كتاب ـ ما وراء 11 سبتمبر ـ تريد ضوءاً أخضر يتيح القتل المجاني، حرب أميركا تفتقر للشرعية ولن تسفر عن وقف الارهاب

الثلاثاء 9 شعبان 1423 هـ الموافق 15 أكتوبر 2002 يبادر الكاتب مايكل ماندل في مستهل مساهمته في الكتاب الذي نناقشه هنا إلى تأكيد ان الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد أفغانستان هي انتهاك للقانون الدولي وللنصوص الصريحة لميثاق الأمم المتحدة، كذلك فإنها غير شرعية، كما انها غير أخلاقية، ولن تحول دون انتشار الارهاب. ميثاق الأمم المتحدة، وهو اكثر المواثيق الموثوق بها في القانون الدولي ينشد تحريم الحرب، وأولى كلماته هي «نحن شعوب الامم المتحدة عاقدو العزم على انقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب..» ويسمح بالحرب فقط إذا ما ثبت فعلاً انها ضرورية، ولا يترك الميثاق هذه المسألة للدول نفسها، فتحديد مدى الضرورة من شأن مجلس الأمن، وذلك فيما عدا استثناء واحد هو حق الدفاع عن النفس فقط. لقد أصدر مجلس الأمن قرارين في الفترة من 11 سبتمبر وحتى بدء الهجمات الاميركية ضد أفغانستان في 7 اكتوبر والقراءة الأمينة لنص القرارين تظهر انهما لا يجيزان استخدام القوة وإنما هما يدينان هجمات 11 سبتمبر، ويشيران إلى الاجراءات التي تتخذ للقضاء على الارهاب، وخاصة القرار الأخير الذي يعدد التدابير العملية لمكافحة الارهاب وتمويل الاجراءات المطلوبة والتعاون بين مختلف الدول وأجهزتها الأمنية، ونص القرار على تشكيل لجنة من جميع الدول الاعضاء لمتابعة تنفيذ الاجراءات المذكورة وأعطى الدول مهلة 90 يوماً لتقديم تقرير اللجنة، وهكذا لم يذكر أي من القرارين كلمة واحدة عن استخدام القوة العسكرية أو ما شابهها، بل انهما لم يشيرا إلى اسم أفغانستان ولم ترد فيهما الصيغة المعهودة «جميع الوسائل الضرورية» والتي وردت في قرارات مجلس الأمن الصادرة إبان حرب الخليج الثانية والتي أعطت الضوء الأخضر لاستخدام القوة العسكرية ضد العراق، وحيث ان مجلس الأم لم يعط ترخيصاً باستخدام القوة، فإن الأساس القانوني للحرب في أفغانستان هو الدفاع عن النفس «وحتى هذا قابل للمناقشة». ولقد كثر الحديث عن مسألة الدفاع عن النفس، على أساس انها وردت في احدى فقرات التمهيد للقرارين المذكورين: «الاعتراف بالحق اللازم للدفاع عن النفس فردياً أو جماعياً، وفق الميثاق» ولكن يتعين التوسع في تفسير هذا النص لتحويله إلى تصريح بمهاجمة أفغانستان، وهناك خلاف كبير بين ما جاء في هذين القرارين وبين ما جاء في نص قرارات حرب الخليج والذي نص أيضاً على حق الدفاع عن النفس، تأكيداً على الحق اللازم للدفاع عن النفس فردياً وجماعياً ورداً على الهجمات المسلحة للعراق ضد الكويت، وفق المادة 51 من هذا الميثاق». وكان هذا هو القرار الثاني من بين 12 قراراً أصدرها مجلس الأمن في هذه الأزمة، وكان القرار الأخير هو وحده الذي سمح باستخدام القوة، أما القرارات السابقة عليه فكانت تحذر وتكرر التهديدات، وذلك على مدى أربعة أشهر، جرت فيها أيضاً محاولات دبلوماسية وفرضت عقوبات، وأعطى القرار الأخير العراق مهلة ستة أسابيع لاثبات حسن النوايا. ويؤكد هذا ان حقيقة وجود تأكيد على حق الدفاع عن النفس حتى ولو كان محدداً كما كانت الحال في الحالة العراقية/الكويتية، فإن هذا لا يتناقض مع المسئولية الأولى لمجلس الأمن للحفاظ على الأمن والسلام الدوليين واحتكاره لمبدأ التصريح باستخدام القوة. وفي الواقع ان حق الدفاع عن النفس من جانب واحد والوارد في المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة ينص على انه حق مؤقت، وهو مرهون بصد هجمات أو اجبار محتمل على الرحيل، وهذا الحق المؤقت لا يعطي الحق في الانتقام بعد وقف الهجمات، كما لا يجيز حق أي دولة في الاطاحة بحكومة تعتبرها هذه الدولة مسئولة عن الهجوم، ومن حق أي دولة ان تساعد نفسها عندما لا يكون في استطاعة مجلس الأمن الاسراع بنجدتها، ولا يمكن تصور أن احدى الدول الدائمة العضوية بمجلس الأمن والتي استخدمت حق النقض لمنع مد الاجراءات التي اتخذها المجلس لمكافحة الارهاب، يمكنها ان تبرر حرباً طويلة الأمد ضد الارهاب بدعوى ان مجلس الأمن لم يكن لديه متسع من الوقت للتدخل. ان هذه القاعدة أساسية لنظام الامم المتحدة بأكمله، وإلا كان لدى دولة عظمى مثل الولايات المتحدة ضوء أخضر للتدخل أينما أرادت ولأي مدة تراها، حتى ولو لم تكن هناك هجمات ضدها، حيث ان الدفاع عن النفس الذي تطالب به ليس لهجمات حدثت في الماضي وإنما لهجمات ستحدث في المستقبل، والواقع ان هذا الضوء الأخضر هو ما أورده الرئيس بوش في خطابه الذي ألقاه في 20 سبتمبر 2001 عندما أعلن ان هناك ألوف الارهابيين في اكثر من 60 دولة.. وعلى كل دولة في أي مكان من العالم ان تأخذ قرارها الآن.. فإما ان تكونوا معنا أو مع الارهابيين، ومن اليوم أي دولة تواصل ايواء الارهاب أو تساعده ستعتبرها الولايات المتحدة دولة معادية. وعلى هذا كتبت مجلة «ومنثلي ريفيو» تقول: «يضع خطاب بوش الاساس لسلسلة من التدخلات الحربية بدون تحديد جغرافي أو قيود أخلاقية بالنسبة للأسلحة التي ستستخدم وبدون وضع أي حد بالنسبة لعدد الأعداء أو نوعيتهم». إذا كان هذا يعتبر ممارسة سليمة لحق الدفاع عن النفس طبقاً للمادة 51 من الميثاق فإن عمل مجلس الأمن كممثل منتخب للأمم المتحدة في تحمل مسئولية استخدام القوة العسكرية والحكم على ضروريتها، ووضع أهدافها وحدودها والاشراف عليها، هذا العمل يكون قد تغير موقعه، وهذ يعني نهاية ميثاق الأمم المتحدة. فحق الدفاع عن النفس في القانون المدني لا يعطي الانسان الحق في تنفيذ القانون بنفسه عندما يكون لديه الوقت لاستدعاء الشرطة، وهذا ما يتعين تطبيقه أيضاً في القانون الدولي، لقد ادعت الولايات المتحدة ان الهجمات كان وراءها أفغانستان ـ ابن لادن وشبكة القاعدة ـ مع ان البراهين التي قدمها بلير وقبلتها باكستان كانت براهين واهية، ولكن واشنطن لم تدع اشتراك حكومة أفغانستان في التخطيط للهجمات أو تنفيذها. فقط قامت بايواء الارهابيين وسمحت لهم بالعمل في أراضيها، هذه الاتهامات نفسها سبق ان وجهت لحكومة نيكاراجوا ، وكانت واشنطن تسعى للبحث عن مبرر لقصف أراضي نيكاراجوا وتلغيم موانيها ومساعدة الثوار ضد الحكومة في الحرب الأهلية التي أودت بحياة عشرات الألوف من أبناء نيكاراجوا، وقد رفضت المحكمة الدولية الادعاءات الاميركية على أساس ان السماح لدولة باستخدام أراضيها لتنفيذ عمليات ضد دولة أخرى لا يعني مهاجمة هذه الدولة. وقد كان هذا وراء عدم اعتراف الولايات المتحدة بأحكام المحكمة الدولية وعدم القدرة بالتالي على الزام الولايات المتحدة بتنفيذ الاحكام الصادرة عن المحكمة. علم بلا قانون الواقع ان الولايات المتحدة تنتهك بصفة دائمة القوانين الدولية الخاصة باستخدام القوة، وإذا كانت هناك عدة أمور قد تغيرت منذ الحادي عشر من سبتمبر فإن الولايات المتحدة لم تغير عدم احترامها للقوانين الدولية، فقصفها للعراق بالقنابل طوال عشر سنوات وقصفها ليوغسلافيا في ربيع 1999 خرق للقوانين الدولية، خاصة وان المحكمة الدولية أكدت ان اللجوء إلى القوة في حالة الدفاع عن النفس لابد ان يكون أمراً ضرورياً وأن يكون قد تم استنفاد جميع البدائل الأخرى، وفي حالة أفغانستان لم يتم الانتظار لمعرفة نتائج المحاولات السلمية بما فيها وساطة الأمم المتحدة، وعلاوة على ذلك فإنه من الصعب على الولايات المتحدة ان تثبت ان عملياتها العسكرية في أفغانستان مجدية لمنع الارهاب، وقد كتب أحد الصحافيين الاسرائيليين النشطاء في حركة السلام يقول في نوفمبر 2001: بما ان الارهاب هو دائماً أداة سياسية فإن أسلم طريقة لمحاربته هي الطريقة السياسية، حل المشكلة التي تغذي الارهاب وستتخلص منه، قم بحل المشكلة الاسرائيلية ـ الفلسطينية والمشكلات الأخرى في الشرق الأوسط، تتخلص من القاعدة، انه سيذبل مثل الزهرة التي تحرم من الماء، وحتى الآن لم يبتكر أحد طريقة أخرى. وهنا نجد نقطة جوهرية في تقويم مسألة ضرورة العمل العسكري لمحاربة الارهاب، وهي المسئولية الكبيرة التي تتحملها الولايات المتحدة بالنسبة لأعمال العنف، فابن لادن كان ضمن المجاهدين الذين ساندتهم وسلحتهم الولايات المتحدة للتصدي للسوفييت، كما انها تخلت عن أفغانستان تماماً وتركتها للحروب الأهلية طوال عقد كامل من الزمان. والأهم من كل هذا الاستياء الكبير والمشروع الذي شعر به العالم العربي من الولايات المتحدة والذي كان بدون شك ضمن دوافع هجمات 11 سبتمبر التأييد الاميركي لاسرائيل واحتلالها الغاشم بل والارهابي للضفة الغربية وغزة والذي لم يكن ليستمر 34 عاما بدون الأموال الاميركية والأسلحة المتقدمة ـ القصف الجوي للعراق لعشر سنوات وفرض نظام حظر تسبب في قتل مئات الألوف من الأطفال، ولعشرات السنوات تتزعم الولايات المتحدة حرباً غربية ضد الشرق الأوسط بشأن النفط، وهي حرب الغني ضد الفقير. وهكذا لا يمكن الاعتقاد بأن تلك الحرب التي تقودها الولايات المتحدة هي حرب ضد الارهاب، ان تلك الحرب الارهابية في حد ذاتها ستؤدي إلى زيادة الارهاب بدلاً من القضاء عليه، تماما كما حدث من جراء العمليات الانتقامية السابقة التي قامت بها الولايات المتحدة ضد ليبيا وتلك التي تقوم بها اسرائيل ضد الفلسطينيين، إن الحرب في أفغانستان هي حرب انتقامية تظهر قوة الاميركيين، أو هي حرب تخفي اسباباً جيوبوليتكية يمكننا ان نتصورها، ان ألوف الضحايا من أبناء شعب أفغانستان المسكين قد سقطوا، وقد بدأ عدد من فقهاء القانون الدولي والصحافيين في الحديث عن جرائم الحرب التي يجب ان يقدم المسئولون عنها إلى المحاكمة، ولكن رئيس الجميع هو العام سام، ان الحكومة الاميركية والقادة العسكريين وحلفاءهم مذنبون لارتكابهم ما أسمته محكمة نورمبرج بالجريمة الكبرى، ان كل قتيل وكل رجل أو طفل مشوه يمثل نتيجة لجريمة ضد الانسانية، لأن هذه الجريمة تمت بتعمد ومن دون اي عذر قانوني. هل الشرعية لها أهمية في أمر كهذا؟ اعتقد ان هناك سببين يؤكدان ذلك، أولاً هذه الحرب ليست ظالمة فقط لأنها حرب غير شرعية، فعلى العكس انها غير شرعية لأنها ظالمة، انها قتل متعمد، ليس لأن ذلك ضروري لانقاذ حياة وإنما لتحقيق غرض سياسي، وفي هذا فإنها ستكون من الناحية الأخلاقية والقانونية مساوية لهجمات 11 سبتمبر كذلك فإنها غير شرعية لأنها نحت جانباً الأسرة الدولية الحقيقية ممثلة في الأمم المتحدة. وإذا سمحنا باهمال نظام الشرعية الدولية الممثل في الأمم المتحدة من قبل الولايات المتحدة أو غيرها فلن تكون هناك حدود لأعمال العنف في العالم، نحن جميعاً معرضون للخطر مما سيحدث في المستقبل، وليس فقط في الولايات المتحدة، فهزيمة طالبان وابن لادن لن تعني ان سماءنا ستكون آمنة، ان التجارب تؤكد ان تلك الظروف ليست هي نهاية العنف، وإنما هي تؤدي لتفاقمه، فالعنف يولد العنف. فلنتذكر 11 سبتمبر ليس لمأساته الانسانية، بل لأنه يمثل بداية لانتشار العنف ولعالم بلا قانون. ما الارهاب؟ وفي اطار مساهمة الكاتب توماس ماتيزين في الكتاب الذي نناقشه هنا يشير إلى ان العمليات التي جرت في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر كانت عمليات مفزعة، وكانت العمليات التي قامت بها الولايات المتحدة أيضاً على مر السنين ضد دول أخرى هي عمليات مفزعة، والعمليات الأخيرة كانت جزءًا من العوامل المعقدة التي تسببت في العمليات الأولى، وفي ظلك عمليات سبتمبر ضد القوة العظى جرى اعداد خطط في اطار الاتحاد الأوروبي تضمنت توسيعاً كبيراً لما نفهمه عادة على انه ارهاب. واحتوت هذه المقترحات على صفتين أساسيتين، أولاً إذا ما تم تنفيذها فستكون لها أهمية هامشية بالنسبة لمنع أعمال مثل تلك التي جرت في الولايات المتحدة، ثانياً فإنها يمكن ان تكون لها أهمية كبيرة في منع احتجاجات مشروعة ضد اجتماعات قمة دولية مثل تلك التي شهدناها في 2001 في جوتنبرغ وجنوا. وتمت مناقشة أول هذه المقترحات في اجتماعات المجلس الوزاري للاتحاد الأوروبي الخاص بشئون العدل والداخلية في 20 سبتمبر 2001، وقد تقدمت المفوضية الأوروبية باقتراحين للمجلس الوزاري لاتخاذ قرارات بشأنها وذلك بعد أحداث 11 سبتمبر يتعلق الاقتراح الأول بأمر الاعتقال الأوروبي والثاني يخص مكافحة الارهاب، ووافق الوزراء على الاقتراحين من حيث المبدأ وطلبوا بحثهما بشكل معمق وبسرعة. وأركز هنا على الاقتراح الخاص بمكافحة الارهاب، وجوهر الاقتراح يكمن في المادة 3 التي حددت مفهوم جريمة الارهاب. والارهاب هو مفهوم بالغ التعقيد، وهو إلى حد كبير مرتبط بالآراء السياسية: عمليات الفلسطينيين في الشرق الأوسط توصف بأنها ارهابية من قبل اسرائيل وعدة دول غربية في حين انها تعتبر مشروعة وأعمالاً سياسية ضرورية من جانب العديد من الفلسطينيين وعادة فإن جانباً مهماً من الكفاح المسلح يقوم على كسب معركة تعريف الارهاب. فما يمكن تعريفه بالارهاب يمكن ان يتغير على مر التاريخ فالمظاهرات والأعمال التي قامت بها حركة العمل النرويجية في بداية القرن العشرين كانت توصف بأنها اعمال ارهابية في حين اننا عندما ننظر إليها الآن نعتبرها مشروعة ومحاولات ضرورية لتغيير المسار السياسي والتركيب الاجتماعي في النرويج. وعلى الرغم من هذا التنوع فإن أنشطة مهمة تفهم على انها ارهابية من أغلبية كبيرة بغض النظر عن الآراء السياسية والمرحلة التاريخية، فأعمال العنف التي تتم ضد المدنيين وبهدف سياسي أو أيديولوجي واضح إلى حد ما في الذهن تشكل ارهابا (حتى ولو كان مرتكبوها لا يعتبرونها في ذلك الوقت ارهابا) واذكر من هذه الأعمال القصف العشوائي لمدينة درسدن في نهاية الحرب العالمية الثانية واطلاق الطائرات النار على المدنيين الذين حاولوا الهرب، وذلك حتى ولو كان الغرض هو التعجيل بانهاء الحرب، ولم تكن تلك المدينة ذات أهمية عسكرية تستوجب قتل عشرات الألوف من المدنيين وقصف مدن خلال حرب فيتنام والهجمات ضد الصومال والعمليات التي جرت ضد مركز التجارة العالمي في نيويورك والبنتاغون كلها تمثل الحالات نفسها. هناك عمليات أخرى يمكن ضمها إلى هذه الفئة أو استبعادها منها، وذلك حسب الظروف، فمثلاً القصف الاميركي لأفغانستان حتى ولو كان يرمي إلى النيل من مواقع عسكرية فإنه خلف أعداداً ضخمة من الضحايا المدنيين، وبذلك فإن البعض يضمه إلى قائمة الاعمال الارهابية. وعلى أي حال فإن اقتراح المفوضية الأوروبية المذكور فيما سبق يعرف الارهاب بأنه يتضمن الانشطة التي تتجاوز ما هو معقول وتذهب إلى أبعد من مفهوم الارهاب المعروف اليوم، ويعطي الاقتراح قائمة بالجرائم المتضمنة القتل والدخول إلى أنظمة الحواسب الآلية وكذلك السرقة والتي لا ترتبط بالضرورة بالعمليات الارهابية، بل ان عمليات العصيان المدني شملها الاقتراح، وكذلك الاستيلاء على مبان عامة بغرض الاحتجاج على الحكومات والحاق أضرار بها، وقد قدم الاقتراح أيضاً تعريفاً واسعاً للارهاب والجرائم المنصوص عليها وذكر انه إذا ما ارتكبت هذه الجرائم بشكل متعمد من فرد أو مجموعة من الأفراد ضد دولة أو عدة دول أو ضد مؤسساتها أو ضد أفراد بغرض تخويفهم أو «تغيير» أو تدمير هياكل اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية في «هذه البلاد» فإنه ستتم معاقبتهم على أساس ان تلك الأعمال هي جرائم ارهابية. وفي رد المجلس الوزاري على اقتراح المفوضية فإنه وسع تعريف الارهاب، فقد غير اصطلاح «تغيير» أو تدمير هياكل .. إلخ، إلى التأثير على هياكل وكلمة تأثير تشمل كل شيء، كما انه أضاف إلى هذه البلاد المنظمات الدولية. وتم عرض المقترحات على البرلمان الأوروبي الذي لم يعدل كثيراً في النص، واتفق في النهاية على ان تعريف الفرض الارهابي هو ادخال الفزع على السكان أو اجبار الحكومات أو المنظمات الدولية على القيام بعمل أو عدم القيام به أو احداث زعزعة بشكل خطير للهياكل السياسية أو المؤسساتية أو الاقتصادية أو الاجتماعية لدولة ما أو لمنظمة دولية أو تدميرها. ومفهوم «زعزعة» الهياكل ربما يكون أقل من «تغيير» الذي اقترحته المفوضية الأوروبية. ولكن ماذا يعني «ادخال الفزع» على السكان؟ هل المتظاهرون في جوتنبرغ والذين من المحتمل أن يكونوا قد روعوا سكانها هم في نظر الوزراء الذين حضروا اجتماعات جوتنبرغ ارهابيين؟ وإلى ماذا يشير نص «اجبار الحكومات...» ربما إلى المظاهرات التي جرت في النرويج في الثمانينيات والتي حاول فيها المتظاهرون منع الحكومة من تنفيذ مشروع كهربائى هناك. إن توسيع معنى الارهاب لا يجب أن يصل إلى هذا الحد. فالمتظاهرون الذين يحتجون على سياسة حكومة أو انصار البيئة الذين يحتلون بعض المواقع بغرض التصدي لتنفيذ مشروع يرون أنه ضار بالبيئة لا يمكن اعتبارهم ارهابيين. والواقع ان العديد من الافراد والجمعيات الاهلية خاضوا حرباً ضارية لحمل المسئولين بالاتحاد الاوروبي على الحد من توسيع مفهوم الارهاب. وقد نجحوا بالفعل في ذلك. ولكن يجب استمرار الحملات.فمصطلحات مثل «الاضرار والتخريب» مفهومها واسع ويمكن أن تتسبب في مشكلات لا حد لها. ففي كل مظاهرة يمكن أن يحدث نوع من التخريب. كذلك فإن الحديث عن «ما قد يهدد حياة الناس» مسألة حساسة خاصة اذا ما تذكرنا تصرفات رجال الشرطة في جنوا. ومن ناحية أخرى تنص المقترحات على أنه «ليس في هذا القرار ما يمكن تفسيره بأنه يحد من الحقوق الأساسية أو الحريات.. وحرية الأفراد في الانضمام إلى النقابات العمالية لحماية حقوقهم وحقهم في التظاهر». ولكن هذه المصطلحات التي تتحدث عن قيم تبدو فارغة وكأنها حشو يوضع في مستهل البيانات السياسية من دون الالتزام كثيراً بمعانيها. فالاشارة إلى «حق التظاهر» يشير إلى المظاهرات المرتبطة بالنقابات العمالية وليس المظاهرات وحركات الاحتجاج. فاذا كانت أعمال الاحتجاج التي جرت في جوتنبرغ وجنوا سيتم استبعادها فإنه يجب وضع مصطلحات واضحة. ومن الواضح أن هناك أقلية من الحكومات ترغب في التأكد من أن «نشاطات النقابات العمالية والحركات المناهضة لا تدخل في نطاق هذا القرار. وقد وافق المجلس الوزاري على اضافة بيان للقرار. وعلى الرغم من انه ليس لهذا البيان قوة قانونية فإن له صيغة سياسية فقط. ويقول البيان بالنسبة لتعريف الارهاب «لا يفسر لتجريم أشخاص يمارسون حقهم المشروع في التظاهر للتعبير عن آرائهم حتى ولو ارتكبوا خلال هذه المظاهرات مخالفات». وربما يكون هذا البيان اعترافا بالحاجة إلى استبعاد المظاهرات غير القانونية من مفهوم الارهاب. ولكننا نلاحظ ان النص غير واضح وان هذا الاستبعاد لمجموعة اخرى من الافعال يجب ان يكون صريحا. هناك حدود على أي حال فإن ذلك يظهر أن المعركة يمكن تحقيق النصر فيها وأن المدافعين عن الحقوق المدنية يمكنهم النضال ضد أجهزة القرار في الاتحاد الأوروبي. ولكن يظهر هذا أيضاً ان هناك حدودا. فالنصوص التي يصر الاتحاد الأوروبي على تمريرها يمكن أن تطبق في أحداث مثل تلك التي جرت في جنوا وأن نجد عددا كبيرا من المتظاهرين وقد اتهموا بممارسة الارهاب بكل ما يتبع ذلك من عواقب قانونية واجتماعية. وكما كتب أحد العاملين في منظمة نشطة في الحقوق المدنية «فإن ما يطالب الاتحاد الاوروبي بتطبيقه هو امر خطير، ولن يمنع حدوث اعمال مروعة كتلك التي جرت في الولايات المتحدة. فتلك العمليات نفذها إناس محترفون قادرون على العمل خارج الاطر العادية. الا ان الاجراءات التي يزمع الاتحاد الاوروبي تطبيقها ستجعل في مقدور المؤسسات الحكومية وقواتها وقف الاحتجاجات المشروعة ضد الهياكل السياسية او الاقتصادية او الاجتماعية». ان وسائل الاحتجاج السياسي المتاحة لدى الناس العاديين معرضة للهجوم. وأياً كان هذا الهجوم مخططاً أو رد فعل لاضطراب مفاجيء نتيجة للأحداث ـ أو مزيجاً من الاثنين ـ فإن ذلك يمثل خطراً من الناحية السياسية. وعلى المفوضية الأوروبية والمجلس الوزاري عدم توسيع مفهوم الارهاب وتعميمه بهذا الشكل. تأليف: فيل سكريتون وآخرين _ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

طباعة Email
تعليقات

تعليقات