كانت بقيت في تلك الدول لكانت بدت وقد انضمت الى صفوف الدول الاستعمارية التي كان فرانكلين روزفلت وعبر ميثاق الامم المتحدة مصمما على تصفية مستعمراتها والتخلص منها نهائيا آخر المطاف.وحرب فيتنام هي آخر حدث يتناوله بوت تحليلا بالتفصيل في كتابه ويتوصل الى انه بسبب تجارب وتقاليد الحروب الصغيرة قد نسيت في خضم الحرب الباردة، فإن فيتنام التي كان يفترض بها ان تكون «حربا صغيرة» قد اديرت باستراتيجيا وتكتيكيات حرب كبيرة وبوحدات عسكرية كبيرة وهو يرى ان قوات خاصة اصغرها حجما وأفضل تدريبا كانت ستكون اكثر فاعلية وقد اعطت القيادة الاميركية عن خطأ للسيطرة على اجزاء كبيرة من الأرض اهمية اكثر من حماية المناطق الاكثف سكانا. وكان بمقدور عمليات مضادة للعصابات المقاتلة يقوم بها جنود متطوعون واسعو الخبرة ان تنجح اكثر من الملايين الثانية من اطنان المتفجرات التي القتها القوات الجوية الاميركية. وحتى لو خسرت اميركا الحرب حينها لكانت الخسارة اقل تكلفة وايلاما لكن الذي حصل هو عكس ذلك، حيث كانت النتيجة التي استخلصها القادة العسكريون الاميركيون هي تجنب خوض اي حرب صغيرة نهائيا في المستقبل.هذه الحالة الذهنية اصبحت متبلورة في المبدأ الذي طوره كاسبر واينبرغر وكولن باول الذي وضع معايير اقحام قوات اميركية في اي معركة ويقول هذا المبدأ ان الموقف يجب ان يكون حساسا جدا بالنسبة للولايات المتحدة ومصالحها وان الجند يجب ان يكونوا ملتزمين «باخلاص وبنية واضحة لتحقيق النصر»، وان يعاد تقويم العلاقة بين الوسائل والغايات «باستمرار ويعاد ضبطها عند الضرورة»، وان يتم ضمان الشارع والكونغرس الاميركيين للحرب بشكل معقول، وان يكون القتال «الخيار الاخير» والى جانب كل هذه الشروط يضيف بوت شرطا مسبقا آخر للحرب وهو ان تكون «كل المعارك التي تنخرط فيها قوات اميركية قد وضع لها مسبقا استراتيجية خروج» لكنه كما يقول لاشيء يناسب قائمة شروط باول مهما كان بعيدا عن حرب عالمية ثالثة كما تبدو وكأنها تستبعد حتى عمليات حفظ السلام بعد الحرب الباردة.مبدأ واينبرغر/ باول هذا يعكس المزاج الاميركي الحذر ما بعد فيتنام وعدم رغبتها في التورط بأي عمليات غزو خارجي وحتى عملية «عاصفة الصحراء» توقف الجزء البري منها بعد 100 ساعة من بدايتها والانسحاب السريع من الصومال بعد فقدان 18 جندياً اميركياً كان اشارة للآخرين في رواندا على سبيل المثال، الى ان الولايات المتحدة لن تتدخل في صدامات قد تسفر عن مقتل اميركيين ففي يوغسلافيا السابقة لم يسمح للناتو بالتدخل حتى جويا الا في النهاية ولم تدخل قواته البرية الا بعد توقيع اتفاق دايتون. واصبح تجنب الخسائر البشرية هو الاولوية رقم واحد على قائمة الاولويات الاميركية او انه هكذا بدا للعالم على الاقل ويقول بوت ساخرا، ان «صواريخ كروز اصبحت في التسعينيات العتاد العسكري المفضل لدى اميركا لخوض الحرب». ففي كوسوفو كانت الاولوية الاولى لاميركا عدم فقدان مقاتلة، ومروحيات الاباتشي التي نراها اليوم تقصف الفلسطينيين، لم تستخدم في كوسوفو مع انها ارسلت الى المنطقة ويقول بوت: «انها اخلاقية غريبة، ان نولي اهمية اكبر لمنع فقدان جندي اميركي واحد تطوع للقتال محترفا في مقاتلة اميركية مانوليه لمقتل مئات بل ألوف من المدنيين الكوسوفيين».لكن الى اي حد غير 11 سبتمبر والحرب على افغانستان هذه الحالة؟ من الناحية التكتيكية، حالة في صالحه «الحروب الصغيرة» وتقنيتها وذلك باستخدام عدد صغير من القوات الخاصة عالية التدريب، على الرغم من انها تقاتل تحت دعم قوات جوية هائلة كما ان الهاجس القديم بالخوف من الخسائر البشرية قد تراجع قليلا غير ان سياق وهدف «الحروب الصغيرة» قد تغير بشكل جذري حتى اكثر مما فعل في القرن التاسع عشر حينما بدأ الناس في كل انحاء العالم يحصلون على اسلحة غربية ويتبنون افكارا غربية، فمنذ 11 سبتمبر تخوض الولايات المتحدة وحلفاؤها صراعا وليس «حربا صغيرة» بل وربما ليس حربا نهائيا وفق اي معنى للكلمة ـ صراعا مع مؤامرة خفية لكنها عالمية وغير قومية وانتحارية تقوم بتحويل الكراهية الى مبدأ وتنفذ حربها عبر تحريف غير مسبوق للتقنية الغربية وتحويل تقنياتنا التي ابتكرها الى اسلحة ضدنا فالتقنية المتطورة والمباني المرتفعة والطائرات الضخمة والاعتماد على الحاسبات بل وحتى بعض اسلحة الدمار الشامل بسيطة الصنع كلها تحولت الى اسلحة زهيدة التكلفة وقوية ضد الاقوياء والاغنياء وفجأة اصبح عصر «حروب السلم الصغيرة» بعيدا جدا عنا.في الايام التي تلت 11 سبتمبر مباشرة بدا ان من الممكن ان يتوحد العالم ضمن الامم المتحدة ليواجه هذه الظاهرة المخيفة الجديدة فقد سارع مجلس الامن الدولي بالمصادقة على حق الولايات المتحدة في الدفاع عن النفس وفقا للفقرة 51 من ميثاق الامم المتحدة بل وشرع في صياغة مقترحات مفصلة للعمل الوطني والدولي ضد الارهاب لكن الشهور اللاحقة افرزت صورة مختلفة جدا وقد لا يكون غريبا ضرورة ان تتقدم الولايات المتحدة الصفوف في اي عمل عسكري في افغانستان، لكن بعض من المضامين الاوسع للمفهوم الذي صاغته اميركا لحربها ضد الارهاب ربما اثبت في نهاية الامر انه مرعب لحلفاء اميركا بقدر ماهو كذلك لاعدائها. وهنا يقوم ماكس بوت بايراد مقتطع من «دليل الحروب الصغيرة» لقوات مشاة البحرية في الثلاثينيات جاء فيه ان الهدف الرئيسي للقوات الاميركية في الحروب الصغيرة هو الى جانب الاهداف الدبلوماسية وغيرها «ارساء ودعم القانون والنظام وذلك بدعم او استبدال الحكومة المدنية في الدول او المناطق التي تتعرض فيها المصالح الاميركية للتهديد». وبعد حوالي 60 عاما على ذلك تصف هذه الكلمات بدقة العمليات الاميركية في افغانستان.وما يبدو انه حاصل الآن هو تطبيق اوسع بكثير لهذه الفكرة ففي خطابه امام خريجي كلية وست بوينت العسكرية في يونيو الماضي، وضع جورج بوش مبدأه الاستراتيجي الجديد القائم على الضربة الوقائية التي يجب ان تكون لدى «مؤسسة عسكرية مستعدة دوما لتضرب فور تلقيها الاوامر في اي ركن مظلم من العالم»، وهذا المفهوم الجديد يعني ان الولايات المتحدة تتخلى عن سياستها القديمة القائمة على الاحتواء والردع تستخدم الضربة العسكرية الوقائية اينما وجدت ذلك مناسبا ضد «حكام طغاة غير متوازنين يملكون اسلحة دمار شامل» وضد «شبكات الارهاب التي تعمل في الظل». ومالم تخضع كل الحكومات الاخرى في العالم وتقبل الهيمنة الاميركية وحريتها الكاملة في العمل فان هذا المبدأ يصبح هجوما اخطر بكثير على النظام الدولي من الخطوات الفردية السابقة التي قامت بها ادارة بوش بما في ذلك رفض اتفاقية كيوتو وغيرها من المعاهدات الدولية الى جانب اللفظ السائد في مجلس الامن حول حصانة الجنود الاميركيين في القوات الدولية لحفظ السلام من المثول امام المحكمة الجنائية الدولية المؤسسة حديثا، والضربة الوقائية الانفرادية حتى لو كانت موجهة ضد الشبكات الارهابية تمثل لطمة في الوجه لميثاق الامم المتحدة الذي يحظر اي استخدام للقوة خارج الحدود باستثناء الدفاع عن النفس ضد هجوم مسلح عبر الحدود الدولية او تنفيذا لقرار من مجلس الامن ومن المؤكد الآن اذا ما رأت دول اخرى مجاراة الولايات المتحدة في المطالبة بحق الضربة الوقائية الانفرادية فان العالم بأكمله سيتحول سريعا الى فوضى دولية. وفي الاسابيع الاخيرة تحول الحديث عن الضربة الوقائية من الهدف الاصلي لها وهو «الحرب ضد الارهاب» ليركز الآن على الحكومة العراقية بزعامة صدام حسين الذي رغم عدم توفر اي دليل على علاقته بالقاعدة فقد استخدم قواته المسلحة ضد جارين له واستخدم الاسلحة الكيماوية وكان يحاول تطوير اسلحة دمار شامل.على الرغم من ذلك فان فكرة ضربة وقائية اميركية انفرادية ضد العراق لتغيير الحكومة او للتخلص من اسلحة العراق قد سببت جدلا عالميا فمثل هذا العمل سواء أكان من الناحية العملية أم القانونية، يجب ان يكون قائما على منطق واضح بخصوص اهدافه وضرورته وعلى دعم دولي واسع له ايضا وربما كان من المفيد هنا تذكر ما حصل حينما حاولت بريطانيا وفرنسا عام 1956 التخلص من جمال عبدالناصر في مصر تحت ستار حفظ السلام في الشرق الاوسط ووجدتا نفسيهما وحيدتين تقريبا في عالم معاد دون الحاجة لذلك.وهذا الجدل الدولي الآخد بالتشكل الآن عليه التوصل لتوازن عملي بين الخطر الفعلي الذي يمثله الرئيس العراقي واذا ما كان لديه اسلحة دمار شامل قابلة للاستخدام والنتائج بعيدة المدى لضربة وقائية على الشرق الاوسط وغيره من انحاء العالم والاهمية البعيدة المدى والحيوية ايضا لارساء نظام يحكم بالقانون على العلاقات الدولية.وهذا سيكون اختبارا للجميع خصوصا لاولئك الذي يؤمنون بالمؤسسات الدولية والقانون الدولي وانهما على المدى الطويل يمثلان الامل الاقوى بمستقبل سلمي نسبيا. ان الآليات القديمة للحروب الصغيرة لن تحل الخطر الراهن، فحروبنا الصغيرة في الماضي كانت تقوم على تفوق جوهري مفترض بالوسائل والغايات على السواء، غير ان هذا الافتراض مشكك فيه الآن على نحو خطر فاليوم اصبحت اكثر انحاء العالم بعدا واكثر الجماعات فقرا واكثر الحركيين عزلة قادرون على الحصول على مجموعة متنوعة جدا من المعلومات والامكانيات للقيام بعمل مدمر وبتكاليف زهيدة ومن العمليات العسكرية في افغانستان تبدو في مرحلتها الاولى على الاقل ناجحة نسبيا على مستوى الصورة العامة ومتفقة جدا مع الهدف الذي وضعه «دليل الحروب الصغيرة» لمشاة البحرية في الثلاثينيات، الا ان المرحلة التالية المرحلة الاستراتيجية للحرب ضد الارهاب، تتطلب اكثر من مجرد عمل شرطي صارم في طول العالم وعرضه وقوة عسكرية وقوات عالية التدريب، حتى يمكن لهذه الحرب ان تنجح عليها ان تكون حربا تهدف منح الناس حياة افضل واحتلال الارضيات الاعلى اخلاقيا وسياسيا وممارسة قيادة عالمية خيرة بالتنسيق مع الدول الاخرى هذه الحرب ستكون اكثر تطلبا واكثر تعقيدا من مجرد نصر عسكري ولهذا ستكون اكثر امتدادا في بعدها الزمني. بقلم: بريان أوركهات ترجمة جلال الخليل عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات