كتاب ـ الجيل الشامخ منتصب القامة ـ الاخيرة ـ المستشارون اليهود رأس حربة ضد عرب 1948، الحوار الأكثر أهمية في إسرائيل يمر بالبحث عن توازن سياسي وقيمي جديد

الاربعاء 17 شعبان 1423 هـ الموافق 23 أكتوبر 2002 عكست ردود فعل وزراء حكومة باراك على أحداث أكتوبر عام 2000 في المناطق المحتلة، وداخل منطقة الخط الأخضر، مدى احراج وارتباك هذه الحكومة التي جاءت إلى السلطة بفضل مساعدة الأصوات الفلسطينية، اذ بدأت الحكومة الإسرائيلية تفيق على الواقع، خاصة بعد تلك الأحداث والتقرير الذي صدر عنها ، فقد شعر المبادرون لوضع التقرير، بأن الأوان قد حان، لطرح حلول حول الجدل العام الذي يدور في الساحة السياسية الإسرائيلية فيما يخص حقوق العرب في الأراضي المحتلة عام 1948، والتي لم يجرؤ التيار المركزي في إسرائيل على التفكير بها في السابق. ويعود الفشل والاخفاق الإسرائيلي المستمر ازاء معالجة قضايا السكان الفلسطينيين، إلى المشورات غير الموفقة لزعامات الدولة وقياداتها، اذ يتم استخدام (خبراء الشئون العربية) بناءً على خلفيتهم المهنية العسكرية والأمنية، الأمر الذي يؤدي إلى افراز نبوءة حققت نفسها، حيث أن كثيراً من هؤلاء الخبراء تحركوا ضمن مسار واحد ثابت، ولهم ارتباطات شخصية في أقسام الأبحاث لدى الأجهزة الأمنية، أو في وظائف رفيعة في احدى الأجهزة الحكومية أو في مراكز الأبحاث والدراسات في الجامعات، وفي وظائف استشارية تابعة لجمعيات ذات قوة كبيرة، مما جعل هؤلاء الخبراء ينظرون للفلسطيني الذي يعيش داخل «إسرائيل» باعتباره يشكل تهديداً أمنياً وخطراً ديموغرافياً. وهذا الأمر لا يعكس الحقيقة، بل ان الاتجاه الأمني والعسكري في التعامل مع العرب في الأراضي المحتلة عام 1948، أدى إلى فشل استخدام الطاقة الايجابية الكامنة في هذه الفئة وتطبيقها بصورة بناءة. وعمل القائمون على الأجهزة الأمنية على تبرير واستنساخ التوجه الأمني الإسرائيلي الذي يخلد سياسة هيمنة الأغلبية على الأقلية، وبالتالي أدى هذا التوجه إلى تعاظم الوعي المغاير والانفصال لدى المواطنين الفلسطينيين، بل انه أدى إلى تعاظم شعور العداء لديهم. وهذا الأمر يعزز مكانة (الخبراء) الذين ستتصاعد مكانتهم وأسهمهم، وفي الجولة المقبلة سيتم قبول مشورة (الخبراء) بجدية أكبر، وهكذا دواليك، ستستمر حلقة الفشل والاخفاق التسلسلي الإسرائيلي في التعامل مع الفلسطينيين العرب في «إسرائيل». أوضاع لا تطاق ان المستشارين الحكوميين للشئون العربية، بشكل عام، هم أشخاص من ذوي الميول السياسية المتطرفة، وبعضهم من الليبراليين ذوي النوايا الحسنة، غير أن القاسم المشترك الذي يجمعهم هو المفهوم الأمني الضيق ذو الهدف المحدد، ألا وهو الاستعداد الذي لا يتوقف للأسوأ. وعندما يتضح ـ كما هي الحال خلال تلك الأيام الفظيعة من أكتوبر 2000 ـ بأن نمط التفكير العسكري بمثابة اطار لتحطيم وتدمير كل أمل في التعايش بين الشعبين (اليهودي والفلسطيني)، يكون الأمر متأخراً جداً. ومن جهة أخرى فان كتابة واعداد التقرير الطارئ، كان إلى حد كبير بمثابة محاولة لطرح بديل لهذا النمط من التفكير على القيادة السياسية لإسرائيل وللجمهور بأكمله. وكان التقرير قد حمل توصية سياسية لاحداث اصلاح فعلي وحقيقي في أوضاع المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، فمن غير المعقول مثلاً ما يحصل في دائرة الأراضي والتي هي مسألة مخالفة لمبادئ المساواة والديمقراطية، كما أنها تتجاهل الاحتياجات المتزايدة للمجتمع الفلسطيني، فالفلسطينيون الآن يشكلون ما نسبته أكثر من 17% من سكان «إسرائيل» ويمتلكون 3.5% من مجموع أراضي الدولة. أما مساحة الأراضي التابعة للسلطات المحلية العربية والتي سيسكن فيها العرب، فلا تتعدى نسبة 2.5% من مساحة الدولة، فجهاز التخطيط ينظر للعرب نظرة هامشية واقامة قرى ومدن جديدة لهم يُعد بمثابة حلم خيالي. ولازالة هذا الاجحاف البنيوي الذي يميز أجهزة التخطيط، ينبغي اعادة تنظيم دائرة أراضي إسرائيل والمؤسسات الأخرى، بحيث يتم اتخاذ القرارات وتخصيص الأراضي والتطوير عبر سياسة تضمن تمثيل جميع مواطني الدولة. كما أنّ عملية تخصيص الأراضي يجب أن تقوم على أساس حجم السكان واحتياجاتهم، وليس على أساس هويتهم العرقية. كما ينبغي الكف عن مصادرة الأراضي العربية بحجة الاستخدامات العسكرية، بالاضافة إلى اعادة الأراضي التي صادرتها «إسرائيل» من السكان الفلسطينيين، لا سيما تلك الأراضي غير المستخدمة، وكذلك اعادة أموال وثروات الأوقاف. كما يتوجب الاهتمام بتخصيص مزيد من الأراضي لأغراض عامة للسلطات المحلية العربية. وينبغي تنظيم مشروعات للبناء والاسكان الشعبي في الأوساط الفلسطينية لا سيما في المدن. على أن لا يؤثر ذلك على احتياطي الأراضي الاستيطانية، مع ضرورة افساح المجال أمام بنى تحتية مناسبة للسكن والخدمات والأشغال. ان السلطات المحلية العربية تعاني من أوضاع لا تطاق. فمن جهة الفقر، تشير الدراسات إلى أن 75% من الجماعات الفقيرة والضعيفة جداً في إسرائيل هم من الفلسطينيين، وفي الثلاثة أعشار العليا من المدن في إسرائيل لا توجد بلدة واحدة من الوسط العربي، ورب الأسرة العربي يعيل 50% أفواهاً أكثر من نظيره اليهودي، كما أن أقل من الخُمس كل عام يحصلون على شهادة التوجيهي، قياساً للإسرائيلي اليهودي، ومستوى البطالة في الوسط العربي يصل إلى 15% وهو أعلى بحوالي 60% من النسبة العامة للبطالة بين جميع سكان إسرائيل والتي تصل إلى 9%. ومن جهة أخرى، فان السلطات المحلية غير قادرة على توفير خدمات الرفاه بصورة معقولة لسكانها. ففي عام 1999 حصلت السلطات المحلية العربية التي تقدم الخدمات لحوالي 12% من مجموع السكان (باقي الفلسطينيين يعيشون في المدن المختلطة)، على 8% فقط من الميزانية التي خصصتها الدولة الإسرائيلية للسلطات المحلية، بعبارة أخرى فان نفقة الشخص في البلدات الفلسطينية هي ثُلثا نفقة الشخص في المدن اليهودية، كما أن مصادر الدخل المستقلة ضئيلة جداً، فشريحة السكان العرب فقيرة والدخل من ضرائب أملاك المنازل قليل، وفي ظل غياب بنية تحتية للعمل والصناعة والسياحة، فان الأمر يزداد سوءاً. ومن جهة أخرى، فان ادارة السلطات في كثير من المجالات ليست سليمة، والسياسة الضريبية ليست ناجحة، وليس عجيباً أن يكون اجمالي العجز المالي المتراكم لعام 1998 لدى السلطات المحلية الفلسطينية في إسرائيل قد وصل إلى 800 مليون شيكل. ولمعالجة الأوضاع السيئة للبلدات والقرى العربية، يتوجب على الكنيست ارساء برامج وخطط استراتيجية بموجب القانون متعدد السنوات، ترفع من مستوى الميزانية إلى أن تتساوى مع تلك التي تحصل عليها البلدات اليهودية. كما ينبغي على وزارة الداخلية الكف عن تعيين موظفين يهود كرؤساء في السلطات المحلية العربية، والعمل بعزم ومن دون تأخير لتحسين الأداء الاداري فيها، كما أن البلدات التي يقطنها أكثر من 15 ألف نسمة ينبغي أن تحصل على مكانة «مدينة»، وأن تحصل على ميزانيات تتناسب مع الاحتياجات الخاصة بها. ويتوجب أيضاً اتباع اجراءات اصلاحية، لتطوير البنى التحتية في جميع البلدات الفلسطينية على غرار ما حدث في أعوام التسعينيات بالبلدات الدرزية، والاستثمار في البناء العام للسكن والمباني العامة والغاء جميع أشكال الاجحاف بالخطط الخاصة بقروض الاسكان للمستحقين وتكثيف خدمات الرفاه. أما في مجال التعليم، فان الأقلية الفلسطينية في إسرائيل قد فقدت بعد حرب 1948 الاستقلالية التعليمية التي كانت لديها في السابق. حيث أنشأت إسرائيل على أنقاض جهاز التعليم الانتدابي سياسة تعليمية، ألغت تأثير الجمهور الفلسطيني على واقع التعليم، كما أن الدولة الإسرائيلية استخدمت جهاز التعليم كأداة لتحقيق السيطرة العقائدية، والعمل على طمس معالم الهوية الفلسطينية، فأهداف التعليم في إسرائيل لا تعكس كون الجالية العربية أقلية قومية وجزءاً من الشعب الفلسطيني، تعمل على ايجاد مواطنين خانعين لا هوية لهم.ويعاني العرب في الأراضي المحتلة عام 1948 من الحجم الضئيل للامكانيات التعليمية، فعدد المدارس الخاصة التي يملك خريجوها، أملاً ضئيلاً في مواصلة تعليمهم بمؤسسات التعليم العالي، عدد بسيط جداً، كما ان المدارس التي تعنى بالمجال التكنولوجي والمهني في الأوساط العربية هي مدارس بسيطة الامكانيات، ولا تمنح شهادة «التوجيهي» ـ الثانوية العامة.ومن أجل تغيير هذا كله، يجب منح الجمهور الفلسطيني استقلالاً ذاتياً تعليمياً كاملاً بواسطة ادارة تعليم مستقلة، تعمل ضمن اطار وزارة التعليم، لكن مع المحافظة على استقلال مطلق فيما يتعلق بتعيين المعلمين وتحديد الأهداف والمضامين، التي يجب أن تبرز الاعتراف بالتاريخ والحضارة والثقافة العربية والهوية الفلسطينية، كما أن هناك ضرورة لتحويل التعليم من شكله المحافظ، الذي يقوم على نقل المعلومات آلياً، إلى شكل أكثر حداثة يقوم على الابداع والتفكير الاستقلالي، مع التأكيد وبشكل خاص على انشاء مدارس تقنية متقدمة، بالاضافة إلى توفير المعدات والحوسبة، وذلك كي لا يفصل (خط الفصل الرقمي) بين اليهود والفلسطينيين، وفي موازاة ذلك تتخذ اجراءات مدروسة وطويلة المدى لتعميق دمج المواطنين الفلسطينيين في مجال التعليم العالي. إجحاف وإهمال من الواضح أن هناك علاقة وثيقة بين الفقر وعدم التطور والبطالة في الوسط الفلسطيني، وبين السياسات الحكومية التي تقوم على الاجحاف والاهمال، اذ أن حكومات إسرائيل بكاملها ـ باستثناء حكومة رابين في بداية التسعينيات ـ أقرت دائماً ميزانيات طفيفة جداً للبنى التحتية والتعليم والصحة في الوسط العربي، وهذه الموازنات المالية الصغيرة تهدف إلى ابعاد المواطنين والبلدات الفلسطينية عن الدعم الحكومي والحقوق الممنوحة لنظرائهم من اليهود، لأغراض التطوير أو جراء الخدمة العسكرية.ويعاني الفلسطينيون في داخل «إسرائيل» من اجحاف آخر، فعلى صعيد تخصيص الأراضي والمياه، هناك قيود تحول دون مشاركة العرب في نشاطات اقتصادية متميزة، مثل الأعمال المصرفية والاستيراد. والفجوة بين العرب واليهود ظلت راسخة منذ عهد الحكم العسكري، مع مصادرة الأراضي والقيود المفروضة على وسائل الانتاج، وعلى الحركة والعمل، الأمر الذي أدى إلى ميراث طويل وسنوات عديدة من عدم التطوير. ولا يزال لدى معظم واضعي السياسة من اليهود منطلقات سياسية، تفترض أن الفلسطينيين من مواطني «إسرائيل» يشكلون خطراً أمنياً وهي ادعاءات ليست موضوعية، ولا صلة لها بأهداف المجموع اليهودي كما يرى واضعو السياسة الإسرائيلية. هذه الفرضيات تدعم وترسخ وضعاً يتم من خلاله تحديد سياسة الحكومة ازاء الوسط الفلسطيني منذ عشرات السنين بواسطة (مستشارين) يهود، مما يخلق تركيباً غير ديمقراطي، سيكون في أفضل الحالات سلطة أبوية، وسيشكل نافذة للانتهازية والفساد. وفي الكثير من حالات الاجحاف بحق الفلسطينيين في «إسرائيل»، يكون الأمر تعبيراً معكوساً عن منح حقوق زائدة لليهود، حتى أن خريطة «مناطق التطوير» يتم اعادة رسمها من جديد بين حين وآخر، بينما البلدات الفلسطينية يغيب عنها التطوير بشكل متواصل. وهناك الكثير من التسهيلات التي تمنحها الحكومة لليهود، ومنها المنح الشخصية في مجال الاسكان، المطروحة لخريجي الجيش فقط، أو للمهاجرين الجدد، وفي المقابل فان المواطنين الفلسطينيين لا يمكنهم أن يحصلوا على هذه التسهيلات، لأنه لا يمكنهم أن يكونوا جزءاً من النظام الأمني، وهو القطاع الذي لا يزال يلعب دوراً مهماً ومركزياً في الاقتصاد الإسرائيلي. كما أن أمل الفلسطيني يتضاءل في مجالات الحاسوب والتقنيات المتقدمة التي تحولت منذ التسعينيات إلى قطاع رائد، لا ينازعه أي قطاع آخر على صعيد النمو الاقتصادي في إسرائيل. ومن هنا يتضح أن الاقتصاد الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة عام 1948 يعاني من أزمة حادة، اذ أن معظم العمال يعملون في مهن (الياقة الزرقاء) وخارج مناطق سكناهم. والمبادرات الاقتصادية في السوق المحلية العربية محدودة، ومعظم المصانع هي أعمال عائلية تركز على الفروع الصناعية التقليدية (مثل الأقمشة والأغذية ومواد البناء)، كما أنها تقوم على تقنيات قديمة، لأن مسألة ايجاد مصادر تمويل خارجية غير متوفرة.ومن المشكلات المهمة التي يعاني منها الاقتصاد العربي في إسرائيل، أن تسويق الانتاج العربي يقتصر على العرب ولا يمتد لليهود أو للخارج. وحتى أن العمل في البناء (والذي يعيل الكثير من العرب) تقلص حجمه في نهاية التسعينيات، وكذلك الأمر في قطاع النسيج والذي يقوم بتشغيل أقل من نصف الطاقة العاملة منذ عام 2001.ولاحداث التغيير المطلوب على الصعيد الاقتصادي واغلاق الفجوات بين الوسطين اليهودي والعربي، فانه يتوجب انشاء سلطة لتطوير البلدات والمجتمع الفلسطيني، على أن تتم ادارة هذه السلطة بواسطة مهنيين، ومجلس عام يضم مندوبين عن المجتمع الفلسطيني من المستوى المحلي المناطقي والقطري. كما أن القاعدة الوحيدة لحقوق الفرد، يجب أن تكون مواطنته وليس انتماءه العرقي، وعلى هذا الأساس تمنح الحقوق وتودع الواجبات. أما الحقوق الشخصية، فانه ينبغي أن تمنح على أسس واضحة وشفافة، فيجب الغاء الأحوال التي تكون فيها الخدمة العسكرية في جيش الدفاع الإسرائيلي (ملعقة) يأكل منها من يعمل في الجيش، وتُمنع عن أي شخص لم يؤدِ الخدمة العسكرية، على أن يتم هذا الالغاء على غرار ما حدث عام 1993 في مخصصات الأطفال والتسهيلات للجنود، التي تحولت إلى تسهيلات مالية لمرة واحدة، أو إلى صندوق اعتماد فردي يكون بامكان الفرد ضمن ظروف معينة أن يسحب مبلغاً مالياً معيناً، كما تم فعل ذلك في اطار سلة الاستيعاب للمهاجرين الجدد في أعوام التسعينيات.يجب أن يتم فصل التعويضات المالية المخصصة للقرى المتضررة، جراء أعمال عدائية، عن الدعم الاقليمي لأغراض التطوير، فالأسلوب المتبع اليوم، يقوم على استبدال حوافز التطوير بالدعم المقدم لمناطق الضائقة الاقتصادية. ان أوضاع مدن التطوير الفلسطينية والمدن البدوية، في النقب والقرى غير المعترف بها والبلدات الحدودية، ينبغي التفكير بشأنها بصورة جدية وفي المعايير نفسها الخاصة، بالاستيطان اليهودي فالحلول يتم اقتطاعها من كعكة الميزانية نفسها. ولأغراض تطوير الصناعة والتجارة في البلدات الفلسطينية، لا بد أن يتم توجيه خطوط الاعتماد لها، ومنحها وسائل تشجيع أخرى. كما يجب أن يتم تحويل موارد تعويض للمناطق الفلسطينية في إسرائيل، على أن يتم فصل هذه التعويضات عن الميزانيات العامة، وتحويلها بصورة منظمة تفتح المجال أمام كل سلطة محلية باستغلالها بموجب سلم الأولويات المحلية. جوهر المشكلة ان المشكلة تكمن في أن الأغلبية اليهودية في إسرائيل، لها أنماط تفكير ثابتة ازاء الأقلية الفلسطينية، اذ يسود مصطلح (الطابور الخامس) لوصف الفلسطينيين الذين يعيشون داخل الأراضي المحتلة عام 1948، هذا التوجه لا يزال يجسد التشريع والأحكام والقرارات والقضاء الدستوري في إسرائيل. وهذا التمييز يبدو واضحاً في تعامل القوانين، مع الوكالة اليهودية، ومع المهاجرين الجدد وخريجي الجيش، اذ يتم التعامل مع كل هؤلاء بصورة ايجابية جداً. وبالمقابل هناك قانون أملاك الغائبين الذي يهدف إلى نقل ممتلكات فلسطينية للدولة الإسرائيلية، ومنها إلى المواطنين اليهود، وهذا هو الحال السائد أيضاً في قوانين الميزانية التي تلحق اجحافاً بالفئات الفلسطينية. وينبغي على الجهاز القضائي أن يتبنى مبدأ (قضاء الاعتذار والاعتراف بالاجحاف)، بحيث يعترف القضاء بالاجحاف التاريخي الذي أصاب الجيل السابق، وفي المقابل يتوجب أيضاً التفكير في ايجاد هيئات بروح لجان المصالحة والحقيقة مثل التي تشكلت في تشيلي وجنوب أفريقيا ورواندا لأجل مواجهة ترسبات الأحداث المأساوية التي تقود إلى الانقسامات السياسية والاثنوقومية. أما في إسرائيل التي تشهد اضطرابات العمال وتظاهراتهم ومظاهرات لليهود المتدينين المتطرفين، فلم تنضج بعد قضية مساواة حياة المتظاهر الفلسطيني بحياة نظيره اليهودي. لذلك ينبغي تشكيل (شرطة مظاهرات) ذات كفاءة ومهارات ومعدات تعمل من منطلق الوعي العميق لشرعية المظاهرات، التي تعتبر أداة ديمقراطية للتعبير وطرح الرأي، وعلى هذه الشرطة أن تمتنع عن استخدام الذخائر الحية. كما يجب المبادرة إلى دورات استكمالية لأفراد الشرطة، ليتلقوا من خلالها تعليماً حول الديمقراطية المدنية، مع التأكيد على مواجهة المفاهيم العنصرية والآراء القديمة والمسبقة، وذلك من خلال التأكيد على وجود مجتمعات متعددة القوميات والثقافات. والأفكار المتعلقة بالتغيير على صعيد الهوية والتعاون المدني ربما تكون الأسهل، غير أنها في الوقت ذاته الأكثر قيمة ومعنى سياسياً، وبعضها يمس عدداً من الأصعدة والمجالات التي هي الأقسى بالنسبة لمعظم اليهود، ويتعلق الاجراء الأول بايجاد شعور من الشراكة المتساوية في الدولة، يتأتى من الاعتراف الرسمي والحكومي بالكارثة الفلسطينية عام 1948، والمقصود من ذلك هو منح الشرعية للمعاناة التي ترافق الفلسطينيين منذ تلك الحرب، وهؤلاء يشكلون خمس سكان الدولة وقد انفصلوا عن وطنهم وشعبهم وفقدوا أعزاءهم وسلبت أملاكهم، كما شاهدوا قراهم وهي تتعرض للحرق والتدمير وأقاربهم في معاناة اللجوء والشتات. إن الاعتراف بذاكرة الفلسطينيين لعام 1948، يشكل شرطاً ضرورياً لبناء مواطنة مشتركة، وعكس ذلك يكرس النفي ويلقي بظلاله المتعبة بلا انقطاع على ضحايا الكارثة، ومن هنا ينبغي القيام بمبادرة تعمل على التخليد الميداني لاربعمئة قرية وتجمع فلسطيني تعرضت للتدمير والخراب عام 1948، بالاضافة إلى الأماكن التي لا تزال بقاياها موجودة ضمن التجمعات اليهودية التي قامت على أنقاضها، كما يتوجب الاعتناء بالبقايا الطبيعية للبلدات الفلسطينية التي تهدمت عام 1948 بما في ذلك المساجد والكنائس، والتوقف بدون تأخير عن الاجراء الفاسد، ألا وهو تحويل المواقع الاسلامية المقدسة إلى أماكن قداسة يهودية، وينبغي أيضاً سن قوانين لتحديد مناسبة (للنكبة) الفلسطينية بحيث لا يكون بديلاً لأية ذكرى يهودية، وانما يضاف اليها. وقد حدث مثل هذا الاجراء في يناير 2000، عندما سن الكنيست قانوناً يحدد التاسع من مايو كيوم ذكرى رسمي لانتصار روسيا على ألمانيا النازية، هذا القانون الذي أطلق عليه (المحاربون القدامى)، يهدف إلى تعزيز الهوية لدى مجموعة معينة في إسرائيل هم المهاجرون الروس، وكذلك يجري تغيير أو اضافة عدد من المقاطع إلى النشيد الوطني وعلم الدولة بشكل يسمح للفلسطينيين بالتعاطف. كما يتوجب على الدولة الإسرائيلية أن تقدم اعتذاراً تاريخياً عن الاجحاف الذي ألحقته بالفلسطينيين، والقيام بسلسلة من الخطوات العملية، ذات المعاني الرمزية الكبرى في اطار التعاون المدني مثل سن وتشريع قوانين لتعويضات مالية مقابل الأملاك الفلسطينية المصادرة، وكذلك سن قوانين هجرة جديدة على قاعدة مدنية نزيهة، وأكثر عدلاً ومساواة، بما في ذلك جمع شمل العائلات، وقبول المسئولية المبدئية من جانب الدولة الإسرائيلية لاجراءات تأهيل ضحايا عام 1948. ولأجل الاعتراف بالهوية الجماعية للأقلية الفلسطينية في اطار المواطنة المشتركة، فانه يتوجب ادخال مادة التاريخ الفلسطيني في برامج التعليم والتدريس، في جميع المدارس العربية واليهودية على حد سواء، كما يتوجب تعميق معارف الطلاب اليهود بالعادات الفلسطينية وأمور الدين الاسلامي ورفع شأن اللغة العربية، حتى في اللافتات على الطرق، وكذلك اعتبار الأعياد الاسلامية والمسيحية مناسبات رسمية، وعلى الاعلام الرسمي أن يتعامل مع الأقليات بشكل ابداعي، وليس من منطلق السلبية وفي حالات الحروب والأزمات فقط، وأن يتناول ثقافتهم بشكل متواصل وايجابي. ما بعد الشرخ إن التقرير الطارئ الذي يحمل عنوان (ما بعد الشرخ) مهم في أوساط الأكاديمية الإسرائيلية، فالذين وضعوه ليسوا من جيل واحد فمنهم نساء ورجال في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من أعمارهم، ويمثلون كادراً واسعاً من المثقفين الذين يؤمنون بحق المواطنة كإجراء طبيعي، بل ضروري أيضاَ. ومعظم واضعي التقرير يمتازون بتفكير نقدي، واتجاهاتهم لا تمثل السائد لدى الجمهور اليهودي ولا طيف الآراء الواردة في الجامعات، بل العكس، والأمر يتعلق بمجموعة ظهورها البارز والكبير لا يتناسب مع حجمها العددي، ولكن أعضاءها لهم دور تقليدي كلاسيكي، أي البدء بمناقشة أفكار هي بالنسبة لكثير من الإسرائيليين لا تزال ضمن دائرة (غير قابل للتفكير) أو على الأقل (غير قابل للتداول)، وبالتالي ضمن هذا المفهوم، فان وضع التقرير يبرهن على مدى أهمية الرؤية الأكاديمية ـ رؤية نظرية مجردة ومنفصلة ـ وتسمح بمناقشة وبحث رؤية بعيدة المدى، دونما علاقة بمدى امكانية تطبيقها في وضع سياسي قائم. من جانب آخر، فان انتفاضة الأقصى والاحساس بالأزمة التي تخيم على الإسرائيليين منذ انطلاقتها تستوجب اجراء لقاء تاريخي دراماتيكي بين الجيل «المنتصب القامة» والأجيال التي سبقته في الجمهور الفلسطيني كما هو لدى الفئة الأكاديمية اليهودية في معظمها، وردود فعل الجمهور اليهودي على الأفكار الواردة في التقرير ـ كما انعكس ذلك في مناسبات عديدة عام 2001 ـ تشير إلى أن الجانب اليهودي هو الآخر لديه عنصر تغير الأجيال. وبالنسبة لأبناء جيل 1948 وهم اليوم في السبعينيات والثمانينيات من أعمارهم، من الصعب عليهم تحمل الأفكار التي يحتويها التقرير. فالتفكير بأن المشروع الإسرائيلي سوف يفتح آفاق المشاركة والتعاطف من جانب الأقلية الفلسطينية أمر لا يطاق في نظرهم، فهم باقون كنواة صلبة وغير قابلة للمساواة، وهم لا يستطيعون قبول فكرة «الديمقراطية الحقيقية»، أي جعل إسرائيل دولة ديمقراطية فعلية عن طريق دعوة انتقادية للأخلاق التي أنشأتها، بما في ذلك فهم آخر لحرب 1948. ومن الصعب بل من المستحيل تخطي حضور وأفكار هذا الجيل لدى كل مناقشة متعلقة بهذه المسائل. صحيح أن معظم أبناء هذا الجيل علمانيون، لكن أحداث عام 1948 منقوشة ومنحوتة في ذاكرتهم، وهم في كل مرة وعلى الرغم من عوامل الزمن الظاهرة على وجوههم فانهم يعكسون انفعالات الغضب تجاه أحداث عام 1948، وهم لا يزالون مستمرين في تذكرها كاجراء أو عملية كونية أحادية، فهي حادثة مميزة حيث الأقلية المضطهدة والضعيفة تفدي نفسها من أسر التاريخ، وبعد مئات الأعوام من الارتباط والخطر، يستمدون القوة من جهة ما ويتحولون في نهاية الأمر أسياداً لمصائرهم. وأبناء هذا الجيل يركزون على مقاطع محددة ومميزة من أحداث عام 1948، وروايتهم غير رواية الدولة الإسرائيلية، وهم شفاهاً يعرفون جميع أنواع الرفض الفلسطيني لمشروعات التقسيم البريطانية عام 1937 والكتاب الأبيض عام 1939 ومشروع التقسيم عام 1947، وهم لن ينسوا أبداً المبادرة الهجومية من قبل الفلسطينيين صبيحة القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة كما انهم يتذكرون الموقف الذي كان بين فصلي الربيع والصيف عام 1948، حين توقف الجهد الإسرائيلي عن التركيز على وعد مشروع التقسيم وتحول إلى عدوان عسكري ينطوي على هدف واضح هو الاستيلاء على أكبر مساحة من الأراضي وأقل عدد من الفلسطينيين. انهم يرفضون التطهير العرقي المبرمج الذي حدث عند نهايتها ـ كما لا يرون وربما لن يروا أبداً ـ بأن جذوة البطولة التي اشتعلت في صدورهم هي النار نفسها التي أحاطت بمئات آلاف الفلسطينيين ـ الذين لا حول لهم ولا قوة ـ وحولتهم إلى لاجئين وأفرزت النكبة، كما أن وعيهم لا يتضمن أية صلة بين العرب آنذاك وبين سكان مناطق الجليل والمثلث اليوم. هذه العملية صعبة جداً بالنسبة لجيل عام 1948 لأنها تضع ظلالاً كثيفة على حزمة الضوء التي رأوا من خلالها حرب إسرائيل من أجل الاستقلال والوجود. انها تطالب بتصورات مختلفة وواسعة تفسح المجال لأصل وجذر فلسطيني. كما كانوا يفضلون التمسك بوهم أن الجانب المظلم لعام 1948 قد زال إلى الأبد. لكن أملهم كان يزداد خيبة. وبدلاً من النسيان الايجابي فانهم مقتنعون بأن كل ما فكروا به وتم اهماله، يعود من جديد ومن اتجاهات غير متوقعة. فالأفكار التي ظلت موجودة طيلة عشرات الأعوام لدى مجموعات هامشية راديكالية فقط، تتغلغل اليوم لدى التيار المركزي وتنعكس لدى خيرة الشباب المتعلمين، وهذا الاحساس يشل قدرة جيل 1948 بخصوص المناقشة الحقيقية لهذه المسائل ويعمل على انزلاق ردود الفعل نحو الغضب والاشمئزاز. ومن جانب آخر، هناك الكثير من الشباب الإسرائيليين الذين يدركون الثمن الذي ينطوي عليه تحويل إسرائيل، إلى دولة ديمقراطية متساوية وليبرالية، غير أنهم خلافاً لجيل عام 1948 ليسوا مقيدين برأي واحد وامكانية واحدة فقط. بل يفلحون وينجحون في التفكير ببدائل أخرى أيضاً، كما أن الأمر يتغير بفهم تقليدي أي الايمان بصحة طريق ما، فالصهيونية هي السبيل الصحيح والثابت في نظرهم، لكنهم في الوقت ذاته يبدون استعداداً لفحص ودراسة طرق أخرى ـ حتى المطروحة هنا ـ ، وفي المناسبات العلنية الكثيرة التي يتم تكريسها لمسائل المواطنين الفلسطينيين ومكانتهم في الدولة الإسرائيلية، يمكن ملاحظة ظواهر أخرى لم تكن معهودة من قبل، اذ أن تركيبة المشاركين تغيرت، ففي الماضي كانوا مقتصرين على نشطاء ومؤيدي اليسار والمحافظين من اليمين.أما اليوم فهم جمهور عريض من التيار المركزي الصهيوني في ظل حضور قليل للفلسطينيين في إسرائيل، لكنه أكثر تفكيراً وأكثر اصغاء للحوار وللنقاش الدائر في الأساس بين اليهود وبين أنفسهم. اضافة إلى أن ماهية وجوهر الحوار هي الأخرى تغيرت، فلم يعد هناك حوار سطحي حول مسألة ان كان يتوجب على الأغلبية اليهودية أن تعطي للأقلية الفلسطينية موارد أكثر، وكم تكون هذه الموارد، وانما تركز الحوار على معضلة صعبة مركزها وأساسها البحث عن توازن سياسي وقيمي جديد. وكثير من الإسرائيليين حتى ضمن أوساط التيار المركزي، باتوا يدركون الآن أكثر من أي وقت مضى، بأن قضية مكانة المواطنين الفلسطينيين لم تعد مجرد جدل يدور في الزاوية بعيداً عن الأعين، بل ترتبط بمسائل أساسية أكثر من التسامح الثقافي أو العدل في توزيع الموارد، وحل هذا الجدل هو المفتاح والأساس لاستقرار الدولة الإسرائيلية ومستقبلها، لأن البديل سوف يكون من الصعب تحمله.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات