بعد تراجع عاصفة الاصداء، هل أعادت جائزة نوبل رسم ملامح كارتر السياسية حقاً ؟

الثلاثاء 16 شعبان 1423 هـ الموافق 22 أكتوبر 2002 في سنة 1987 ، وبعد ستة أعوام من انتهاء إحدى أهم المراحل الرئاسية السلسة في تاريخ العالم، نشر جيمي كارتر كتاباً مشتركاً مع زوجته روزالين يدور حول حياته بعد مغادرته البيت الأبيض. عنوان الكتاب هو «الاستفادة القصوى مما تبقى من عمرك».هذا الكتاب تم اختياره، كغيره من الأعمال المشابهة باعتباره احد الشواهد الدالة على الأساليب الغريبة التي انتهجتها هذه الشخصية الاميركية الجنوبية الريفية الميالة في واقع الأمر الى الأساليب الوعظية والتي يلقي تاريخها الضوء على مرحلة رئاسية تعد من أقوى المراحل التي عرفها التاريخ. وفي الوقت الراهن فإن ما يشير اليه هذا العنوان هو النبؤة التي تحققت. فيما يتعلق بمفهوم الخلاص وتحقيق الذات ليس هناك من يتفوق على جيمي كارتر من بين الرؤساء السابقين للولايات المتحدة سوى هربرت هوفر، على الرغم من أن الأخير لم يتسن له الفوز بجائزة نوبل للسلام. فقد تمكن كارتر من إعادة تجديد نفسه. وبالتالي فإن ما كان يبدو من جوانب الضعف في تلك المرحلة كتب له التحول الى قوة بعد انتهاء فترته الرئاسية. وإذا كانت أميركا هي المكان الذي يمنح الفرصة الثانية فإن كارتر تمكن بالفعل وعلى طريقته الخاصة من اقتناص الفرصة بكلتا يديه. والواقع أن الرجل الذي كانت نزعته التطهيرية مثاراً للسخرية عندما كان في قلب السلطة صار بمقدوره في وقت آخر أن يحقق الشيء الأقرب الى التجميل السياسي الذي يمكن لأميركا أن تمنحه اياه. وبشكل أو بآخر فقد كان جيمي كارتر رئيساً عرضياً. إذ لم يكن من المؤكد وصوله هو أو أي زعيم ديمقراطي آخر الى السلطة في سنة 1976 لولا فضيحة ووترجيت. إلا أنه سارع الى التقاط نداءات الإستغاثة الوطنية المطالبة بوجود مرشح يمكنه العمل على تطهير السياسة الداخلية مما يعلق بها من تهم التآمر والفساد التي لحقت بها في أعقاب الخزي الذي الحقه نيكسون بأصحابها. وكان شعاره «ضعوا ثقتكم فيّ!» على الرغم من أنه من أجل استحقاق الثقة كان قد أضاف بهذا قرارا مليئا بالعزم قاس الى حد ما ظل ينظر اليه بعين الإعتبارمنذ ذلك الحين إضافة الى كونه استعدادا تاما لرجل كان قد تدرب على القيام بعمله كمهندس لا كرئيس. ومنذ اللحظة التي تقلد فيها منصبه الرسمي كرئيس للولايات المتحدة في سنة 1977تلك التي كان يسير فيها هو وروزالين متشابكي الأيدي مروراً ببنسلفانيا افينيو باتجاه مبنى الكونغرس الأميركي في واشنطن كان كارتر يحمل بين جوانحه صورة لتلك المرحله الجديدة. كان يحلم بإدارة بيت جديد أكثر انفتاحاً على النحو الذي يأذن بإعادة الرئاسة الى الشعب. وفي تلك الأثناء عرف جيمس ايرل كارتر باسم «جيمي» وعلى الرغم من أن تلك الشفافية لم يكتب لها الاستمرار حيث أنه كان قد وصل الى أعلى منصب رئاسي في بلد يملك تجربة سياسية منتقصة وكانت حملته مثالاً جسد من خلالها نموذجاً حقيقيا لما تكون عليه المجاملة والاهتمام الشخصي إلا أن تجربته في الإدارة على الرغم من محدوديتها واقتصارها على فترة واحدة أمضاها كحاكم لولاية فرجينيا في مطلع السبعينيات بعيداً عن سلطة البيت الأبيض ، إلا أنها استطاعت أن تظهر على حقيقتها هناك. كرئيس ، كان كارتر شخصية ادارية ضعيفة مكروهة. وكان عدم الشعور بالأمان قد تجسد في «مافيا جورجيا» التي كانت تحيط به باستمرار تماماً كما كانت مافيا «حائط برلين» في عهد نيكسون. أما نجاحه الكبير بالطبع كما أوضحته الشواهد في أوسلو فقد كان «في اتفاقية كامب ديفيد سنة 1978 التي قادت الى توقيع معاهدة السلام بين اسرائيل ومصر الباقية الى اليوم. إلا ان كارتر ظل على الرغم من ذلك رئيساً غير محظوظ. فحتى هذا النجاح كان قد تأثر سريعاً بسقوط شاه ايران وأزمة الطاقة وأزمة الرهائن في ايران وأخيراً الغزو السوفييتي لأفغانستان في نهاية سنة 1979. لم يكن باستطاعة كارتر أن يتصرف على النحو الصحيح. وكان ينظر الى رده السريع على غزو افغانستان المتمثل في المقاطعة الأميركية لدورة الألعاب الأولمبية التي اقيمت في موسكو العام التالي على أنه تصرف حقود أحمق ، في الوقت الذي لم تتأثر الأوضاع ومضت الدورة في طريقها بمشاركة الكثيرين من حلفاء لأميركا ومنهم بريطانيا. كما تلخص ضعفه في التعامل مع حكومة الملالي في طهران ومحاولة الإنقاذ الخرقاء التي انتهت على نحو مأساوي في الصحراء الإيرانية في ابريل سنة 1980. في ذلك الوقت كان الرئيس الاميركي التاسع والثلاثين سييء الطالع يتعثر حتى في خطاباته، وفيما كانت أسعار النفط والطاقة تأخذ في الارتفاع ، كان كارتر يعرض على الأميركيين خطاباً حول أزمة الطاقة معتبراً إياه» الخطاب الأخلاقي المساوي للحرب «سرعان ما حوله أعداؤه الى لعنة حقيقية. وقد تكلل الموقف بالفضيحة الأخلاقية المعروفة باسم عملية» الأرنب القاتل «التي لايتسع الوقت لشرحها ، إلا أنه منذ سنة 1979 ومنذ رحلة الصيد الى جورجيا قيل بأنه كان يسعى الى الدفاع عن نفسه ضد اتهام باختراق القوانين التي تحمي حقوق الحيوان. وعلى نحو لايمكن تجنبه ، اتسع نطاق الملحمة لتتحول الى رمز لتعثر فترته الرئاسية ، التي انتهت بالهزيمة الساحقة التي الحقها به رونالد ريغان. يقول مؤلف سيرته دوغلاس برينكليز: «إن ذلك كان قد جاء للتأكيد على حظه العاثر فقط ، ما أعنيه هو أن كارتر كان عليه أن يتعاطى مع روسيا وآية الله كما أنه كان من المفترض له ان يتعامل هنا مع مشكلاته الداخلية». والمفارقة أنه في العشرين من يناير سنة 1981 وبعد دقائق فقط من مغادرته البيت الأبيض وتسلم ريغان السلطة ، غادر الأميركيون المختطفون ايران. ولم يأسف على تغييره سوى عدد قليل من الأميركيين. إلا أن كارتر، الرئيس الأميركي الاسبق وهو في السادسة والخمسين كان بخلاف الكثير من الرؤساء الأميركيين الذين جاءوا من قبله وحتى اللاحقين وعلى رأسهم بل كلينتون الذي تفرغ لإلقاء المحاضرات المربحة أو الاختفاء في ملاعب الغولف مع أصدقائه ، كان قد عاد لاستكمال بناء المنزل الذي كتب فيه مذكراته التي اسهمت في سداد ديونه. وفي سنة 1982 عمل استاذاً في جامعة ايموري في اتلانتا، وبعدها بقليل ولد مشروع «مركز كارتر» للديمقراطية الذي امتد عمله للتدخل لمعالجة الأزمات ليشمل عمله أربع قارات.في «الشرق الأوسط» كان يزاول جهوده من أجل الحفاظ على السلام من وراء الكواليس ، على الرغم من تواضع هذه الجهود. وكان قد حمل للدكتاتور الكوري الشمالي السابق «كيم ايل سونغ» على فتح حوار مع كوريا الجنوبية وساعد في مجال خفض التوتر النووي في شبه القارة الكورية. وفي سنة 1994 توجه الى هايتي كوسيط في مهمة لإقناع «راؤل سيدراس» بالمغادرة وتجنب خطر الغزو الأميركي لبلاده. وعلى الرغم من أنه كان قد تدخل لحل أزمة البوسنة للتخفيف من حدة التوتر التي كانت تعاني منها إدارة كلينتون إلا أنه من جانب آخر كان قد ساهم في التمهيد لتوقيع اتفاقية دايتون لسنة 1995. في البوسنة ، وعلى الرغم من الاتهامات التي وجهت اليه بالتعاون مع سياسيين من أمثال سلوبودان ميلوسيفيتش ورادوفان كرازاديتش إلا أنه كان يقود فريق المراقبين الدوليين في بنما في سنة 1998 الذي أدان نتائج الانتخابات المتلاعب بها للجنرال مانويل نورييجا. كما تسنت له المشاركة في الانتخابات التي تنظيم الانتخابات التي مهدت لهزيمة دانيل أورتيجا أحد الساريين الذي كان يخيف وجودهم أميركا. ومن اثيوبيا الى جنوب إفريقيا الى تيمور الشرقيه واينما اندلعت الحروب والفتن كان كارتر يسعى للمساهمة في إخمادها. لقد ظل كارتر الذي يعيش في بلد يمارس فيه الساسة كل أشكال الظهور أمام الرأى العام هو نفسه الرجل الذي يمارس عمله بتواضع شديد سواء تعلق بحياته كرئيس أم الفترة التي أعقبت خروجه من الرئاسة. ويعلق بيل كوانديت مبعوث مجلس الأمن الدولي الى الشرق الأوسط على جوانب ضعفه وقوته كما تتجلى عبر المفاوضات الإسرائيلية المصرية بقوله «على الرغم من أنه كان أكثر تأثيراً في حديثة للمجموعات الصغيرة... إلا أنه كان أقل قدرة على التأثير عبر شاشة التلفزيون أو في خطابه للجماهير العريضة ، كان خطابه رسمياً أكثر مما ينبغي.. وكان بعضنا يشعر بأنه كان يستمتع بحل المشكلات التي لم يكن أي منا قادر على حلها». إلا أن ما كان صحيحاً في سنة 1978 يبقى صحيحاً الآن. حيث مظهره العام الموحي بالبساطة ، وتلك اللهجة الجورجية الناعمة الجذابة. وعلى الرغم من أنه لم يكن على الإطلاق شخصية صاخبة مبهرجة إلا انه وفي الخفاء كان يقوم بأعمال لا تقل روعة وحتى في أسوأ أوقاته كان يمكنه التخطيط للقيام بعمل مثير. وعلى الرغم من ذلك فإن تواضعه الذي زاده سقوطه السريع يبقى هو الشيء الحقيقي. إن ذلك التواضع قد أضاف الى هيبته التي من جانبها جعلته يتفوق على كل من جاء من بعده لامن الرؤساء الجمهوريين فقط وإنما الديمقراطيين أيضاً. ولعل السبب في ذلك يعود الى خلفيته غير العادية ، فهو مزيج من ما بين المعمدانية البروتستانتية والليبرالية القديمة ، والده كان مناصراً لحركة الفصل العنصري فيما كانت أمه ليليان ناشطة من جماعات السلام وهي في الثامنة والستين ، اضافة الى أنها أمضت عامين في الهند عملت خلالهما ممرضة. وفي حين أن والده كان قد مات في سن مبكرة اضطر كارتر الى ترك الخدمة في البحرية الأميركية ليتولى إدارة مزرعة اسرته في بلين. وكان نجاح مشروعه في مزرعة الكاكاو هو الشيء الذي ضمن له الدعم المادي الذي سمح له في ذلك الوقت بالتفكير في ترشيح نفسه لمنصب حاكم ولاية جورجيا في سنة 1970. ولشدة ما كان يبدو عليه من مظاهر التدين فربما كان هو الإنسان الأكثر مخافة لله من بين كل أولئك الذين عرفهم البيت الأبيض.ورغم أنه في فترة حكمه كان يعمل واعظاً في مدرسة يوم الأحد وكان يحرص على قراءة الصلاة قبل تناوله الطعام حتى في المناسبات الرسمية التي كانت تجمعه مع الرؤساء الآخرين ، إلا أنه لم يسع يوماً الى فرض أرائه وتوجهاته الدينية على الآخرين ولم ينتم الى الجناح المتطرف. كان يؤمن بأن عليه أن يفعل ما يراه صحيحاً ، وبأن الآخرين ربما ساندوه من أجل ذلك. وغالباً ما كان يبدو مصيباً في نظرته الى الأمور. وقد تجلى التزامه تجاه ما يتعلق بحقوق الإنسان واضحاً منذ اليوم الأول لتسلمه العمل في منصب حاكم ولاية جورجيا ودعوته لوضع حد للتميز العنصري في الولاية. وعلى الرغم من سياسته الواقعية تجاه الكرملين في أثناء توجيهه اللوم لانتهاكاته حقوق الإنسان إلا أن هذه الإنتقادات بمساعدة ريغان وبوش اسهمت كثيراً في التعجيل بانهيار الإتحاد السوفييتي على العكس مما فعله مواؤه الخفيف في السبعينيات عندما كانت الولايات المتحدة تعتمد في توفير أكثر من نصف استهلاكها من النفط على الخارج. وإذا كانت الديمقراطية والسلام هما حقيقة الفكرتان اللتان تغزوان العالم ، كما يتصور المتفائلون الأميركيون فإن جيمي كارتر يستحق بالتأكيد جزءاً من الثناء. فهو قد أثبت فوق كل شيء حقيقة تدعو الى الإحساس بالسعادة لدى أي سياسي مخلص مثله وهي أن أعتى إدارة علمانية على وجه الأرض، وهي «ادارة الولايات المتحدة» ليست كل شيء وليست هي ما يمكنه أن يضع حداً لما حققه من انجازات. وللتأكيد على هذه المقولة فإن جيمي كارتر كان قادراً على استغلال لحظة أفولها ببراعتة الشديدة. وتماماً وكما تقول مذكرات سنة 1987 فإن هناك الكثير مما يمكن الفوز به في اللحظات الباقية من عمر أي رئيس سابق ، ليس في السمعة الطيبة فقط وإنما في الشعور بأنه قد قام بعمله على الوجه الصحيح. ولعل بل كلينتون يستفيد من هذا. بقلم: روبرت كورنويل _ ترجمة: مريم جمعة فرج عن «إندبندنت»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات