ماذا بعد مفاجأة بيونغ يانغ؟، الغرب مطالب باستخدام القوة والنسج على منوال بوش

الثلاثاء 16 شعبان 1423 هـ الموافق 22 أكتوبر 2002 تصريح نائب وزير خارجية كوريا الشمالية كانغ سوك جو سقط على الادارة الاميركية بصورة مباغتة جدا، الامر الذي تطلبها 12 يوما حتى تصحو من الصدمة وترد عليها بصورة علنية. فخلال مفاوضات روتينية تواصلت سنوات طويلة بين ممثلي الادارة الاميركية ومسئولين كبار في نظام الرئيس كيم جونغ ايل حول تقديم مساعدة اميركية لكوريا الشمالية، كشف نائب الوزير فجأة ان بلاده لم تتخل عن مشروعها النووي ولو للحظة رغم الاتفاق الذي وقعت عليه. ثماني سنوات مرت منذ ان وقعت الولايات المتحدة وكوريا الشمالية في عام 1994 على اتفاق يلتزم فيه الكوريون بتصفية مشروعهم النووي. والاميركيون كانوا على اعتقادهم حتى ما قبل اسبوعين ان سياسة الضغط الحاذقة التي مارسها الغرب ضد حكام كوريا الشمالية والتي شملت تهديدات عسكرية، كانت ناجحة بدرجة تثير الاعجاب. فقد بدا في حينه ان كوريا الشمالية قد تخلت عن مسارها النووي وانها تلتزم بما تعهدت به للولايات المتحدة ولجارتيها اليابان وكوريا الجنوبية اللتين كانتا طرفا في الاتفاق المذكور. وها هو يظهر الآن ان الكوريين الشماليين قد نجحوا في خداع الولايات المتحدة طوال ثماني سنوات كاملة على الرغم الموارد الضخمة التي كرستها الاستخبارات الاميركية لمتابعة ومراقبة ما يحدث في المجال النووي في كوريا الشمالية. ولكن، عدا عن الارباك الذي تشعر به الادارة الاميركية، التي لم تنجح في بلورة سياستها في مواجهة التحدي الجدي بسبب خوفها من فتح جبهة جديدة مع الجبهة العراقية، تنطوي هذه القضية على رسالة مهمة لا مثيل لها لحلفاء الولايات المتحدة ايضا من هؤلاء الذين ما زالوا يرفضون الانضمام اليها في كفاحها ضد العراق، وتنطوي على رسالة لا تقل أهمية عن ذلك لاسرائيل ذاتها. ويتبين مرة اخرى ان الدولة المصممة قادرة على اخفاء تطوير السلاح النووي عن أنظار خيرة اجهزة التجسس الغربية. الكوريون الشماليون توجهوا على ما يبدو الى مسار إخصاب اليورانيوم من خلال اسلوب اجهزة الطرد المركزي، الامر الذي يعفيهم من الحاجة الى الاعتماد على المفاعلات النووية. على الرغم من ان شراء المواد المطلوبة لبناء اجهزة الطرد المركزي يتطلب نشاطا واسع النطاق في أرجاء العالم، الا ان اجهزة الاستخبارات الغربية لم تنجح في وضع اليد عليها. والعراقيون ايضا توجهوا نحو اسلوب اجهزة الطرد المركزي بعد قصف مفاعل تموز في عام 1981، وفي حينه ايضا لم يكشف النقاب عن هذه التحركات التي تواصلت لسنوات كثيرة ولم يكتشفها أي جهاز تجسس. مرة اخرى يتبين انه لا توجد أي قيمة لعضوية مثل هذه الدول في معاهدات حظر نشر السلاح. فكوريا الشمالية ومثلها العراق أعضاء في معاهدة حظر السلاح النووي وقد بالغت كوريا الشمالية في مساعيها عندما وقعت في شهر نوفمبر 1992 على بيان مشترك لمنع نشر السلاح النووي في شبه القارة الكورية. هذا الاعلان الذي وقع مع كوريا الجنوبية قرر بصورة صريحة ان الكوريتين ستعملان على استخدام الطاقة النووية فقط للاهداف السلمية، وانهما لن تقوما ببناء وتطوير وتخزين ونصب اسلحة نووية، وان كلا الدولتان تلتزمان ايضا في عدم بناء أو امتلاك منشآت لاخصاب اليورانيوم. نحن لا نعرف ببساطة ما يحدث فعلا في مشروع كوريا الشمالية النووي هكذا قالت وكالة الطاقة النووية، والمرة الاخيرة التي قام فيها مندوبو الوكالة بزيارة كوريا الشمالية كانت في عام 1994. وعشية حرب الخليج زار ممثلو الوكالة العراق ووصفوه في تقريرهم بأنه دولة ملتزمة بامتياز كبير بشروط حظر نشر السلاح النووي. وقد كان هانز بليكس، بالمناسبة، نفسه المسئول الآن عن المفتشين رئيسا لوكالة الطاقة النووية في الامم المتحدة في حينه. من هنا يوجد شك في ان ينجح من فشل بهذه الصورة المخجلة في عام 1990 في اكتشاف ما يحدث مع خبايا خطة السلاح العراقية في عام 2002 تحديدا. السلاح النووي الذي تملكه كوريا الشمالية سيغير من ميزان القوى في شرق آسيا بصورة مطلقة تماما مثلما سيغير السلاح النووي الذي يملكه العراق ميزان القوى في الشرق الاوسط. وستزيد قوة كوريا الشمالية على التحرك بصورة ملموسة، وكذلك الامر بالنسبة للعراق، اذا كانتا تملكان سلاحا نوويا. فأنظمة على شاكلة كوريا الشمالية والعراق قد تستخدم قدراتها الابتزازية التي يوفرها لها سلاحها النووي لاحداث حالة عدم استقرار خطيرة وربما مجابهة عسكرية قد تتدهور حتى تبادل الضربات النووية. وهذا الخطر يجب ان يمثل نصب أعين قادة دول غرب اوروبا واعضاء مجلس الامن من الصين وروسيا الذين يعارضون العملية العسكرية الاميركية ضد العراق. واعتراف كوريا الشمالية المفاجيء بوجود مشروعها النووي المتواصل يجب ان يثير صحوة من يطالبون ادارة بوش بأدلة وبراهين قاطعة على وجود سلاح غير تقليدي بحوزة العراق كشرط مسبق لدعمهم للعملية العسكرية ضد النظام العراقي.ادارة بوش هي ادارة مندفعة ومتجبرة وتنظر للعالم من وجهة نظر راعي البقر الذي يفرض النظام في البلدة. ولكن هذا لا يعني انه مخطيء في كل شيء. بوش نسب كوريا الشمالية لمحور الشر هي والعراق عن وجه حق كبير، وسيكون من الخطأ الاكتفاء بالاستخفاف برؤية ادارة بوش التجريدية كما تبدو وعدم محاولة تفهم ماذا يقف من وراءها. بقلم: رؤوبين بدهتسور عن «هآرتس»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات