ظلال كاسترو تطغى على نظرة واشنطن للجنوب، الهواجس الكوبية تحرك السياسة الأميركية تجاه الدول اللاتينية

الاثنين 15 شعبان 1423 هـ الموافق 21 أكتوبر 2002 تتم مراسم اداء اليمين الدستورية لكبار المسئولين في وزارة الخارجية الاميركية في قاعة بنجامين فرانكلين، وهي قاعة مزخرفة تقع في الطابق الثامن من مبنى الوزارة. وهناك ادى اوتو جوان ريتش في مارس الماضي اليمين الدستورية لدى تعيينه مساعداً لوزير الخارجية لشئون الاميركتين وامام جمع كبير يضم وزير الخارجية الاميركي كولن باول والسيناتور جيسي هيلمز والسفيرة جين كيركباتريك ألقى ريتش خطاباً غريباً، اذ اعلن ان باول هو «تيتان» برونزي آخر، وهذا اللقب كان يطلق على انطونيو ماشيو الزعيم الاسود في حرب الاستقلال الكوبية ضد الاحتلال الاسباني وقال ريتش ان جده خدم في جيش ماشيو. وشبه ريتش اصراره وعزمه الشخصي في مواجهة خصومه السياسيين بما كان يتحلى به الآباء المؤسسون للولايات المتحدة، حينما ثاروا ضد البريطانيين. وفي اقتباس عن توماس جيفرسون اقسم ريتش ان يكون «عدواً ابدياً» لكل الطغاة سواء أكانوا «في بغداد او هافانا» واستغل المسئول الجديد المناسبة ايضاً ليعلن خطبته على لورديس راموس «السيدة المتميزة جداً» التي كانت بين جمهور المستمعين واتى ذلك مباشرة بعد ان توجه بالشكر لزوجته السابقة، كوني، التي كانت حاضرة ايضاً، على كل «التضحيات الكثيرة» التي قدمتها لأجله اما أغرب ما في الامر فتمثل في النكات: فقد اشتكى ريتش من ان بعض منتقديه قد تساءلوا عما اذا كانت لديه «الحالة المزاجية المناسبة» لمثل هذا المنصب. «لقد قالوا اننى لا استطيع اتخاذ قرارات عقلانية بسبب ايديولوجيتي! طيب، انهم لن يقولوا ذلك بعد الآن، لاني قد اعتقلتهم كلهم هذا الصباح!. ومع ان النص المطبوع لخطاب ريتش لايبين مدى اتساع نطاق الضحك الذي حققه عبر نكتته هذه الا ان طبيعة هذه الشخصية كانت واضحة من الكلمات. لقد ابدى الديمقراطيون في لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ ازدراءهم لقرار تعيينه في هذا المنصب بل انهم رفضوا عقد جلسة استماع بخصوص ترشيحه للمنصب، وردوا طلب تعيينه مرتين للبيت الابيض، كما ان مجموعات السياسة الخارجية الليبرالية قد عبأت نفسها لمعارضته مما جعله مادة لانتقادات الصحافة التي صورت هذا السياسي المولود في كوبا كمتعصب معاد لكاسترو وذي ماض غامض «وصفه الاعلام الكوبي الحكومي بالارهابي ورجل المافيا» اما الفصول الاكثر اثارة من حياة ريتش فهي نشاطاته لصالح عصابات الكونترا النيكاراغوية وعلاقاته التي ينكرها مع الارهابيين الكوبيين الاميركيين وعمله ضمن جماعات الضغط، ومنذ حوالي عام كامل، تعهد ريتش باوامر من جورج بوش بان يلتزم الصمت فيما يبقى المنصب شاغرا، واخيرا لجأ بوش في يناير الماضي لما يعرف بالتعيين المؤقت ليضع ريتش في منصبه الجديد لسنة واحدة من دون مصادقة من مجلس الشيوخ، وفورا بعد القرار وصف كريستوفر دود عضو مجلس الشيوخ عن كونكتيكيون ريتش بانه «مشروع قصير الامد» وتعهد بان يمنع اعادة تعيينه. ويظل السؤال هو: لماذا تصر ادارة بوش كل هذا الاصرار على وضع ريتش في منصبه الجديد على الرغم من اللغط الذي يثيره؟ ما الذي يمكن لهذا الجوال البيروقراطي ان يحققه، اذا كان هناك ما يمكن ان يحققه للمصالح الاميركية في اميركا اللاتينية؟ او ما الذي يفعله اصلا مساعد لوزير الخارجية بحال من الاحوال؟ البعض من هؤلاء يقوم باعمال اكثر من البعض الآخر فهناك فترات كاملة في تاريخ منطقة ما قد اصبحت تعرف بعهد مساعد وزير الخارجية الاميركي المعين لها، فعلى سبيل المثال كان عقد الثمنينيات من القرن الماضي بالنسبة لافريقيا بين امور اخرى هو عقد كروكر حيث تميز بالجهود المتواصلة لتشارلز كروكر للتوصل الى اتفاقيات سلام في ناميبيا وانجولا وموزامبيق، واميركا الوسطى لنأخذ مثالاً آخر، لن تنسى قريباً عهد اليوت ابرامز. وكان ابرامز مسئولا غير اعتيادي من حيث نطاق الانتباه الذي حظي به بين سكان اميركا الوسطى وهو يدافع بشراسة عن سياسات ادارة ريغان (لاحقا اقر بالكذب امام الكونغرس مقابل العفو عنه) وقد كان الملايين في اميركا اللاتينية يعرضون تماما من هو مساعد وزير الخارجية الاميركي المسئول عن شئون قارتهم فيما بالكاد يوجد هناك من سمع به في الولايات المتحدة. كانت هذه الظاهرة تدور في ذهني حينما ذهبت لاقابل ريتش في مكتبه هذا الصيف. على المكتب امامه كان هناك عدد من مجلة «نيوزويك» على غلافه صورة لوجه ريتش كتب عليه: «قناص بوش: هل يستطيع هذا اليميني ان يخمد النيران في كولمبيا وفنزويلا؟ وكان جواب ريتش الذي قاله لي وهو يزمجر: «جوابي هو: نعم، لكن هل يمكنك ان تثق بهذه المجلة اليسارية لتحكم ما اذا كان يقوم بعمل جيد؟».والد ريتش كان يهوديا نمساويا هرب الى الولايات المتحدة عام 1938 عندما استولى هتلر على النمسا، وحاول الوصول الى السواحل الاميركية الا ان سفينته رست في هافانا، عاصمة كوبا. يقول ريتش: «سرعان ما وقع في حب كوبا لم يكن يتصور ان هناك بلادا بهذا الجمال» وتزوج والده من كوبية وبدأ يمارس تجارة المفروشات ورزق بأوتو عام 1945 ام اوتو كانت مسيحية كاثوليكية وشب الولد على دين امه، وكان اوتو وعائلته من النخبة في كوبا قبل الثورة، وطبعا هربت العائلة الى اميركا بعد الثورة وتولي كاسترو للسلطة.وكان جيب بوش حاكم فلوريدا هو الذي رشح ريتش لأخيه الرئيس الاميركي جورج بوش، لمنصبه الجديدة في وزارة الخارجية فما كان من كارل روف كبير مستشاري الرئيس السياسيين الا ان امتدحو الفكرة بقوة مثلما فعل اعضاء المجلس الكوبي الاميركي في كوبا وبعد التوصل لقرار اخير بشأن فوز بوش في انتخابات فلوريدا الرئاسية اصبح ينظر لترشيح ريتش على نطاق واسع على انه مكافأة لكوبيي ميامي كما ان جيب بوش سيخوض الانتخابات لمنصب حاكم فلوريدا هذا العام وهو يعرف ان تأييد الاميركيين من اصل كوبي مهم لنجاحه في صناديق الانتخابات.اوتو ريتش ليس كوبيا مياميا حقيقيا فعائلته استقرت في نورث كارولينا، كما أمضى معظم حياته العملية في العاصمة واشنطن. ولم ينتقل للعيش في فلوريدا إلا في السبعينيات حينما بدأ يعمل في الادارة التجارية لفلوريدا. لكنه كان ناشطاً مناهضاً لكاسترو طوال حياته، وله علاقة وثيقة جداً بجالية المهاجرين الكوبيين جنوب فلوريدا. كما انه وجه تلفزيوني معروف، حيث يشارك في الكثير من البرامج السياسية التي تبثها شبكات التلفزة مثل «سي.ان.ان». وفي أبريل 2000 قال ريتش على شبكة «سي.ان.بي.سي» ان طريقة تعامل ادارة كلينتون مع اليان غونزاليس كانت بمثابة «ارسال اشارة خطيرة جداً إلى الرئيس العراقي وميلوسيفيتش وكيم جونغ ايل». وخلال اللغط الذي عم بخصوص تعيينه في منصبه، حاجج خصومه بأن قضيته الحقيقية، وهي كوبا، ستعوق مقدرته على التعامل مع باقي دول القارة، لكن وجهات نظر ريتش بخصوص السياسة تجاه كوبا لا تختلف عن آراء البيت الابيض، وهو ما كان يجب ألا يجعل من تعيينه مشكلة. واندفع بعض اصدقائه من خارج ميامي، خصوصاً كتاب صفحة الرأي في «وول ستريت جورنال» للدفاع عنه. واتهم هؤلاء أعضاء الحزب الديمقراطي الذين يعارضون تعيينه بالرغبة في خوض معارك الحرب الباردة السياسية مرة اخرى، ربما لأن رونالد ريغان (وبطبيعة الحال ريتش كامتداد له) قد أثبت التاريخ صوابهم. وقام ثلاثة وزراء خارجية سابقون جمهوريون بكتابة رسائل تحث لجنة العلاقات الخارجية على عقد جلسات استماع والموافقة على ريتش. لكن الديمقراطيين رفضوا. وأصر دود في رسالة الى الصحيفة نفسها على القول ان «أوتو ريتش غير مؤهل لهذا المنصب». غير ان أميركا اللاتينية شهدت في ابريل الماضي انقلاباً في فنزويلاً بدا وكأنه تشدد من موقف خصوم ريتش. فالرئيس هوغو شافيز اليساري، اصبح متوتراً تجاه واشنطن وزار ليبيا والعراق، وأبطأ من ايقاع المفاوضات بخصوص منطقة التجارة الحرة للاميركيين، وانتقد حرب أميركا ضد أفغانستان، والاسوأ من ذلك بالنسبة لأعداء كاسترو هو انه أخذ يبيع النفط لكوبا بأسعار مخفضة. كما ان شافيز أوجد لنفسه العديد من الاعداء الاقوياء داخل فنزويلا ايضاً فتعرض لانقلاب في 11 ابريل الماضي. وتم تعيين رجل الأعمال بيدرو كارمونا رئيساً للبلاد بدلاً عنه. والأخطر من الانقلاب بالنسبة لجيران فنزويلا هو الاشارة الى وقوف واشنطن وراء تدبيره. إذ تبين سريعاً وجود اتصالات مكثفة بين مخططي الانقلاب والسفارة الاميركية في كراكاس قبل الانقلاب ومكالمات هاتفية عاجلة بينهم وبين مكتب ريتش بعده. وفي غضون ساعات من الانقلاب، استدعى ريتش عدداً من سفراء اميركا اللاتينية في واشنطن إلى مكتبه واخبرهم تبعاً لصحيفة «تايمز» ان شافيز قد استقال في الواقع وحثهم على دعم الحكومة الجديدة. وقد اطنبت وزارة الخارجية الاميركية في «امتداح الحكومة» (مثلما فعل محررو صحيفة «تايمز»). غير ان المشكلة هي ان شافيز لم يكن قد استقال. وحاول الرئيس الجديد كارمونا حل برلمان البلاد ومحكمتها العليا، وبالتالي اختفى التأييد لحكومته.وخلال أيام كان شافيز قد عاد للسلطة من جديد. وأسرعت الولايات المتحدة بامتداح القرار الذي كانت منظمة الدول الاميركية قد اتخذته سابقاً بادانة الانقلاب. وعندما سألت ريتش عن الدور الأميركي في الانقلاب، أجابني مؤكداً: «لم يكن هناك أي دور أميركي».كان الضرر السياسي قد وقع، فبالنسبة للكثير من الاميركيين اللاتينيين، انكشفت ضآلة التزام واشنطن بالديمقراطية في المنطقة. وكان ذلك بمثابة خيبة عميقة لمنطقة عانت طويلاً من الانظمة العسكرية، التي كان العديد منها مدعوماً من جانب الولايات المتحدة. وفي بلدان عانت في السابق من الضغوط مثل الارجنتين كانت مضامين ذلك أكثر خطورة حيث كان الناس يراقبونه بقدر كبير من التخوف.كما ان حادثة الانقلاب على شافيز لم تفلح إلا في تعزيز التخوف من تعيين ريتش. فعلى سبيل المثال كتب رئيس كوستاريكا السابق أوسكار ارياس، الحائز على جائزة نوبل للسلام لجهوده في انهاء الاقتتال في أميركا الوسطى، كتب مقالاً نشرته «لوس انجلوس تايمز» يناشد فيه الرئيس بوش التفكير من جديد في قراره. وأعاد مقال ارياس نبش مثال واحد من حياة ريتش السياسية، حينما قال ان صفقة مقاتلات الـ اف 16 لتشيلي التي طالما حاول ريتش تمريرها في واشنطن هي «آخر ما تحتاجه أميركا اللاتينية، سباق تسلح» اما تخوف ارياسي الاوسع فكان من كون ريتش يمثل ردة للعسكريتاريا وسياسة التنمر التي طالما مارستها واشنطن ضد دول الجنوب بعد مضي عقد من اتباع سياسة اكثر لطفاً.ومع ان سياسة بوش تجاه اميركا اللاتينية هي في جوهرها استمرار لسياسة كلينتون وكون فتح الاسواق هدفها الاكبر وبلورة منطقة التجارة الحرة للاميركتين جوهرها، إلا ان التقدم باتجاه تحقيق هذه المنطقة لايزال بطيئاً نتيجة للاعراض المتزايد في اميركا اللاتينية عن فلسفة التجارة الحرة، ويفضل ريتش وصف الانبعاث الراهن لحركات الاحتجاج على السياسات الاميركية والاوضاع الاقتصادية في المنطقة بأنه نزعة شعبوية وليست يسارية إلا ان هذا لا يعني انه سأل عن اسبابها، فقد كان مراقباً للانتخابات في فنزويلا عام 1998 حينما فاز شافيز بالرئاسة. وقد قال لـ «وول ستريت جورنال» لاحقا: «لقد فاز شافيز لانه كان قادراً على التعبير عن احباطات الفنزويليين الناجمة عن سلسلة من الاخطاء ارتكبتها النخبة السياسية يجب ان يكون فوزه دعوة لصحوة النخبة في اميركا اللاتينية لتكريس مزيد من الاهتمام بالاقتصاد والتقدم الاجتماعي». غير ان ريتش لايزال فاشلاً في تسويق معاهدة منطقة التجارة الحرة للاميركتين وفيما كان الاقتصاد الارجنتيني ينهار، اخذ يوبخ الارجنتينيين لعدم تفعيلهم سياسات السوق الحرة التي نصحتهم اميركا بها، ويميل للنظر الى الحكومات اللاتينية باعتباره غير مسئولة وغير ناضجة، كما انه اعتاد على عادة مريبة هي الاشارة للسلفادور على انها نموذج يحتذى للدول التي تطبق الاصلاحات الاقتصادية التي تريدها اميركا التطبيق الصحيح، ومع ان السلفادور تنمو اقتصادياً، كما تشير بعض مؤشرات الاقتصاد الكلي، إلا ان هذا النمو يعتمد بشكل كثيف على تحويلات العمال السلفادوريين في الولايات المتحدة، كما ان السلفادور ليس أكثر من بلد محطم اجتماعياً وبنيوياً، بعد ان كان الساحة التي مولت فيها الولايات المتحدة حرباً باردة قتلت مئة الف سلفادوري.هناك كوبا ـ اللازمة المتكررة في تحركات ريتش لكنها ايضا الفجوة الكبيرة في السياسة المتصلبة للخارجية الاميركية التي تقول ان التجارة الحرة والاسواق المفتوحة تفرز الديمقراطية والرخاء، واذا ما كان ذلك صحيحاً كما يسأل الكثير من جيراننا وغيرهم من الدول، فلماذا نصر على الابقاء على حظر شبه مطلق على التجارة مع كوبا؟ الجواب عن هذا السؤال مكنون عند حوالي مليون وربع اميركي من اصل كوبي، خصوصاً في جنوب فلوريدا. يقول جو جارسيا المدير التنفيذي للمؤسسة الوطنية الاميركية الكوبية: «مشكلتنا هي ان الشيوعية لم تعد موجودة» وقد كانت هذه المؤسسة اقوى لوبي سياسي بين الجالية الكوبية المهاجرة طوال عشرين عاماً وقد حاول جارسيا تفسير تراجع التعاطف الاميركي الشعبي الذي تحس به جاليته حاليا! «ان مضيق فلوريدا هو مثل جدار برلين لقد دمره الاوروبيون الشرقيون، لقد ظلوا يركلونه 40 عاماً ولهذا دمروه». اما الكلمة التي دوماً ما تسمعها حينا تسأل كوبيي ميامي حول السياسات المناهضة لكاسترو فهي «محبطة» فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ارتفعت الآمال جداً بقرب نهاية حكم كاسترو. وبدأ الناس يعدون الخطط ـ ان لم يكن العودة، للزيارة على الاقل ورؤية اقاربهم، وبدأ بعض من ابرز وجوه الجالية يستعدون للسيطرة على الاسواق الجديدة وربما العودة للسلطة في الجزيرة، غير ان كاسترو بقي، وعلى المدى الطويل يبدو المشهد الآن اكثر من اي وقت سابق بأن ما حصل في كوبا في الخمسينيات ما هو الا حرب أهلية افرزت منتصرين ومهزومين وانتهت بهروب المهزومين الى اميركا. وهؤلاء يعيشون حياة طيبة في اميركا، كما ان دعم الجالية لريتش نابع من اعتزازهم بأصلهم بقدر ما هو نابع من سياساته، وقد قالت لي نينوسكابيريز كاستيلون المذيعة في راديو ميامي اليميني ان «الامر كان عظيما بالنسبة للكوبيين حينما تم تعيين اوتو سفيرا. فربما كان اول كوبي يصل مثل هذا المنصب». اما خارج نطاق المهاجرين الكوبيين فإن الرأي السائد بين الاميركيين ممن يهتمون بالسياسة ازاء كوبا فهو معارضتها المتزايدة . فالناس يرون ان هذه السياسة غير ناجعة وان عداءنا لكاسترو لا يفيد إلا في دعم سلطته، اما بالنسبة للمؤمنين بالتجارة الحرة فإن حظرنا التجاري على كوبا هو ليس اقل من هرطقة، وكانت كارلين بارشفكسي ممثلة الولايات المتحدة التجارية في عهد كلينتون قد قالت لصحيفة «بوسطن جلوب» عند تركها منصبها «سياستنا ازاء كوبا جنون». كما أصبح المزارعون الاميركيون الباحثون عن أسواق جديدة لصادراتهم اعداء لهذا الخطر مثلما أصبح ممثلوهم في الكونغرس ومعظمهم جمهوريون، كذلك فإن المصالح الزراعية والصيدلانية التي تنتظر رفع الحظر هي ذات جيوب أوسع حتى من كوبيي جنوب فلوريدا، وقد أصبحت التشريعات لتحرير التجارة مع كوبا تمر في الكونغرس بهامش متزايد من الأصوات، غير ان أوتو ريتشي لم يتأخر في اهانة كل من شارك في معرض تجاري في هافانا سبتمبر الماضي بمن فيهم جيسي فنتورا حاكم ولاية مينيسوتا الذي نصحه ريتش بعدم التورط في «السياحة الجنسية» في كوبا، وينتظر فنتورا الآن رد البيت الأبيض على مطالبته باعتذار عن هذه الاهانة، وبطبيعة الحال لا يزال الرئيس بوش يحترم تعهداته تجاه الاميركيين الكوبيين حيث يعترض على أي مسودة قانون يظهر على الصفحة الأولى من «ميامي هيرالد». ويبدو أن الرئيس بوش لن يكرر أبداً اخطاء والده الرئيس بخصوص كوبا وغيرها، فحين اعتقد كوبيو فلوريدا ان بوش الاب أصبح اكثر لينا مع كاسترو فقد دعمه بينهم، لكن هذا لن يتكرر، خصوصاً فيما يتعلق بتصفية أوتو ريتش، فريتش كان صديقاً حميماً ليورغ ماس كانوس مؤسس المؤسسة الوطنية الاميركية الكوبية، كما ان القيادة الراهنة للمؤسسة بزعامة ابنه يورغ ماس سانتوس راضية تماماً عن أداء ريتش. وقال لي جو جارسيا: «كان رتيش يفترض ان يكون الشخص الذي يمسك بالخناق على كوبا هناك في واشنطن»، وإذا ما كان ريتش سيبقى هذا الرجل أمر يعتمد على مقدرة الجمهوريين على استعادة السيطرة على الجمهوريين في انتخابات نوفمبر المقبلة. وبعد ترشيح ريتش للمنصب، بدأ الاعلام الكوبي يطلق سلسلة من القصص حول علاقته بمافيات الارهاب بين منفيي ميامي وبعد ذلك قال ريكاردو ألاركون رئيس الجمعية الوطنية الكوبية في أواخر العام الماضي انه يعتبر ريتش اختياراً «رائعاً» لهذا المنصب وقال: «أوتو ريتش هو المساعد النموذجي لسياسة خارجية اميركية فاشلة في أميركا اللاتينية، أنا لست قلقاً البتة. الولايات المتحدة هي من يجب ان يقلق، أوتو ريتش سيكون مسلياً جداً لنا أكثر من أي شيء آخر، كما انه لن يعود مهتماً بكوبا وحدها بل بالقارة كلها، خيار رائع لنشاهده وهو يدمر علاقات الولايات المتحدة مع دول أميركا اللاتينية، سيكون ذلك رائعاً». وقد قال ريتش ان الحقيقة هي ان حكومات اميركا اللاتينية تدين سياستنا ازاء كوبا في العلن فقط، أما في السر فهم يقولون اننا نتفق معكم بشأن كوبا، بل اننا نختلف على الوسائل، كلهم يريدون كاسترو ان يرحل، يريدوننا ان نفعل ذلك، انهم خائفون من كاسترو، صدقني لقد قالوا لي ذلك، وقال انه حينما عرض قراراً يدين سجل كوبا بخصوص حقوق الانسان وقال انه امام مفوضية الامم المتحدة اخبرني نائب رئيس دولة مهمة: «تعرفون اننا لا نستطيع دعم هذا القرار لانك تعرف مافعله كاسترو في بلدي وأنت تعلم ما هو قادر على فعله. لقد قتل واختطف انه يدعم الارهابيين». يقول ريتش انه ذات مرة في السبعينيات «تنافست كولمبيا وكوبا على مقعد في مجلس الامن الدولي، ولم تقبل كولمبيا بالتنازل. ولهذا أوعز كاسترو بخطف شقيق الرئيس الكولمبي» على يد العصابات الكولمبية. واضاف ريتش ان كاسترو قد امر ايضا باختطاف شقيق رئيس كولمبي آخر لسبب مختلف وان الحادثين وقعا بالطريقة نفسها «اولا يعرض كاسترو التفاوض. ويقول في نفسه علي أنا اخترق هؤلاء الناس السيئين. ان لنا علاقات معهم ومازلنا نعرفهم». بل ان ريتش اخبرني ان كلا المختطفين الاثنين قد ظهرا في هافانا لاحقاً وتم تسليمهما لعائلتيهما. وهكذا فهم الرئيسان رسالة كاسترو. وقال ريتش انه في قضية مقعد مجلس الامن «انسحبت كولمبيا وحصلت كوبا على المقعد». (في الحقيقة انسحبت كوبا وكولمبيا معاً، وحصلت المكسيك على المقعد. وحالة الاختطاف الاولى التي ذكرها ريتش لم تحل الا بعد اربع سنوات من هذا الخلاف. وفي كلا الحالتين ظهر المختطفان في كولمبيا وليس في هافانا). ثم أخذ ريتش يتفحصني ليعرف إذا ما كنت قد فهمت الدرس: «هذا الرجل نذل!». ويستخلص ريتش ان قادة اميركا اللاتينية ربما كانت لديهم اسباب اخرى تجعلهم يدعمون سياستنا تجاه كوبا ويقول: «دائما ما كان الاميركيون اللاتينيون يتبنون هذه السياسة التي يمكن اعتبارها سياسية عدم التدخل. وبالانضواء تحت لواء سياسة عدم التدخل فهم سيحمون انفسهم. كما أننا من جانب آخر الدولة التي يسرع الجميع لطلب عونها حالما تواجههم المشكلات، كما ان استخدمنا قوتنا في المنطقة مرات عديدة للدفاع عن الكثير من هذه الدول». ويتابع ريتش حديثه ليقول ان سياستنا تجاه كوبا اليوم هي نسخة طبق الاصل من سياستنا ازاء السلفادور في الثمانينيات.وهذا يعني اننا تبعاً لذاكرة معظم الناس، كنا نقوم بتحويل الجيش السلفادوري وتقديم «المشورة» له وهو أكثر الجيوش اجراماً على وجه الارض في تلك الفترة. لهذا وجدت من الصعوبة بمكان عقد هذه المقارنة. لكن أخذت احس بسبب كون كل حكومات أميركا اللاتينية قد اشتكت من عدم تركيز ريتش على العلاقات الثنائية بينها وبين اميركا فسرعان ما دخل ريتش في جدال آخر وهو يفسر لي سبب خوف كاسترو من توزيع اجهزة الراديو في كوبا. بقلم: وليام فينغان ترجمة:جلال الخليل عن «نيو يوركر»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات