ابداعات مصور مغمور .. مادة للمؤرخين البريطانيين

الجمعة 5 شعبان 1423 هـ الموافق 11 أكتوبر 2002 عندما أسس المصور المبتديء هاري جاكوبس الاستديو الخاص به في حي بريكستون اللندني في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، لم تكن لديه فكرة اي مؤسسة سيصبح عليها ذلك الاستديو. ففي الاربعين عاما التي تلت، كان المصور الذي يفد اليه آلاف الاشخاص في حي جنوب لندن لكي يوثقوا احداثا كبيرة في حياتهم. ولقد مجدت صوره جوائز المدرسة والعائلات والصداقات وكانت شاهدة على وظيفة جديدة او ميلاد طفل جديد، وكان ايضا عنصرا ثابتا في حفلات التعميد والزواج وفي الجنائز. وعندما تقاعد في عام 1999، كان جاكوبس قد جمع ارشيفا يضم ما يقارب 60 ألف صورة. والآن ستظهر مجموعة من تلك الصور في قاعة عرض أعمال المصورين بلندن. وهي تشكل مجتمعة سجلا فريدا لمجتمع يخضع لتغيير اجتماعي هائل. ويقول هاري غولبورن، مستشار مشروع القاعة واستاذ علم الاجتماع في جامعة ساوث بانك: «انها صور ذات اهمية كبيرة لان عمل هاري يغطي الفترة التي شهدت استقرار المهاجرين من الكاريبي في تلك المنطقة. وعندما هاجر الناس قبل عصر الانترنت والهواتف والسفر الرخيص، كان التصوير مهما من حيث نقل الرسائل الى ميناء المغادرة «الوطن الأم». وكانت تلك وسيلة لابلاغ الاهل في الوطن الأم رسالة مفادها: «اننا على خير ما يرام». كان جون اكلستون قد وصل الى بريطانيا قادما من جمايكا في عام 1960. وبحلول عام 1964، كان قد تزوج وكون اسرة. كان جاكوبس هو المصور الذي قام بتصوير حفلة زواج اكلستون، وعلى مدار سنوات كان الاخير يتردد على الاستديو في شارع «لاندور رود». ويقول اكلستون البالغ من العمر الآ 62 عاما: «لم تكن أمي تعرف زوجتي ولا أولادي. ولهذا كان علي ان ارسل لها صورا لكي تراهم». ومع مرور الأعوام، ذاع صيت هاري جاكوبس في اوساط العائلات الممتدة والشبكات الاجتماعية مثل كنيسة الحي ويتذكر فنان الراب ناي كيف كان يذهب الى الاستديو كولد صغير في أوائل السبعينيات، ويتذكر بشكل خاص مجموعة الصور التي كانت ملصقة على معظم السطوح العمودية. ويقول بهذا الخصوص: «انها جزء من طفولتي. فعندما كنت تترعرع وتمر بمحله، كنت ترى الكثير من الصور والوجوه. فقد كان الجميع لديه. واذا لم تكن لديه، فإن هذا يعني ان والديك لم يكونا محظوظين بما فيه الكفاية لكي يأخذاك الى هناك». الفكرة السائدة تظهر الصور التي التقطها جاكوبس الأزياء المتغيرة ايضا. ولكن الفكرة السائدة فيها هي تصوير الاشخاص بزي العمل. احدى الصور الخمسمئة التي سيحتضنها المعرض تظهر ماري جوزيف. ففي 1960 أبحرت من انتيجوا لكي تنضم الى والدتها في بريكستون، ولكن بحلول السبعينيات، كانت تعمل لدى مؤسسة مواصلات لندن. وتقول عن تلك الأيام: «عندما قدمت الى هنا كفتاة عمرها 20 عاما، عملت بالخياطة في وايت تشابل وتجهيز القمصان في أولد سترتي» وعملت في محل لبيع الخبز. وفي أحد الايام رأيت اعلانا في صحيفة «الميرور» يقول انني احصل على زي ويدفعون لي أجرا ويمنحوني تذكرة مجانية لركوب الحافلات. ونظرا للمسئوليات التي كانت على عاتقي ـ فقد كان علي ان ارسل المال الى جدتي في الوطن ـ فقد كانت الزيادة ولو بمقدار جنيه استرليني واحد امرا مهما». وعلى الرغم من الابتسامات التي تعلو شفاه من ظهروا في الصور الا انه كان هناك شيء من القلق الذي يظهر في الصور الاولى. فالحياة لم تكن مفروشة بالورود كما توحي بذلك الصور. فعلى الرغم من ان الحكومة قد شجعت مواطني دول الكومنويلث على الهجرة الى بريطانيا في أوائل الستينيات، الا ان هذا البلد كان مكانا صعبا ازاء المهاجرين. ويقول غولبورن، الذي هاجر وهو صغير في الخمسينيات من جمايكا الى كامبرويل: «كان هناك توظيف كامل، بحيث يحصل الاشخاص على فرص عمل، ولكنها ليست بالفرص التي يريدونها بالضرورة». وبالاضافة الى ذلك فإن مجتمع المهاجرين عانى لكي يجد سكنا محترما، حيث كان يتعرض للتمييز من قبل الملاك والبنوك. ويقول غولبورن حول هذا الامر: «كانت ظروف المعيشة يرثى لها: فأشخاص كثيرون كانوا يعيشون في غرفة واحدة بمنافع مشتركة. وكانوا يعتمدون على شبكتهم الاجتماعية في شراء منازل كانت تنتظر الهدم، والازالة. ومع نهاية الستينيات، بدأت المشكلة الثالثة بالظهور وهي تأمين التعليم لاطفالهم». لم يكن جاكوبس يتخيل قط ان عمل حياته سيكون بهذه الاهمية للمؤرخين لدرجة ان يتم عرضه في يوم من الايام. وعلى الرغم من ان التصوير كان اهتمامه على مدار حياته، الا انه لم يكن مدفوعا بالطموح. ولكن النجاح كان حليفه، واستطاع مع مرور السنين ان يستأجر استديو خاص به بل ويشتري المبنى كله ويوظف خمسة مصورين آخرين. وفي الاستديو، عمل جاكوبس بمساعدة مجموعة محدودة من عناصر الديكور التي تألفت من سلة ازهار صناعية وهاتفين ونموذج طائرة مصغر، وكان يجلس زبائنه أمام منظر طبيعي لحديقة استوائية مزهرة. وهذه الامور تراها ثابتة في معظم صوره. ضرار عمير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات