كتاب ـ جرترودبيل ـ يوميات الجزيرة العربية (4) ـ حائل الشمرية وتاريخ حافل بالصراعات، الرحلة إلى كربلاء والنجف.. طريق المخاطر

الاثنين 1 شعبان 1423 هـ الموافق 7 أكتوبر 2002 في اليوم التالي على قدومها حائل ارسلت جرترود الى ابراهيم رسالة مفادها انها ترغب في ان ترد له زيارته ودعاها كي تحل عليه ضيفة بعد هبوط الظلام فأرسل لها مهرة وزوجين من العبيد. توجهت على مهرتها عبر الظلام والشوارع الفارغة واستقبلت في الروشان الكبير التابع للقصر. والروشان مكان عظيم ورائع ترفعه أعمدة حجرية عظيمة يغطيها سقف هائل مرتفع وطليت الجدران باللون الابيض والارضية بالجص الابيض الذي رصّ جيدا حتى يظن من يراه انه صقل جيدا وكانت بصحبة كثيرين.. تقول جرترود: جلسنا جميعا على اطراف الجدار على السجاجيد والوسائد. وكان مكاني الجانب الايمن بجوار ابراهيم وتحدث عن تاريخ شمر بصورة عامة وعن آل رشيد على نحو خاص. وعرض ابراهيم الكثير عن التاريخ أما أنا فقد كنت اصغي باهتمام. وبينما كنا نتحدث كان الصبية من العبيد يطوفون علينا بفناجين الشاي والقهوة وفيما بعد جلبوا البخور والعطور وطافوا به علينا ثلاث مرات. ولم يكن ذلك سوى علامة على أن الاستقبال قد انتهى ونهضت وغادرتهم. وبعدها تتالت الأيام متعبة مرهقة خالية من أي شيء يمكن القيام به. وفي احد الايام ارسل لي ابراهيم مهرا وطفت به حول البلدة وزرت احد بساتينها، وهي جنة فاكهة ناضجة في البرية. وبعثت تركية الشركسية ورائي في اليوم التالي وجلس معي عبيدي الاثنين وكانا يجلسان ويحكيان لي القصص عن الغزو وعن الافراح في الايام المثيرة ايام عبدالعزيز ابن شقيق محمد. وجاء رجالي لينقلوا لي ثرثرات الأهالي. وأخيرا ارسلت في طلب نوقي التي كان ينبغي ان اطلبها قبل أيام لو لم تكن بحاجة ملحة الى الراحة. ولا استطيع منحها المزيد من الراحة لأنني اصبحت مفلسة وجلبت معي رسالة توصية لآل رشيد من وكيلهم في دمشق ورفض ابراهيم الاعتراف بالرسالة في غياب الأمير. ولو لم أبع بعض متاعي لكنت اصبحت الآن بدون أي نقود للمغادرة. وسرت الشائعات تقول ان وراء كل احتجازنا وعدم السماح لنا بالمغادرة هي جدة الأمير فاطمة التي ترتعد فرائص ابراهيم منها. والحقيقة فان قتل انسان في حائل لا يزيد في خطورته عن اهراق حليب وليس هناك احد من الشيوخ يستطيع ان يشعر ان رأسه ثابت فوق كتفيه.وفي غياب الامير تستلم هي زمام الامور والمال. وطلبت ان تسمح لي باللقاء بها ولكنها لم تصغ لطلبي قط. لكن لعلها لا تملك من كل ذاك النفوذ شيئا. ولا اخفيك انني كنت اعيش ساعات من الحيرة والقلق. فالحرب كانت مستقرة من حولنا. والأمير يقوم بغزو الجوف الى الشمال من حائل. كما ان ابن سعود يحشد قواته في الجنوب ويظن انه يعد لغزو الامير. فلو ان ابراهيم اختار احتجازي ومنعي من المغادرة حتى عودة الأمير (وهو ما كنت اخشاه) فان وضعي هنا سيكون غير مريح. وأمضيت ليلة طويلة اضع في رأسي خطط الفرار اذا تدهورت الامور. على اي حال فقد كان لدي صديقان نافذان في حائل وهما شيخان في العنزة كان يأمل آل رشيد ان يتم لهم استعادة البلدة بمساعدتهما. لم أرهما ولم يتجرآ على زيارتي ولكنهما اعربا عن احتجاجهما ضد المعاملة التي تعرضت لها. وأدين لمساعدتهما لحقيقة ان ابن عمهما كان معي وهو «علي الساعي» الذي جاء معي قبل ثلاث سنوات عبر الحماد. وفي الامس طلبت الاجتماع الى ابراهيم واستقبلت مرة ثانية في الليل في القاعة العليا للقصر وأبلغته انني لن ابقى هنا لفترة اطول وان احتجاز المال الخاص بي تسبب لي في حرج شديد وينبغي الآن ان اطلب منه رفيقا للذهاب معي الى مضارب العنزة. تميز بالادب الجم وطمأنني ان الرفيق جاهز ولم يبد انهم يعتزمون وضع اي عقبات في طريقي. وكانت خطتي هي اختيار افضل نوقي وان اخذ معي فتوح وعلي والصبي الاسود فلاح للذهاب الى النجف واما الشاميون فطلبت منهم العودة الى دمشق بضعة ايام اخرى وبعد سينضمان الى اية قافلة متجهة الى المدينة وهي رحلة تستغرق عشرة ايام. ومن المدينة سيستقلان القطار الى دمشق. ونظرا لأنني لم أكن امتلك المال فان الحل الوحيد هو التوجه الى بغداد لكن ما كان يطمئنني انني لن اتمكن من القيام بنشاط آخر بعد ذلك في العام الحالي. ولن اتمكن من السفر جنوبا من هنا فالقبائل هناك مستقرة والطريق مغلق وقد سمعنا ان ابن سعود استولى على الاحساء وطرد القوات التركية واعتقد انه من المرجح ان يتجه للاستيلاء على حائل، واذا لم ينجح الامير في غزو حائل (الجوف) فان مستقبل شمر سيكون حالكا في الحقيقة. ويقوم المسئولون الاتراك بتغذيتهم بالسلاح وقد توجهت قافلة الى مدائن صالح لجلب السلاح. ولكنني اعتقد ان نجم ابن سعود يسير الى التألق. واعتقد انه اذا تحالف مع ابن شعلان (روالا عنزة) فان ابن رشيد سيصبح بين فكي كماشة او بين السندان والمطرقة. واشعر كما لو أنني اعيش فصلا منتزعا من صفحات ألف ليلة وليلة خلال الاسبوع الاخير. فها هي المرأة الشركسية والعبيد والشك والقلق وفاطمة تحيك المؤامرات وراء جدران القصر. وها هو ابراهيم تعلو وجهه ابتسامة بينما عيناه تنتقلان من هنا لهناك في حيرة وارتباك فيما تنتظر كل البلدة ان تسمع عن مصير الجيش الذي غادر مع الامير لغزو الجوف، اما من جهة الاحساس الروحي ان المكان يعبق برائحة الخطر.. فمنذ ان كان خليل هنا احتكم آل رشيد فيما بينهم بحد السيف. وكل الحكايات والقصص التي يتداولها الناس الملتفون حول موقدي تدور حول القتل كما ان المكان يهمس لك برائحة الاغتيالات. لا شك ان اعصابك ستتلف وأنت تنتظر بين الجدران الطينية اليوم تلو الاخر واحمد الله لقد بقيت متوترة الأعصاب وساهرة في ليلة واحدة فقط. مارس 1914 لم تكن تلك الاوضاع سوى مشهد هزلي وهي بالفعل كذلك ولا استطيع ان اجد تفسيرا لكل ذلك فمن يستطيع ان يغوص في اعماق ادمغتهم. في الثالث من مارس ظهر العبد سعيد في الصباح الذي يتمتع بأهمية كبيرة وكان بصحبته شخص اخر وابلغني انه لا يمكنني السفر ولن يستطيعوا اعطائي أي مال حتى يصل مراسل من قبل الأمير. وقمت بارسال رسائل فورية الى اعمام علي واستؤنفت المقاومة مرة ثانية بشدة اكبر وفي اليوم التالي جاءت كلمة من أم الأمير تدعوني لزيارتهم في ذلك المساء. ذهبت وأنا أركب ناقتي بوجل عبر الشوارع الصامتة التي لا يضيئها سوى ضوء القمر وأمضيت ساعتين مع نساء القصر. أتخيل أن هناك أماكن مميزة يمكنك ان ترى فيها الشرق نقيا في عاداته التي توارثوها عبر قرون طويلة وقرون وأظن ان حائل هي واحدة من تلك الاماكن. وها هي اولئك النسوة ملتفحات بالاقمشة الحريرية الهندية ويزين جيدهن وآذانهن بالاقراط المجوهرات ويطوف حولهن القيان ولم يكن هناك اي شيء حولهن لا يشي بأنهن لا ينتمين لأوروبا أو لسن اوروبيات.وكنت امثل الاستثناء بعض النساء في منزل المشيخة كن جميلات خاصة والدة الامير التي كانت فاتنة جدا. وامضيت اليوم التالي حبيسة وحدتي. ولعلك تفهم لقد كنت سجينة في هذا البيت الفسيح الذي قدموه لي. وجاءت اليوم دعوة من صبيين وهما أبناء عم الامير. ودعيت لزيارتهما في بستانهما. وتوجهت الى البستان بعد صلاة الظهر ومكثت هناك حتى العصر.ومرة ثانية كانت الاجواء شرقية وممتعة وكان هناك خمسة اطفال وجميعهم ابناء عمومته يرتدون جلاليب ذهبية مطرزة وبدت عليهم الرزانة والهدوء. واخذوا يحدقون بي وكان مضيفاي، وهما صبيان لا يتجاوز اعمارهما الثالثة عشرة والرابعة عشرة، قد بدت على وجه احدهما ملامح البشاشة فيما بدت ملامح وجه الاخر فاقدة كل انفعال وقدم لنا العبيد الشاي والقهوة والفاكهة. بعد ان تجولنا في اركان البستان وابلغني الصبيان بكل حذر اسماء كل الاشجار، جلسنا ثانية وشربنا المزيد من القهوة والشاي. ومرة ثانية اعربت عن رغبتي في مغادرة حائل ومرة ثانية قوبلت بردود سلبية: لن اغادر ما لم يصل رسول الامير. ولم اكن اعرف او اي شخص اخر متى يحضر الرسول. ولم اكن ادري ايضا ماذا يخفيان وراء اجابتهما. وجاء سعيد الينا بعد العصر وتحدث الي الصبي الكبير بحدة اكبر، لكنه انهى الحديث سريعا بالوقوف ومغادرة المكان. واعتقدت انني كنت متسرعة جدا ولكن اقول لك الحق فانني شعرت بالحيرة بعد ساعة جلبت نوقي وعند حلول الظلام جاءني سعيد ثانية ومعه كيس من الذهب واذن كامل بالتوجه الى اي مكان اشاء ومتى اشاء، ولا استطيع التخمين لماذا الآن بالتحديد وافقوا على السماح لي بالمغادرة وليس من قبل. ولكن في كل الاحوال فقد اصبحت الان حرة طليقة وبت وقلبي مطمئن بل أخذ يدق من الانفعال. لم اغادر حائل سوى في الثامن من مارس. وطلبت ان اتجول في المدينة والقصر في عز النهار وحصلت على طلبي الذي حرمت من حق الحصول عليه سابقا. لقد منحت الحرية كاملة في تصوير أي شيء أشاء وهو ما اسعدني جدا لقد كان الجميع يبتسمون ويبشون وكنت افكر طوال الوقت بخليل يأتي الى هنا لتناول قهوته. لقد كان مشهد البلدة والناس مذهلا بصورة غير عادية ولم يخالجني أي شك ان القصر يحتفظ بكل دقائق وسمات القصور العربية الصميمة والعريقة التي بنيت واستمرت في شكلها منذ عصور الجاهلية. واخذت اقول: انشاء الله سيأتي يوم وتشاهدون صوري. وأثناء عودتي الى بيتي تلقيت رسالة من تركية، صديقتي القوقازية، تدعوني لتناول فنجان شاي معها في منزلها. وذهبت اليها والتقطت صورا لحائل من فوق سطح منزلها وودعتها بحرارة. وكان ذاك الوداع الاخير ما عدا الذكريات التي بقيت عالقة في ذهني. وفيما كنت عائدة الى منزلي تجمهر الناس لرؤيتي. وهكذا انتهت زيارتي الغريبة لحائل بعد احد عشر يوما من الاحتجاز الذي يرفع الانسان الى درجة التمجيد. اردت بعدها ان اشق طريقي الى النجف عبر طريق الحج القديم «درب زبيدة» ولكن عند فجر صباح مغادرتي جاءني عبد من القصر، رجل صبغ لحيته بالحناء وبعينين سوداوين مخيفتين، واحضر لي رسالة كان محتواها في رأيي لضمان سلامتي وهي تعبر عن قلق الامير علي، وكانت تحثني على اتخاذ الطريق الغربي لأن الطريق الشرقي «خلاء» اي خال من القبائل وتتعرض للغزو من قبل اعدائهم وقبلت بذلك، رغم انه لم يكن لدي اهتمام كبير بذلك وتساءلت عن غرضهم من ذلك. وعلمنا لاحقا ان رجال شمر كانوا منتشرين على طول الطريق الشرقي ويعني ذلك ان الطريق الشرقي كان آمنا كأي طريق اخر وتخيلت انهم يريدون ارسالي الى الامير، واصدروا اوامرهم وهم واثقين انه في الطريق الغربي، كما تبين لاحقا فانني كنت سألتقي به حتما لو اوخذت «درب زبيدة» وعلمنا من العرب انه كان امامي وعندما وصلنا الى المكان الذي توقع مرشدي ان يكون فيه الامير كان قد اتجه شرقا للتو. ان اتباع مثل تلك النصيحة كان يشبه اتباع جرادة واعتزمت الا اغير طريقي من اجله وفي النهاية لم اره، ومن اليوم الثاني من مغادرتي لحائل التقيت برسله الذين استوقفونا وحيونا وقالوا ان الامير يتوقع رؤيتي، وابلغوني انه استولى على الجوف وانه طرد «الروالة» دون ان تطلق رصاصة واحدة وبعد يومين جاء «رجاجيله» الى مخيمنا عند المساء وهم في طريقهم الى حائل وأبلغونا الاخبار ذاتها حول الجوف مع الكثير من التفاصيل حول الاستيلاء عليها. عبرنا النفوذ خلال اربعة ايام مرهقة، وطوال الطريق كان الاقحوان يتناثر على امتداد السهول المنبسطة. واتبعنا طريقا لم يساورني اي شك انه قديم مستهلك ومطروق عبر الرمال. بعدها خرجنا الى سهول عظيمة غطتها الورود ايضا. وامتلأت الصحراء بهجة في هذا الوقت من السنة حيث تزهر كل الاعشاب البرية. كنا نمشي نحو 15 ساعة يوميا ولا نقطع خلالها مسافات طويلة لكننا كنا مرهقين جدا حتى اعماق الروح في هذا الايقاع الرتيب حتى انني كلما حططت رحالي مع هبوط الظلام كنت اشعر بالنصب وبالدوار. وعلى أية حال لابد ان اشعر بالسعادة للوصول الى مناطق مدنية مرة ثانية، ولاخذ راحة ليوم او اثنين. قبل يومين تخليت عن مرشدنا من حائل واستعنا بشمري اخر. وهذا الرجل كان قد رافق الامير في حملته الاخيرة. وامضى اليوم الاول وهو يروي لنا بالكامل ما حدث دون ان يأخذ في الحسبان انني علمت بتفاصيلها قبل يومين وابلغنا بها كما ابلغ بها العالم. توقفت على بعد مسافة قصيرة من قرية محصنة تبعد مسافة قصيرة عن الجوف واجبرتنا حامية ابن شعلان على التراجع وتغيير الطريق. والآن سأحكي لك فكرة عامة عن سياسات العرب. فقد منحتني حائل انطباعا مشؤوما لا يعجبني حكم النساء العبيد الحملة غير الناجحة ضد ابن شعلان ومحاولة تغطية اثارهم بتقارير زائفة لم تؤد الى تعديل او تغيير رأيي. اعتقد ان نجم آل رشيد بدأ يأفل فلم يبق منهم راشد على قيد الحياة فالأمير نفسه لا يتجاوز السابعة عشرة من عمره ومعظم الآخرين ليسوا سوى اطفال ولذلك فان الاسرة تحاول الكفاح بقوة للبقاء. ولم أر زامل شقيق ابراهيم والمستشار الرئيسي للامير ولكن كما اتخيل فهو لا يمتلك الكثير من الذكاء.وليس هناك بينهم شخص له هيئته واعتقد ان لا مستقبل بات لابن سعود. واذا كان هذا صحيحا فقد سمعنا انه طرد الاتراك من الاحساء، فهو خصم منيع لا يستهان به، ولكن الشمر الذين خلفوا حكما دام 80 عاما كانوا يقومون ببعض الغزوات. فلو ان ابن سعود وجه ضربة حاسمة فان جميع العنزة كانوا تقاسموا الغنائم وكانت حائل قد خصصت لهم، لا ادري كيف يبدو ابن سعود. في المرة المقبلة ستكون رحلتي مخصصة له وقد ارسيت خططي لتنفيذ ذلك. اليوم وصلنا الى حدود شمر ونزلنا ضيوفا على قبائل الشيعة في النجف وامضينا ساعة مهمة في خيمة الشيخ وما كان واضحا ما اذا كان سيرحب بنا او يقضي علينا. واخيرا وبعد القيام بالكثير من الدبلوماسية مال الميزان لصالحنا ونصبنا خيامنا بالقرب من خيمته ووعد في صباح اليوم التالي انه سيزورنا بدليل. هؤلاء الناس ليسوا بدوا ولهم سمعة مخيفة ولكن ما ان توصلنا الى تفاهم معهم وأكلنا الرطب والسمن في خيمة الشيخ اصبحوا ودودين وامضوا كل فترة العصر حول خيامنا. كما ارتدوا افضل ثيابهم وقاموا برقصة غريبة قادها السيد المعمم بقماش اخر في حين كنت اقوم بتصويرهم. وانشدوا تحية لسيدهم. الى بغداد كيف كانت طبيعة تلك الايام التي توجهنا فيها الى النجف. لقد كانت من اصعب الايام التي واجهناها في رحلتنا كلها وانا مستعدة ان اقسم على ذلك. وفي اليوم التالي شرعنا في رحلتنا ورافقني اثنان من المرشدين، ولم نر في طريقنا اي مضارب وكان الطريق خلاء، اي خاليا من اي انسان. وبعد ان مشينا ساعتين في اليوم التالي رأى هذان قطعانا وخياما واسقط في ايديهم من شدة انفعالاتهم.فهل سيكون هناك من رجال العشائر من يمكن ان يقتلوهما ما ان يروهما، ام ان ذلك لن يكون حقيقيا؟ انتظرنا في منخفض وذهبا لاستطلاع من يكون اصحاب تلك المضارب. فقد قمنا بذلك غالبا. وفي تحليل لمشاعري توصلت الى استنتاج بأنني بت اخاف في هذه الاوقات. لا شك ان ذاك هو الخوف وهو التململ الحرون للدفاع مثل اي فرس جديد على الفروسية يتململ من اللجام ولا يلبث ان يتخلص منها فورا. كما تعلم هذه المشاعر تشبه اضطرابات النبض ويقوم بها احد خيولي في الوطن وهو فرس جامح جدا. وتجتاحني من ثم مشاعر الرغبة في ان اكون آمنة في الساعة التالية. نعم انه الخوف ما المتعة في ان اكتب لك تفاصيل ذلك. حسبي انك لا تعرف اضطرابات النبض في الدماغ، ولكن ما هو الغريب هو انني اشعر بمتعة عندما يتملكني ذلك الشعور، مثيرا، ويشعر كل شخص وكأنني اتخيل او احلم. كفى الآن خوفا فليس هناك وقت للخوف فقد عاد المرشدان ومعهما فارسان وكانا من بني سلامة، العشيرة المتحالفة مع بني حسن، وكانا يرغبان المجيء معنا. ولم يكن هناك من شك ازاء مشاعر بني حسن، فلم يكن الرجلان يرغبان في مواصلة الرحلة معنا. وواصلنا رحلتنا مع الفارسين في بني سلامة طوال 6 ساعات وفجأة رأينا اغناما. وقلت: لا اعتقد ان ذلك يثير اي مخاوف؟ ولكن كان ذلك يثير مخاوف حقيقية فقبل ساعة فقط كانا يقولان انهما سيواصلان الرحلة معنا لكنهما قالا انهما لن يستطيعا الاقامة في مخيمنا في تلك الليلة. وكررا كالعادة عبارة غامضة تعني في الصحراء «بدهم يذبحونا» وعند رؤيتهم للفخ قال «بدهم يذبحونا» فهل نخيم هنا ام نواصل رحلتنا ونبحث عن الخيام.المشكلة حلت بعد مشاهدتنا لخيامنا وهي في منطقة قريبة واصبح الامر مؤكدا انهم سيروننا. وينبغي علينا مواصلة الطريق وقد اصبحنا شواخص بارزة، فنحن على الجمال في محيط يتكون من حمير فقط. لأن هؤلاء العرب ليست لديهم جمال، فالجمال تخص البدو فقط. وهؤلاء لديهم اغنام ويحملون خيامهم على الحمير. ففي حال رؤيتهم لنا فسنكون وليمة غزو صغيرة للبدو او حفلة صغيرة لتجار قادمين من حائل. وفي كلا الحالين سيقومون بذبحنا اذا تمكنوا منا. بعد ذلك اقنعنا احد فرساننا «وكان مترددا» في ان يسير نحو الخيام، ولحقنا به ببطء، ولم اكن اخشى أي شيء في ذلك الوقت لأنني بدأت اصاب بالملل. هبط الرجل عند الخيمة واخذ يحاور صاحب الخيمة عندما رأى اننا تقدمنا على الفور لنصب خيامنا وكنا على خير ما يرام وعاد الرجل ليقول انهم الغزالات. ونظر علي وانا كل في وجه الاخر وقلنا «الحمد لله». فالغزالات يتميزون بالقوة اكثر بكثير من الاخرين واذا حصلنا على دليل منهم فاننا عندئذ سننعم بالسلام. وسارت الامور على هذا الشكل وحصلنا منهم على دليل رائع وكان اسمه داوي وكان دليلا لآل رشيد عندما كانوا يحضرون الى النجف لشراء الرز. وهو رجل معروف وشجاع وصامت وله لحية مجعدة ووجه دقيق ورائع. لقد وجدنا لؤلؤة وسط الوحول، وهو حظنا الذي كنا نواجهه دائما. فرغ منا الماء الذي كنا نحمله، وهذه الليلة الخامسة التي كنا نحمل فيها الماء ونتقصد في شربه. لم استحم منذ فترة طويلة وكانت حالتي مفزعة وفي اليوم التالي كان علينا ملء قربنا الجلدية. وفعلنا ذلك من برك راكدة ذات رائحة مقززة في هوة كبيرة. وهنا وجدنا عددا من العرب يقومون بملء الماء. وعرضوا على داوي بعض المال لاغرائه كي يتركنا ولكنه رفض. وفي غضون ذلك فان اولئك كانوا مرحين معنا وقمنا بتصويرهم. وواصلنا رحلتنا واختفى أي اثر للناس. وفي اليوم التالي وصلنا الى «درب زبيدة» الطريق الرئيسي في الصحراء من حائل وكان هو الطريق الذي كنت ارغب في اخذه وشعرت اننا اصبحنا في سلام، ولكن الخطر كان دائما قريبا كما يقولون. وفي العصر قابلنا جمهورا كبيرا من العرب قادمين من النجف وفي خلال فترة قصيرة كنا محاصرين كانوا شديدي البنية وخرج معظمهم، وهم يرتدون عمائم خضراء، علينا من كل حدب وصوب وامسكوا بجمالنا وارادوا ان يقعدوها ولكن داوي صرخ بأعلى صوته، وفي لحظة تغيرت الأمور «هل هو السيد الذي يستولي على الذلول». وكانت هذه الناقة واحدة من النوق التي تحمل متاعنا وابتعد السيد وعبرنا الى طريقنا. وما ان عبرنا حتى قال «يا علي كانوا ينوون تشليحكم. ألست ابن العراق؟» لم تكن تلك النهاية وانحرفنا عن الطريق الرئيسي واتجهنا الى مكان يعرف باسم عين السيد في اليوم التالي وما ان استدرنا الى الخلف حتى شاهدنا قافلة ضخمة على الطريق الذي خلفناه وسمعنا بعدها اطلاق نار في الوادي الكبير الذي ابتعدنا عنه، وبعدها شاهدنا رجالا يلحقون بنا يعدون على ظهور الحمير. ولم يكن من المفيد الابتعاد دون ان نعلم مرادهم، وجعلنا داوي يترجل ويمضي اليهم ليتحرى مرادهم. بعد ان اعطيناه بندقية لقد جرت الامور كالعادة لقد كانوا هم الخائفون، لقد ظنوا اننا غزو وكان لديهم خراف في الوادي، اما الطلقات فقد كانت للممازحة ورأيت انه على ما يبدو ان اعدادهم كانت اكبر.أنزلنا متاعنا وضربنا خيامنا، ولم يكن الرجال يشعرون بالسعادة لكن النوم غلبني، وكنا في ذلك اليوم قد مشينا احدى عشرة ساعة ولذلك ما ان وضعت رأسي على الوسادة حتى اغمضت عيني واعتقدت انهم ان ارادوا ذبحنا في تلك الليلة فان ذلك سيكون نصيبنا، لكنهم لم يفعلوا ذلك وكنا نبعد 3 ساعات عن عين السيد وتبعد عين السيد 6 ساعات عن النجف. وكانت فيما مضى تسمى قرقسية وقرب هذه القرية انتصر المسلمون على جيش كسرى. وفر كسرى الى كتيسيفون وهزم هناك ثانية الى ان انتهى. وفي القرقسية تغير وجه التاريخ. كانت رغبتي ان اتفحص المكان جيدا واضافة الى ذلك قد تكون هناك اثار قديمة، وكنت متأكدة من وجود حصن هناك وقرية ومن الاراضي الفسيحة المنبسطة شاهدنا القرية والاثار وقطعان الاغنام ولكننا في هذه المرة لم ننتبه حتى مرت رصاصة بين سيقان الجمال. لقد سمعنا الرصاصة بين سيقان الجمال. لقد سمعنا الرصاصة فعلا وجاءت من احد الرعاة، كانت رصاصة تحذيرية بلا ادنى شك ولم تكن مصوبة جيدا. وأنخى داوي جمله في الحال حتى لا تكون الرصاصة الثانية صائبة، وامتشق بندقيته وهرول لايضاح الموقف. كان اثنان او ثلاثة رعاة مع القطيع، اصاب علي الغضب وتساءل «هل يأتي العدو في وضح النهار ام يزحف على الارض في منتصف الليل؟» واذا كنتم خائفين فان العادة هي اطلاق رصاصة فوق رؤس الراكبين للتأكد مما اذا كانوا اصدقاء أو اعداء». واعترف الرعاة بأنهم خالفوا العادات والتقاليد ولم يطلق علينا احد رصاصا الا مرة واحدة قبل وصولنا لعين السيد وكانت الطلقة بعيدة جدا ولم يكن هناك سوى نبع كبير ومرتفعات القرية القديمة وتلالها الصغيرة وقلعة وليس من شك ان كل شيء قديم هنا. لكن لم يمض على بناء القرية أكثر من ثلاثمئة عام. واعني انني لن اذهب الى النجف بل اسير عبر الصحراء الي كربلاء وألمس الحضارة هناك واتجنب بذلك الطريق المهلك والصعب من النجف الى كربلاء.كان رجالي مضطربين بسبب التجارب التي مروا بها في الايام القليلة الماضية، ولم يعد هناك أي سبب وجيه لعبور الصحراء ثانية ولذلك تخليت عن موقفي وتوجهنا الى النجف واصبحنا قادرين على رؤية القباب المذهبة وهي تلمع في الافق وقررنا نصب خيامنا قبل الوصول الى البلدة. لقد خيمت في النجف مرة، ولم يكن الوضع مشجعا، فلم يكن هناك مكان مناسب لنصب الخيام، كما ان المكان يعج باللصوص كما لا يوجد مكان مناسب لضرب الخيام بجوار البلدة لأنها مليئة بالقبور، لكن لا تتوفر هناك اشجار تتيح الفرصة للجمال لتناول الطعام قبل التوجه الى النجف، وهي تقع على مسيرة 3 ساعات. ولذلك فقد خيمنا عند حدود الاشجار في الساعة الواحدة في السبخة وهي اراض ملحية تنمو فيها اشجار النخيل وكانت اراضي قبيحة يمتليء فيها الذباب الرملي ولم استطع النوم بسبب ذباب الرمل وشرعت ادون ملاحظاتي طوال ساعتين ووضعت خلالها عناوين مغامراتنا وعندئذ طرأ على ذهني ان اذهب واسأل علي ما اذا كنا في امن وسلام في هذا المكان وينبغي ان اذكر انه اختار المكان بنفسه. وتبين لي انه مثلي لا يظن اننا في مأمن على الاطلاق وابعد ما يكون المكان عن كونه آمناً، لقد كنا قريبين جدا من الطريق وفي الليل لا يعرف هؤلاء الملاعين ان معنا ذوي، ومختصر الحديث فإن علي كان يشعر بالقلق وهكذا وبعد تبادل اطراف الحديث كنت افكر انه من السخص ان نتعرض لحادث ونحن على مقربة من النجف، وخلال نصف ساعة كنا جمعنا متاعنا ووضعنا طعامنا الذي كنا طهوناه وشرعنا في رحلتنا ولم يتبق سوى ساعة وربع الساعة على موعد مغيب الشمس، لقد كان حادثاً سخيفاً لم يستخدم فيه التعقل والحكمة، لكن علي وفتوح شعرا بفرحة غامرة ازاء القرار الذي اتخذته ووصلنا قبيل الغروب الى قرية صغيرة ذات اكواخ وزراعة، كانت تمتد حقول الذرة على مد النظر والقنوات المائية التي لا يمكن الاستغناء عنها، وربما تكون بلا جسور وقد ننزلق فيها ونتعثر بسبب هبوط الظلام، توقفنا ونصبنا خيامنا قرب القرية، وكان مكاناً آمناً في النهاية، ونهض فتوح بعد منتصف الليل وركب الى النجف بصحبة دليل لتوفير عربة لي، وقررت عدم عبور الطريق الرئيسي وتبعنا فتوح في الفجر، ووصلنا الى النجف بسلام، بعد ذلك لم نعثر على فتوح وبحثنا عنه في كل انحاء البلدة، ذهبت الى السوق واكتشفت انه استأجر العربة ورحل بها قبل وقت قليل وبحثنا ثانية وذهبنا الى السوق وكان جميع الناس لطفاء وفي النهاية علمت انه ذهب الى المصلى المرحلة الاولى على الطريق. لم اكن اعرف ما هي دوافعه، ولكننا اضعنا 3 ساعات في الحر والشقاء، اشتريت برتقالاً تلك الفاكهة اللذيذة اكلت 6 برتقالات على التوالي وامتطينا جمالنا وشرعنا في الرحلة على طريق المصلى وبعد ساعة عثرنا على فتوح. ساخنا ومغطى بالاوساخ، ايها المسكين العزيز ويعتريه ضيق شديد وكان عائداً ادراجه للبحث عنا، ترك العربة وكانت عربة بريد ولم يكن يفترض ان نتوقف لاحد في المصلى ولم يكن يثق ماذا كانت ستنتظر ولكنها انتظرت ووصلنا المصلى في الساعة الواحدة وكنت خيمت هنا قبل ثلاث سنوات وحياني الكثير من معارفي، رتبنا حوائجي في عربة البريد وصعدت بدوري اليها في النهاية وانطلقت العربة وكانت الطريق تستغرق 6 ساعات للوصول الى كربلاء مع تغيير حصانين للعربة وجاءنا الدرك وتحدثوا الينا اثناء تغيير الخيول، وكان يوجد في كل نقطة بريد من 3 الى 4 درك. وشعرت بالراحة لرؤيتهم وتحدثت معهم عن مساويء العربان على الطريق وكيف ان تفكيرهم وحياتهم هي حمل البنادق والمسدسات والسكاكين واطلاق النار. لقد وقعت الفوضى ثانية فلم يعد من الممكن السيطرة على القبائل، فالجميع مسلحون ورأيتهم يمتشقون البنادق في اسواق النجف تركيا تتحرك ولكن بدون اي نتيجة وقد اتينا الى الجانب المظلم من القمر، واصبحت الامور ميئوسة، وقد ارسلوا والياً جديداً للتو الى هنا واسمه جاويد لعلك تعرفه؟ ويقال انه الجنرال الوحيد الذي لم يهزم في حرب البلقان قط ولا اعتقد انه سيسعى الى زرع مخافة الله في قلوبهم، وكانت عربة البريد تعرضت للسطو قبل اسبوع او اثنين وتم الاستيلاء على 4000 من اموال الحكومة ولم تكن عربة بريد النجف قد تعرضت للسطو من قبل وصلنا الى كربلاء تحت جنح الظلام بعد مواجهة بعض المشكلات مع قنوات الري. وتحدثت على قنصلنا في النجف ويدعى محمد حسين خان وهو هندي ضئيل الحجم، استقبلني بحرارة ودعاني لوجبة عشاء شهية واعد لي عربة للسفر الى بغداد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات