كتاب ـ الجيل الشامخ منتصب القامة (2) ـ الخط الأخضر يتداعى بشدة، الانتفاضة أعادت القوى الغائبة عن المسيرة القومية إلى قلب الأحداث

الاثنين 15 شعبان 1423 هـ الموافق 21 أكتوبر 2002 المفاوضات التي جرت في يوليو 2000 بين حكومة ايهود باراك والسلطة الفلسطينية برئاسة الرئيس ياسر عرفات، كان لها شأن في انبعاث أمور أساسية ومهمة على صعيد التسوية الدائمة بين الشعبين، اذ أنها طرحت عدداً من القضايا مثل الدولة الفلسطينية المستقبلية والقدس واللاجئين. والتي انتهت بالاحباط جراء المس بالكرامة الشخصية والقومية للفلسطينيين وذلك الناجم عن الأسلوب التفاوضي من قبل كل من باراك وكلينتون، وكذلك زيارة أرييل شارون زعيم المعارضة آنذاك لمنطقة الحرم القدسي، كل هذه الأسباب أدت إلى اندلاع الانتفاضة، لكن زيارة شارون الاستفزازية تحولت إلى أحد الرموز الأساسية في الانتفاضة الفلسطينية الجديدة. وربما كانت الدوافع الفعلية لزيارة شارون عائدة إلى صراعاته الداخلية في أوساط حزب الليكود، ضد بنيامين نتانياهو، الذي بدأ يعاود طرح نفسه من جديد خلال تلك الفترة كبديل قومي فعلي لزعامة شارون، لكن التغطية الاعلامية الواسعة، ومواكبة قوات كبيرة من الشرطة لشارون في زيارته شكلت استفزازاً للعالم العربي والاسلامي، وشرارة تنذر بالاشتعال، وبالفعل فان المواجهة التي حدثت بين الفلسطينيين وقوات الشرطة الإسرائيلية في محيط الحرم، امتدت خلال ساعات في جميع أنحاء الضفة والقطاع، وتحولت فيما بعد إلى معارك بالحجارة والأسلحة النارية، حيث استشهد فيها حتى نهاية عام 2000 أكثر من ثلاثمئة فلسطيني وأصيب أكثر من عشرة آلاف بجراح، وفي ربيع 2002 ومع احتلال إسرائيل لمدن الضفة، ارتفع عدد الشهداء إلى أكثر من ألف بينما ارتفع عدد الجرحى إلى عشرات الألوف وفي صفوف الإسرائيليين سقط أكثر من ثلاثمائة قتيل ومئات الجرحى. وعلى صعيد النضال الفلسطيني تحولت صورة الطفل محمد الدرة إلى رمز كبير، وعاود الإسرائيليون استخدام عبارات قديمة وألفاظ أوشكت على الاختفاء في التسعينيات مثل الوضع والحوادث وحتى الأحداث. وكان واضحاً منذ الأيام الأولى لشهر أكتوبر 2000 بأن المجتمع الفلسطيني في إسرائيل يحشد لمظاهرات ضخمة مؤيدة للانتفاضة في الضفة والقطاع. والزخم والقوة التي اندفعت بها هذه المظاهرات، أدهشت المتظاهرين وقياداتهم على اختلاف تياراتها، وكذلك المؤسسة الإسرائيلية والجمهور اليهودي بأسره. وفي مناطق وادي عارة والجليل الأسفل قوبلت المظاهرات الجماهيرية بقوات شرطة غير منظمة وصغيرة إلى حد كبير، بل وفي الكثير من الحالات تفتقر إلى الاعداد والمعدات، لمواجهة مثل هذه الأحداث، وبالتالي كان رد فعل الكثير منهم قاسياً ووحشياً، حيث سارعوا إلى اطلاق النار بالذخيرة الحية، على الرغم من أن حياتهم لم تكن معرضة للخطر، وارتفع عدد الشهداء والجرحى بسرعة هائلة، وتزايدت ردود الفعل العنيفة كما تم اغلاق الطرقات والمحاور بين المدن المهمة في المنطقة الشمالية بما في ذلك طريق وادي عارة ليس لساعات فقط بل لأيام.وفي مدن وقرى الناصرة، أم الفحم، كفر كنا، سخنين وأماكن أخرى، تم اضرام النار في مكاتب البريد والبنوك ومحطات الوقود ومباني أخرى اعتبرها المتظاهرون تابعة للدولة. وفي عكا قام اليهود بتحطيم ممتلكات عربية من محلات تجارية وحوانيت، وفي الناصرة العليا (الحي اليهودي في الناصرة) نظم مئات اليهود أنفسهم عشية «يوم الغفران» للاعتداء على الأحياء الفلسطينية. وتجدر الاشارة إلى أن أحداث أكتوبر أسفرت عن استشهاد ثلاثة عشر فلسطينيا، واصابة المئات بجروح، مما جعل الكثير من اليهود والعرب يشعرون بشرخ عميق في العلاقة فيما بينهما، يجعل من الصعب اعادتها إلى ما كانت عليه في الماضي. الالتحاق بعاصفة التضامن ان أحد أهداف هذا الكتاب هو تحليل ومتابعة العمليات العميقة التي دفعت بالفلسطينيين في إسرائيل إلى الالتحاق بعاصفة التضامن، والتعاطف إلى هذا الحد مع اخوانهم في المناطق. وهو نمط مغاير جداً للدعم المتردد الذي كانوا عليه ابان الانتفاضة الأولى قبل عقد مضى. ونحن على اقتناع بأن التغيرات التي حدثت في الوسط الفلسطيني، خلال مرحلة ما بين الانتفاضتين، تتجاوز بكثير الأبعاد العرقية والدينية ـ فما جرى من تغيرات على صعيد مفهوم الانتماء ومواقف العرب ازاء الأغلبية اليهودية تترك آثارها بشكل واضح على طبيعة الدولة، وبالمقابل فان ذلك يؤثر على تعريف الدولة وقيمها، بل يصل الأمر إلى حد السيطرة على مواردها مستقبلاً، انها عملية تستحق التحليل الواضح والواعي من قبل الراغبين في استئصال طاقتها المدمرة وأن يحلوا محلها عملية معالجة ومصالحة. وإسرائيل منذ أعوام تعيش حالة من التغيرات في شبكة العلاقات التي يقيمها التيار المركزي المسيطر مع الفئات الأخرى (وخاصة المتشددين، اليهود المستوطنين، الشرقيين والآتين الجدد من الاتحاد السوفييتي سابقاً)، هذه المتغيرات التي تصل حد سقوط وانهيار المفاهيم المسلم بها لدى التيار المركزي اليهودي الصهيوني في صفوف الإسرائيليين، كما تمس بقدرته على مواصلة عرض قيمه على أساس أنها تتطابق مع مصالح الدولة. والجيل الجديد من الفلسطينيين في إسرائيل ـ كما هي حال كل جيل في أي مجتمع ـ ليس موحداً في تركيبته ومفاهيمه، فهناك المسنون الذين يتعاطفون مع الرياح المقبلة من جهة الجيل الشامخ، وهناك المراهقون الذين ينظرون إلى الموجة على أنها خطر مجنون. كما أن أوساط الجيل الشامخ تتجاذبها الكثير من التوجهات والتنظيمات المختلفة، وفي نظر البعض فان الخط الأخضر يجب الغاؤه في المستقبل، ونشوء كيان سياسي موحد للإسرائيليين والفلسطينيين بين البحر والنهر، وهناك آخرون ملتزمون وبكل قوة بحل نشوء دولتين، ويعلقون آمالهم على أن تقوم إسرائيل بتعريف نفسها من جديد على نحو يسمح لهم بالتعاون والشراكة الكاملة في مواردها. ومنذ أحداث أكتوبر 2000 في الوسط العربي في إسرائيل، تزايد التيار المطالب بالانفصال عن الأغلبية اليهودية، وآخرون يرون أن مستقبلهم مرهون بالتعاون المشترك والوثيق مع هذه الأغلبية. وعلى الرغم من هذا التنوع، فإنه ينبغي عدم تجاهل نمو جيل مر بمرحلة اجتماعية وسياسية أخرى تدفع به للنضال من أجل نيل حقوقه بطرق مختلفة. وهذا التغيير ليس في جانب واحد، فقد مر الجمهور اليهودي بهزات وصدمات عميقة، فبعد عشرات من الأعوام كانوا ينفون خلالها وجود أقلية فلسطينية، استيقظوا على حقائق دينامية جديدة، تشكل عنصر تهديد للهيمنة التي كانوا يظنونها مضمونة وخالدة إلى ما قبل فترة وجيزة. وخشية الجمهور اليهودي من أن أية عملية انسلاخ أو انفصال فلسطيني قد تؤدي إلى زعزعة استقرار الدولة، ليس بالشأن البسيط، بل يزيد من مخاوف الإسرائيليين، وبالتالي فان اللقاء بين قامة فلسطينية منتصبة ومخاوف وهواجس يهودية قديمة يمكن أن يكون قابلاً للانفجار. أما العالم السياسي لهذا الجيل الشامخ المولود في ظل الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية والمرتبط بتناقض أفرزته حرب الخامس من يونيو عام 1967، فهو على النحو التالي: أقَنَع الحسم العسكري لصالح إسرائيل السكان الفلسطينيين بأن دولة إسرائيل هي حقيقة واقعة وقاطعة وأنهم كمواطنين فيها مرتبطون بها وبمصيرها. كما أن ذلك أتاح لهم الاتصال بأبناء شعبهم في الضفة وغزة ومن خلالهم بالشتات الفلسطيني. فقد أفرزت الحرب واحتلال المناطق ما يسمى بالحكم العسكري وسياسة الجسور المفتوحة على نهر الاردن، ومن ثم فان تهافت آلاف العمال الفلسطينيين للعمل في إسرائيل، ومصادرة الأراضي من قبل الدولة، وانشاء المستوطنات والعمليات الفلسطينية المسلحة داخل الخط الأخضر، كل هذه المسائل وأخرى كثيرة زعزعت مكانة الخط الأخضر، الذي كان خطاً حدودياً صلباً تم بموجبه تجسيد واقع ما قبل حرب 1967، وبعد ذلك تحول إلى كيان مائع ومشوش حتى أنه فقد قدرته في التأثير على التطورات العسكرية والسياسية المستقبلية. وهذا يطرح سؤالاً مفاده: هل الخط الأخضر محكم أم قابل للاختراق؟ وهل يقوم بدور الحدود الخارجية كما قال خبراء أمنيون إسرائيليون في صيف عام 2001 وبكل قوة في ابريل 2002، وهل هو يوحد كيانات منفصلة أو يشوشها؟ وهل أنه لم يعد له وجود على الاطلاق، وأن عملية تذويبه تشكل جزءاً من عملية تاريخية قوية، تتحول من خلاله فلسطين الانتدابية إلى منطقة حدود واحدة لمجتمعين متنافسين مصيرياً في مسألتي السيطرة والهوية؟ تداعي الخط الأخضر بالنسبة للمجتمع الفلسطيني في إسرائيل، فان الخط الأخضر ينطوي على أهمية كبيرة، فهل يجعلهم مجموعة مستقلة، وهل النظرة اليهم والتعامل معهم كفئة محددة ليس الا استنتاجاً للفصل الاصطناعي الذي خلقته إسرائيل ولم تكن مقبولة لديهم في يوم من الأيام؟ وربما كان الوعي الجديد لدى الجيل الشامخ بالتقليل من أهمية إسرائيل وتعزيز الأفق السياسي الفلسطيني بل القومي العربي، هو عملية أخرى على طريق ازاحة الخط الأخضر سياسياً. من جهة ثانية، فان الطابع المثير لانتفاضة الأقصى وميزاتها ـ التي تبدو بأنها غير منظمة ـ تعيد عملية تعريف مفاهيم أو مقولات بدت واضحة ومنتهية من خلال عملية أوسلو. فهناك من يقول بأن الشعب الفلسطيني تبلور من خلال سلسلة أحداث مناهضة للاستعمار، كما هي حال ثورة الفلاحين ابان الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، والثورة ضد البريطانيين بعد مائة عام على تلك الثورة، والانتفاضة الأولى. وأحداث أكتوبر 2000 داخل الخط الأخضر وانتفاضة الأقصى في الضفة والقطاع ذكّرت الكثيرين وأعادت إلى أذهانهم بأن الانتفاضة الأولى التي أظهر فيها الفلسطينيون قدرتهم على تقرير المصير حتى في ظل الاحتلال كانت بمثابة اجراء جزئي، حيث تغيبت عنها فئتان سكانيتان أساسيتان: الفلسطينيون في إسرائيل وفلسطينيو الشتات. أما انتفاضة الأقصى التي أندلعت على خلفية رفض إسرائيل لمناقشة حق العودة، فقد أفسحت المجال أمام الفئات التي تغيبت عن المسيرة القومية الفلسطينية، للعودة إلى مسرح الأحداث، وتجدر الاشارة هنا إلى أن هذا الأمر هو أحد أسباب البلبلة التي أصابت اليسار الإسرائيلي منذ سبتمبر 2000، فالليبرالية الصهيونية كما بدا ذلك لدى التيارات الحمائمية في حركتي العمل وميرتس، تحتاج إلى خط أخضر واضح حتى يتسنى لها تعريف كل ما هو عبره على أنه «احتلال مؤقت»، فمثل هذا التعريف يفسح المجال للنظر إلى ما هو داخل الخط الأخضر، كمنطقة وأرض ثم حل الضائقة أو الأزمة التي تثيرها. وهكذا يخلّص اليسار الليبرالي نفسه من الضرورة المقلقة ليواجه في نهاية الأمر الذاكرة التاريخية لأحداث حرب 1948 وكل معانيها الأخلاقية.وهذا الكتاب يسعى إلى تصعيب مثل هذا الاجراء الذي يظهر العالم الداخلي للفلسطينيين الذين مروا بالنكبة والوعي الجديد، لاحفادهم على أنه أجزاء مختلفة من صورة واحدة. ان الهوية أمر معقد ومتعدد الأوجه، والذي يبحث في هذا الكتاب عن حل جوهري كامل لسؤال من هم الفلسطينيون مواطنو إسرائيل اليوم؟ سيصاب بخيبة أمل لأنه لا مجال للتوضيح طالما أن الأمر متعلق بشئون الهوية سواء تعلق ذلك بفئة الأقلية، أو الأكثرية المهيمنة والدولة بشكل عام. فالأسئلة معقدة جداً عدا عن أن الاجابات تكون متناقضة هي الأخرى وغير منطقية، لأنها تعتمد إلى حد كبير على الخيال واجزاؤها المختلفة تتواصل في اطار التوتر الداخلي. وحتى العولمة التي تحلق في أفق الواقع الديناميكي في الشرق الأوسط لا تعمل باتجاه واضح أو موحد، ففي أحيان تتعزّز هويات عرقية أو قومية وفي أحيان أخرى تعمل على تشويشها. وعودة إلى المجتمع الفلسطيني، فأبناء الحي الذين يحكي لهم الشاعر محمد علي طه قصة نكبة عام 1948 هم آباء الجيل الشامخ الذين ولدوا كمواطنين بدولة إسرائيل خلال العقد الأول من قيامها، وهم الذين نضجوا في ظل حربي 1967 و1973 ووصلوا إلى نضجهم السياسي مع أحداث يوم الأرض عام 1976، ويلعب هذا الجيل منذ أعوام التسعينيات دوراً أساسياً في الأحزاب والتنظيمات المدنية التي تمثل الفلسطينيين في إسرائيل. والاحتلال الإسرائيلي لمناطق الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان في يونيو عام 1967 كسر العزلة المفروضة على الفلسطينيين في إسرائيل، والتي كانت تحول بينهم وبين أبناء شعبهم منذ عام 1948، من جانب آخر، فقد برهن الأمر على الاستقرار السياسي والعسكري لدولة إسرائيل، ثم جرى عام 1973 تعميق الاعتراف بعدم زوال إسرائيل من الخريطة، وفي تلك الحرب التي باغتت إسرائيل شنت كل من مصر وسوريا، الخصمين القوميين لدولة إسرائيل، حرباً ضمن ظروف مثالية من وجهة نظرهما، غير أنه وعلى الرغم من المباغتة، نجحت إسرائيل في العمل على استقرار أوضاعها، وأنهت الحرب وأرتالها العسكرية قريبة من القاهرة ودمشق، والعالم العربي يتذكر ويذكر بالأيام الأولى للحرب، بينما تفضل إسرائيل تذكر مراحلها النهائية.وأياً كان الأمر، فانه في نظر الكثيرين من العرب بمن فيهم الفلسطينيون في إسرائيل، يرون القدرة على الصمود ورد الفعل الإسرائيلي في تلك الحرب بمستوى لا يقل عن الانتصار الخاطف عام 1967. وبالنسبة للفلسطينيين في إسرائيل، فقد تعمق القبول بوجود دولة إسرائيل بعد تلك الحرب التي فتحت عهداً جديداً في الجبهة الداخلية: أي النضال السياسي على صعيد المساواة المدنية. فخلال أعوام السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات تأسست البنية الثقافية التعليمية والتنظيمية الشعبية والسياسية لدى المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، ونشأ بشكل تدريجي مجتمع مدني متنوع، وفي بداية السبعينيات، قام تنظيم سياسي جديد في مدينة الناصرة ضم عدداً من النشطاء السياسيين والأكاديميين والطلاب، وسرعان ما توسع هذا التنظيم، وكان التطور الأبرز على هذا الصعيد في بلورة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة «حداش»، هذه الجبهة التي بنت نفسها إلى حد كبير على أساس النجاح الأول الذي حققته في انتخابات السلطات المحلية في مدينة الناصرة عام 1975، والتي تحولت في السبعينيات إلى قوة سياسية فاعلة قادت الوسط الفلسطيني في إسرائيل في منتصف التسعينيات. لقد نشأت حركة «حداش» من التحولات المثيرة للحزب الشيوعي في الستينيات، هذا الحزب الذي اعتمد على نواة صلبة من الناخبين اليهود أصحاب العقيدة العمالية الماركسية. اذ تحولت حركة «ماكي» أي الحزب الشيوعي الإسرائيلي إلى حركة تحظى بدعم الفلسطينيين في إسرائيل، وكان الانجاز المركزي الذي حققته «ماكي» وفيما بعد حركة «حداش» هو وضع الجمهور الفلسطيني في إسرائيل ولأول مرة منذ عام 1948 كخيار سياسي يمثل مصالحهم الجماعية، من دون الخضوع للجدول الزمني اليهودي الصهيوني. اذ ألغت الآلية الديناميكية القديمة التي كانت تتبعها الأحزاب الصهيونية في كسب ولاء المخاتير والوجهاء مقابل المنافع والرشاوي، وتوقفت لعبة التنكر للهوية الفلسطينية مقابل نمو قيادة مستقلة ذات نمط جديد. وساهمت النشاطات الجماهيرية الواسعة التي بادر اليها الحزب الشيوعي، وتزايد عدد الشباب الفلسطينيين خريجي جامعات الدول الاشتراكية آنذاك في تعزيز بناء قوة سياسية فاعلة ومؤثرة في الوسط الفلسطيني.وشكلت أحداث يوم الأرض في الثلاثين من مارس 1976، شاهداً على النضوج السياسي المتنامي في أوساط الأقلية القومية الفلسطينية، كما أشارت إلى مرحلة جديدة على صعيد العلاقات مع الدولة. يوم الأرض فقد جاءت المظاهرة احتجاجاً على موجة اغلاق مناطق وأراضي بحجة الاحتياجات الأمنية والاستيطانية، وهو المصطلح الرسمي لاجراء هدفه الحقيقي في غاية الوضوح وهو نقل الأراضي من الأيدي الفلسطينية إلى ملكية جماعية يهودية، وفي هذه الحالة اتسم الاجراء بطابع سياسي وتاريخي لم تتوقعه المؤسسة الإسرائيلية على الاطلاق، وعلى الرغم من أن الحجم الاجمالي للمناطق المقصودة بالاجراء كان ضئيلاً، بالمقارنة مع ما كان يجري في الخمسينيات والستينيات، الا أن الجمهور الفلسطيني في إسرائيل خلال تلك السنوات كان مختلفاً عما هو في منتصف السبعينيات، وأظهرت المظاهرات الحاشدة وردود الفعل الغاضبة على وحشية قوى الأمن الإسرائيلية، النضج السياسي للفلسطينيين في إسرائيل اضافة إلى القدرة على اتخاذ خطوات جديدة في مجال النضال من أجل الحصول على الحقوق المدنية. وهكذا تحول يوم الأرض إلى مدماك مهم في تعريف الهوية الفلسطينية ومواطنة الفلسطينيين في إسرائيل. وقد أحدثت أعوام السبعينيات، تغييرات على نظام السلطة المحلية أيضاً فقد تغلغل في أعماق العرب الفلسطينيين في إسرائيل الوعي بشأن البديل السياسي، كما أخذت الأحزاب الصهيونية تفقد الاهتمام والرغبة في السيطرة على البلديات والمجالس المحلية، مما أفسح المجال لوجود سلطات محلية كثيرة، فانتقلت مدينة الناصرة إلى سيطرة الحزب الشيوعي، وفي المرحلة التالية أعقبتها قوائم ذات برامج سياسية أكثر قومية، وفي نهاية السبعينيات أحرزت حركة «أبناء البلد» نجاحاً في المجالس القروية، ثم ظهرت في الصورة لاحقاً الحركة الاسلامية، كما تبلورت إلى جانبها قوائم عائلية محلية ومع أنها ليست ذات ارتباطات حزبية أو عقائدية، الا أنها ليست ملتزمة بالمؤسسة الصهيونية.أما على الصعيد القطري فقد شجع الفوز الذي حققه الحزب الشيوعي «حداش» في انتخابات الكنيست على تشكيل أحزاب أخرى، توجهت إلى الناخب الفلسطيني بتوجهات مختلفة، وكانت السباقة في هذا المجال هي القائمة التقدمية للسلام والتي أسسها محمد ميعاري عام 1984. وتجدر الاشارة هنا إلى أن زعماء القائمة التقدمية هم من قدامى رجالات حركة الأرض ونشطاء من «حداش» وجبهة الناصرة، ومن الذين انسحبوا من هذه الحركات في بداية الثمانينيات. وفي وقت لاحق جاء الحزب الديمقراطي العربي الذي أسسه عضو الكنيست عبد الوهاب دراوشة عام 1988، عندما انسحب من حزب العمل، وفي عام 1996 أسس الدكتور عزمي بشارة مع حركة أبناء البلد وموجة أخرى من المنسحبين من الحزب الشيوعي، التحالف القومي الديمقراطي بلد، وعشية انتخابات عام 1999 تأسست الحركة العربية للتغيير من قبل الدكتور أحمد الطيبي وتنظيمات أخرى، من جهة ثانية توجه النشاط الحزبي الفلسطيني في إسرائيل منذ نهاية التسعينيات، نحو عدم المشاركة اليهودية ـ العربية، وجرى التنصل والابتعاد عن المؤسسة الصهيونية في ظل الانتفاضة الأولى وحرب الخليج الثانية عام 1991، فقد أبرزت هذه الأحداث سلم الأولويات لدى الأحزاب الصهيونية، بما في ذلك حزب العمل وحركة «ميرتس» اللذان فضلا المصلحة اليهودية الصهيونية الواقعية، على القيم الاشتراكية الانسانية والاعتراف بمعاناة الأقلية الفلسطينية. وكان الوعي السياسي المتنامي لدى الفلسطينيين في إسرائيل وراء ظهور أحزاب عربية أخرى، حاولت طرح بدائل سياسية قومية للحزب الشيوعي، ذلك أنه خلال المراحل الأولى للانفصال عن الحزب الشيوعي، حاولت القائمة التقدمية للسلام مواصلة النضال جنباً إلى جنب مع القوى اليهودية، لكن هذه التجربة باءت بالفشل، وبعد ولاية برلمانية واحدة، تحولت القائمة إلى حزب عربي صرف، ولم تحاول الأحزاب التي تأسست بعدها دمج زعامات يهودية في صفوفها، وفي انتخابات عام 1999 بقي الحزب الشيوعي (حداش) الحزب الوحيد الذي توجه للجمهور الفلسطيني في إسرائيل، وتمّسك بمبدأ الاندماج. وأثّر الفشل الاستراتيجي لمبادرات التعاون اليهودي العربي المشترك في الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، بشكل حاسم، وكان له بصماته السلبية في تراجع وانحسار جيل الوسط أو الجيل الانتقالي، والبحث عن رؤية سياسية بديلة. وفي موازاة تعاظم النشاط السياسي ومبادرات المثقفين ازداد نشاط المنظمات المدنية، ففي بداية التسعينيات عملت في حوالي ثلث القرى والمدن العربية في إسرائيل ما يقارب 190 جمعية أو منظمة في مجال تطوير الخدمات الاجتماعية والتعليم والثقافة، وشكل جزء كبير من هذه الفعاليات استمرارية مباشرة لمنظمات وهيئات كانت قائمة قبل قيام إسرائيل، لكن أكثر من 90% منها تأسس بعد 1980، وازداد عددها بشكل مضطرد فيما بعد. أما التطور المهم الآخر فقد تمثل في اقامة لجان المتابعة متعددة المجالات (شئون التعليم والرفاه والأراضي) وذلك برعاية لجنة المتابعة العليا لرؤساء السلطات المحلية العربية، وقد قامت هذه النشاطات برسم الخطوط الهيكلية للمجتمع المدني والحكم الذاتي الاستقلالي والثقافي والمؤسساتي للفلسطينيين في إسرائيل. وعلى الرغم من النشاط الكبير، الا أن الانجازات المدنية للفلسطينيين في إسرائيل ظلت محدودة، فالأسقف الزجاجية التي تضعها الأغلبية اليهودية ظلت عصية على التصدع. اذ شعر النشطاء والجمهور بتراجع، كما أصاب الاحباط امكانية انجاز تغيير ما. على صعيد آخر شهد المجتمع الفلسطيني ارتفاعاً في معدل الكفاءات، مما انعكس على انتخابات الأحزاب العربية، والتي تحققت في نهاية التسعينيات مع الانتقال المؤقت لطريقة الانتخابات، حيث يتم انتخاب رئيس الحكومة بشكل مستقل عن قوائم الكنيست، وهذا النجاح النسبي أكد مرة أخرى الحواجز البنيوية. انّ دخول عدد كبير من أعضاء الكنيست العرب إلى قبة البرلمان لم يشكل اشارة لتغيير سياسي، اذ أن الأحزاب التي حصلت على أصوات الناخبين الفلسطينيين واصلت البقاء بعيدة عن ائتلافات السلطة، وباستثناء حكومة رابين ميرتس بين أعوام 92 ـ 96 حيث شكل الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي العربي جزءاً من كتلة برلمانية مانعة ساعدت الائتلاف أثناء حدوث الأزمات، لم تكن هناك ائتلافات سلطوية فكرت جدياً بضم أحزاب عربية اليها. وبقيت الأقليات الفلسطينية بعيدة عن موضوعات مهمة وحيوية، كالأراضي والمياه وتحديد ميزانيات السلطات المحلية والأمور المتعلقة بالتطوير الاقتصادي وأجهزة التعليم والأنظمة والقوانين العامة، كما تعمق الاجحاف بحق الفلسطينيين بشأن المساواة في الموارد، بل ربما الاحباط من الوصول إلى مساواة مدنية حقيقية. من جهة أخرى فان المشاركة البرلمانية التي سجلت نسبة 76% لم تغير شيئاً، كما أنه من مجمل 375 ألف بطاقة انتخابية في الوسط الفلسطيني، حصل باراك على 365 ألفاً منها، أي أكثر من 96% ومع ذلك لم يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجر أي اتصال مع مندوبي الأحزاب التي تمثلهم حداش والحزب الديمقراطي العربي والتحالف القومي الديمقراطي ـ لتشكيل ائتلاف أو حتى للتشاور. وباستثناء حكومة رابين بين أعوام 1992 ـ 1995، لم يكن هناك أي نشاط مثير لتحسين نصيب الوسط الفلسطيني في موضوع توزيع الموارد الوطنية. ولم يستكمل باراك خريطة مناطق التطوير التي طرحها أعضاء الكنيست من الأحزاب العربية، ولم تفلح المنافسة القوية بينهم والمواجهة ضد المركز الصهيوني في تقريب المجتمع الفلسطيني وممثليه إلى مراكز القوة في دولة إسرائيل. وفي نهاية التسعينيات بدأت العديد من الزعامات الفلسطينية في ادراك أنهم ربما سيضطرون إلى خوض نضالهم بأنفسهم، دونما أية مشاركة من جانب اليسار الصهيوني، وهذا الانفصال سهّل فيما بعد على أطراف في الشارع اليهودي اعتبار فعاليات الزعامة الفلسطينية فعاليات معادية، وتشكل خطراً على الدولة. وقد وصل الاحباط الناجم عن عجز النجاحات البرلمانية في ترجمة القوة الانتخابية إلى نفوذ وتأثير فعليين ذروته، ابان فترة حكم ايهود باراك، فقد سجلت الحالة عام 1999 أول دعم سياسي جارف وكبير من قبل الفلسطينيين لسياسي إسرائيلي في تاريخ دولة إسرائيل. لقد حظي باراك بدعم أصوات نصف مليون فلسطيني في إسرائيل في معركته الانتخابية ضد نتانياهو. وبعد مضي فترة امتدت لخمسة عشر شهراً على تشكيل باراك لحكومته، بادر باراك إلى الاجتماع الأول مع ممثلي لجنة المتابعة العليا، وهي الهيئة العليا التي تمثل البلديات الفلسطينية في إسرائيل، وجرى اللقاء في ظل ضغوط أحداث أكتوبر عام 2000، وبعد أن أسقط رصاص الشرطة الإسرائيلية في لواء الشمال ستة شهداء فلسطينيين، وعشية عام 2000 وصل حد الاحباط لدى الجمهور الفلسطيني في إسرائيل إلى معدلات عالية، فالجيل الوسط الذي حاول قيادة ثورة مدنية بوسائل سياسية برلمانية، وأخرى خارج نطاق البرلمان ـ كان بمثابة الجيل المسحوق. الاستعداد لما هو آتٍ لكي نفهم «الجيل الشامخ» ـ الجيل السياسي الذي تميز بوجهات نظر متفردة ومرتبطة بوعي تاريخي واضح، فانه ينبغي علينا أولاً فهم المناخ الاجتماعي الذي نشأ وترعرع فيه، أي أحضان الأجداد الذين مروا بحرب 1948 ووجدوا أنفسهم مواطنين في دولة مفروضة عليهم في أعقاب تلك الحرب. والفلسطينيون الذين كانوا شباباً ابان حرب 1948 هم اليوم في السبعين والثمانين من أعمارهم، ولدوا كرعايا عثمانيين ومن ثم بريطانيين. ومجتمع فلسطين في العشرينيات من القرن العشرين كان يخضع لعمليات تحديث وتمدّن مع علاقات لمجتمع مدني موحد، فقد تعاملت بريطانيا بليبرالية مع التنظيمات المدنية، لا سيما في المدن، وأفسحت المجال للنقابات المهنية والتنظيمات النسائية والاتحادات الرياضية والأحزاب السياسية للعمل، وعلى الرغم من وجود سلم طبقي واضح وصلب، وعلى الرغم من الهوة الاجتماعية بين سكان المدن والقرى، فقد استطاع المجتمع الفلسطيني ايجاد نظام وطني مناهض لبريطانيا وفاعل. فالاحتجاجات الفلسطينية عام 1929 وثورة أعوام 1936 ـ 1939، لا شك بأنها تشكل الأحداث الأهم خلال المرحلة التي مارس فيها الفلسطينيون حياتهم ضمن الوسط الواسع لشرق أوسط عربي منفتح. وكانت هذه المنطقة متحركة تعج بالتنقلات، اذ كان بامكان الشخص تناول الفطور في حيفا وتناول الغداء في بيروت والمبيت في دمشق ومن ثم السفر إلى بغداد صبيحة اليوم التالي. لقد انتهت أيام التبعية البريطانية في العالم العربي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكانت فلسطين مركزاً لوجستياً وقيادياً مهماً لدول الحلفاء، ابان الحرب، بحيث أن الوجود المكثف أدى إلى ازدهار اقتصادي، لكن الحصص والأرباح لم تقسم بشكل متساو. أما الهيئات والمنظمات اليهودية فقد خرجت كاسبة من الحرب من الناحية الاقتصادية والسياسية، أكثر بكثير من نظرائها في المجتمع الفلسطيني، فقد استغل الاستيطان اليهودي عنصر الزمن بهدف الاستعداد لما هو آت. تأليف: د. خولة أبوبكر وداني رابينوفيتش _ عرض ومناقشة: توفيق أبوبكر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات