عشرات الحروب مقابل خمسة إعلانات رسمية لها، مؤرخو أميركا يطالبون الكونغرس باسترداد ما أعطاه للرئيس مجاناً

الاثنين 1 شعبان 1423 هـ الموافق 7 أكتوبر 2002 احتفلت الولايات المتحدة قبل أيام بعيد الدستور، الذي يخلد ذكرى اليوم الذي وقّعت فيه الوفود القادمة من مختلف الولايات المتحدة الى مدينة فيلادلفيا على وثيقة الدستور التي عكفوا طيلة أربعة شهور على صياغتها في شكلها النهائي. وهذا العيد شأنه شأن العيد الوطني وعيد القوات المسلحة لم يجد طريقه الى قائمة العطل الرسمية. لكن البروفيسورة جويس أبيلباي، أستاذة التاريخ الأميركي في جامعة كاليفورنيا اخذت هذا اليوم عطلة، وتوجهت الى واشنطن، حيث قدمت أمام أعضاء الكونغرس التماساً وقّع عليه حوالي 1300 أكاديمي من زملائها في المهنة. وجاء في مطلع العريضة: «نحن المؤرخين الأميركيين الموقّعين أدناه نحثّ أعضاء الكونغرس على الاضطلاع بمسئولياتهم الدستورية في مناقشة خيار إعلان الحرب على العراق والتصويت على قرار الحرب. نطلب من أعضاء مجلس الشيوخ وممثلينا في مجلس النواب القيام بذلك، لأن الكونغرس لم يؤكد على صلاحياته في اعلان الحرب منذ أكثر من نصف قرن، تاركاً السيطرة المطلقة على قواتنا المسلحة للرئيس وحده، مما يلحق الأذى بديمقراطيتنا ويشكل انتهاكاً واضحاً للدستور». منذ التوقيع على وثيقة الدستور قبل أكثر من مئتي عام خاضت الولايات المتحدة حروباً كثيرة يصعب حتى على الأميركي المثقف الدارس تذكرها. لكن كانت هناك ثماني أو تسع حروب كبيرة بارزة ابتداءً من حرب عام 1812 حتى حرب الخليج. وكان هناك أيضاً بضعة عشر صراعاً مسلحاً شهدت حشوداً عسكرية كبيرة مثل المعارك الميدانية أو الاشتباكات البحرية وإذا أحصينا الحروب العديدة ضد الهنود الحمر والمغامرات الكثيرة في أميركا اللاتينية والحملات العسكرية الخطرة (من الغزوات ضد دول شمال أفريقيا في مستهل القرن التاسع عشر الى التدخلات العسكرية في منطقة البلقان في نهاية القرن العشرين) يرتفع الرقم بشكل مثير. لكن إعلانات الحرب الرسمية في التاريخ الأميركي نادرة جداً الى درجة توازي درجة شيوع الحرب بحد ذاتها. إذ لم يكن هناك سوى خمسة اعلانات حرب رسمية فقط هي: حرب عام 1918 والحرب المكسيكية (1846) والحرب الاسبانية الأميركية (1898) والحربان العالميتان. والفكرة القائلة ان الجنود الأميركيين كانوا في يوم من الأيام لا يذهبون للحرب البتّة بدون إعلان حرب رسمي هي فكرة فنتازية سابحة في خيالات ماضٍ لم يكن موجوداً، تماماً مثل فكرة أن الحكومة كانت في يوم من الأيام تنتسب للشعب، وهي الآن تخدم «مصالح خاصة معينة». على أية حال، فإن إعلان الحرب رسمياً ليس شرطاً ضرورياً لكي تكون الحرب دستورية، إذا صحّ التعبير. وحربنا غير المعلنة الأكثر دموية لم تكن في فيتنام، بل كانت الحرب الأهلية التي قتلت من الأميركيين أكثر مما سقط في كل الحروب الأميركية مجتمعة، باستثناء الحرب العالمية الثانية. والغريب أن الخيال الوطني قدّس تلك الحرب الأهلية المريعة. في عام 1861، كانت حكومة الولايات المتحدة تعتبر نفسها ماضية في قمع تمرّد خارج عن القانون وليس في محاربة جيوش دولة ذات سيادة. ولم يرغب الكونغرس حينها بإعلان الحرب رسمياً على اتحاد الولايات الاحدى عشرة التي انفصلت عن الولايات المتحدة الأميركية في عامي 1860 و1861، لأن ذلك سيمنحهم اعترافاً دبلوماسياً غير مباشر. والصعوبة نفسها كانت ستلازم خيار إعلان الحرب رسمياً على تنظيم القاعدة بشكل يفسد فكرة الحرب على الارهاب برمتها، لأنها تهب العدو مكانة وكرامة لا يستحقهما. لكن حقيقة أن أي اعلان حرب رسمي لم يصدر عن الكونغرس منذ 61 عاماً، لا بُدّ ان لها دلالة معينة. ومن الواضح انها لا تعني ان أميركا حولت سيوفها الى شفرات لحراثة الأرض، ولا تعني أيضاً ان غياب الكونغرس كان نتيجة اغتصاب رئاسي لمسئولياته. فخلال النصف الأولى من القرن العشرين، أصبح إعلان الحرب يعني بداية حرب عالمية شاملة يجب أن تحسم، وهو كابوس ظل يخشاه كل سكان الأرض طيلة فترة التوتر مع الاتحاد السوفييتي المكدس بالأسلحة النووية. ومن منظور نفسي كان إعلان الحرب (في كوريا أو فيتنام على سبيل المثال) سيبدو وكأنه اشعال فتيل كارثة عالمية. وفي حين أن كل الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في الخمسين سنة الماضية كانت بمبادرة رئاسية، لكن من غير الصحيح تماماً أنها تمت بدون تفويض الكونغرس. ففي السابع من أغسطس عام 1964، أعطى الكونغرس موافقته على الحرب في فيتنام من خلال قرار خليج تونكين. ولم يكن ذلك القرار منسجماً تماماً مع المعايير الدستورية. والأكثر من ذلك انه كان مبنياً على تقارير مبالغ بها ترقى الى مستوى الكذب عن التعديات المزعومة من جانب فيتنام الشمالية. وقرار «القوى الحربية» الذي مرره الكونغرس عام 1973 في أعقاب حرب فيتنام كان محاولة لتصحيح اختلال التوازن الوظيفي. وكل الرؤساء الأميركيين منذ ذلك الحين نبذوا القرار بوصفه غير دستوري. لكنهم جميعهم التزموا به بشكل أو بآخر. وبدون شك، كان من بين الموقّعين على عريضة المؤرخين، بعض الأشخاص الذين تشكل القضية الدستورية بالنسبة لهم مسرحاً لعرض رفضهم لأي استخدام للقوة العسكرية الأميركية. لكن القائمة تتضمن أيضاً أسماء بعض ألمع مستكشفي الماضي الأميركي بمن فيهم آلان برينكلي وهنري غراف وجيردا سميث وجيمس مكفيرسون وجاك راكوف وآرثر سيلزينغر وغاديس سميث وسين ولينتس. ومن المفترض أن هؤلاء يفهمون أن خيار إعلان الحرب رسمياً غير وارد. لكن ما يسعى إليه هؤلاء من وراء العريضة ـ ما هو مطلوب فعلياً دستورياً وسياسياً، هو إجراء تصويت على قرار يخوّل الرئيس باستخدام القوة، ويحدد شروط ذلك الاستخدام. وفيما كانت نسخ عريضة المؤرخين توزع على أعضاء الكونغرس، كانت ادارة بوش تواصل اصرارها على حقها في شن حرب وقائية مدروسة ومفتوحة على نطاق واسع بدون موافقة الكونغرس (ناهيك عن موافقة الأمم المتحدة). لكن في الوقت الذي قدمت فيه العريضة، اتضحت رؤية المؤرخين، وفي يوم الخميس التالي، أرسل البيت الأبيض «مسودة قرار» لتناقش في الكونغرس. من المفروغ منه أن الكونغرس سوف يمرر مثل هذا القرار. لكن النقاش يجب ان يتمحور حول نص القرار. إن وظيفة واضعي نصوص القرارات في الكونغرس تشبه وظيفة نظرائهم في الأمم المتحدة، التي تقوم حالياً بشيء مشابه في ردهات الأمم المتحدة، حيث ينصب التركيز على صدام حسين. وينبغي لأي قرار جديد صادر عن مجلس الأمن أن يعلن بوضوح لا لبس فيه أنه لم يعد هناك مجال للتسامح مع المراوغات والتحديات التي درج عليها النظام العراقي خلال العقد المنصرم، وان القبول غير المشروط باستئناف عمل فرق التفتيش يجب أن يكون أمراً مطلقاً غير قابل للتفاوض وان البديل الوحيد للتعاون الكامل من جانب العراق هو الحرب.أما في الكونغرس، فالتركيز يتمحور حول جورج بوش. إذ ان نصّ البيت الأبيض يمنح الرئيس تفويضاً كاملاً لفعل ما يشاء، ليس فقط في العراق، بل في مختلف أنحاء «المنطقة». ولن يحظى هذا النص بموافقة الكونغرس، الذي يمتلك الآن فرصة توجيه الرئيس الى هدف محدد معقول وذلك الهدف لا يكمن في «تغيير النظام العراقي». وقال بوش في أكثر من مناسبة ان سياسته هي تغيير النظام، وهو بلا شك أمر مرغوب فيه أميركياً لكنه لم يطالب بذلك في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما لم يتراجع عن موقفه في ظل الظروف الملائمة، فإن خطابه كان قائماً على أسوأ مظاهر سوء النيّة. وفي نهاية المطاف، فإن تغيير النظام يكون معقولاً كخيار أخير فقط وكوسيلة بعد فشل كل الوسائل الأخرى لوضع حد لتهديد الأسلحة العراقية، لا سيما أسلحة التدمير الشامل. وذلك يجب أن يكون هدفاً أميركياً وهدف العالم. وأمام الكونغرس الآن فرصة الإبقاء على امكانية تجنب الحرب، مهما كانت تلك الامكانية هزيلة، وإذا نجح في ذلك، عندها يكون في جعبته ما يعلنه فعلاً. ترجمة: علي محمد عن «نيويوركر» بقلم: هندريك هرتزبرغ

طباعة Email
تعليقات

تعليقات