تحرير اللون من أصفاد الطبيعة

الجمعة 27 رجب 1423 هـ الموافق 4 أكتوبر 2002 أنا لا استطيع ان احاكي الطبيعة، لذلك فانني مجبر على تأويلها واخضاعها الى روح اللوحة. انها عبارة وردت في سياق ما كتبه الرسام الفرنسي هنري ماتيس في عام 1908 وهو يسترجع ذكريات وتجارب عقد قام فيه مع اصدقائه بتثوير مفهوم صنع الصورة. والعديد من نتائج تلك الثورة يمكن مشاهدتها اليوم في الاكاديمية الملكية بلندن حيث تعرض 86 لوحة وسبع منحوتات من تشكيلة مقتنيات غابرييل وفيرنر ميرتسباخر حتى منتصف نوفمبر المقبل. الزوجان ميرتسباخر، وكلاهما ألماني المولد، انتقلا من الولايات المتحدة في عام 1964 الى سويسرا، حيث انضم فيرنر الذي كان في الـ 36 من عمره حينها، الى تجارة الغراء التي اسسها جد غابرييل بيرنهارد ماير. وفي السبعينيات بدأ الزوجان جمع واحدة من افضل المجموعات الخاصة لفن القرن العشرين. وكان الاثنان قد ورثا بعض اللوحات العظيمة من الجد ماير الذي كان يملك اعمالا مهمة لبول سيزان وفان كوخ وماتيسي. وبالهام من تلك الروائع الفنية بدأت عائلة ميرتسباخر في بناء مجموعة فنية تفيض بالألوان الزاهية والعنيفة في كثير من الاحيان. في مطلع القرن العشرين، كانت تقنيات استخدام اللون مثارا للنزاع في الاوساط الفنية. فالنظريات القديمة كانت لا تزال متمسكة بأن اللون في اللوحة يجب ان يكون ثانويا، يتبع الرسم اي انه ينبغي للرسام ان يضع بنية لوحته، أولا قبل ان يشرع في تلوينها. لكن ابتداء من سبعينيات القرن التاسع عشر، لعبت المدرسة الانطباعية دورا في التشويش على هذا الاجماع المتزمت. فالفنانون الانطباعيون كانوا يرسمون في الهواء الطلق وبسرعة. وبرهن هؤلاء على ان الخطوط ليست موجودة في الواقع البصري، بل هي خيالات يفرضها العقل على العالم. وبعبارة اخرى فإننا نرى حدود البنى والتركيبات لأننا نعلم أنها موجودة. وصاغ الانطباعيون تفاصيل بنى لوحاتهم عن طريق مجاورة الألوان جنبا الى جنب. ولم يكتف الفنانون بمجرد تقليد الادراك الحسي. اذ بدأ واضعو نظريات الألوان بالبحث في كيفية رؤيتنا للأشياء وتأثيرات اللون على أحاسيسنا. وبظهور اعمال ما بعد الانطباعية، وبالأخص أعمال فان كوخ، بدأ اللون يتحرر من قيود الطبيعة. فقد بالغ فان كوخ في اللون وعمد الى تشويهه لكي ينقل للمتلقي رؤيته الخاصة للعالم. وعلى سبيل المثال في لوحته «مرج مشمس في حديقة عامة» (1888) يبدع فان كوخ حديقة مبهمة غامضة، بالامتناع عن استخدام اللون لتصوير العمق الواقي. وسار على درب فان كوخ في استخدام اللون، الجيل التالي في الرسامين بمن فيهم ماتيس. اكتشاف الألوان ففي أعمال ماتيس، يعيد فن الرسم اكتشاف الألوان الاساسية الاحمر والازرق والاصفر التي وضعها الرسام الفرنسي على لوحاته جنبا الى جنب لتنبض بشكل جامح متحررة من قيود الواقع. وبحلول عام 1905 كان العديد من الفنانين الباريسيين لا يزالون يستهجنون الاسلوب ما بعد الانطباعي في تجميع الألوان المتضاربة. حتى ان ماتيس واتباعه الفرنسيين من امثال اندريه ديرين وموريس دي فلامينك باتوا يعرفون بـ «الوحوش الجامحة» لانهم رسموا السماء بالأخضر والأصفر ورسموا بحارا خضراء تبحر فيها قوارب حمراء. وكان هناك لون جامح آخر استخدمه وحوش باريس وهو الابيض. ففي الرؤية الانطباعية التي قدمها الرسام ألفريد سيسلي في لوحة «صفصفاف على ضفاف الاورفان»، نرى اشجار صفصاف قطعت رؤوسها، تتلألأ عليها الأوراق الخضراء تحت شمس مايو الساطعة واستخدم سيسلي اللون الابيض بصورة قوية اعطت تأثير الضوء الساطع المنعكس من المنظر الطبيعي. وينبثق اللون الابيض ايضا من وراء المساحات الحمراء والزرقاء والوردية الناقصة في لوحة «تصميم داخلي في كوليور» ليضفي جوا متوسطيا على المشهد. وفي لوحة ديرين «قوارب في ميناء كوليور» تظهر لمسات خضراء رقيقة في مجال ابيض يبدو وكآنه نور يثب من بين الامواج. وفي ألمانيا كان فان كوخ وماتيس مصدر الهام ما يعرف بالمذهب التعبيري في الفن وتضم مجموعته مقتنيات ميرتسباخر 40 مثالا من الجماعتين الفنيتين اللتين انبثق عنهما هذا التيار. المجموعة الاولى التي اتخذت من حديقة دريزدن مقرا لها اطلقت على انفسها اسم «الجسر» ولوحات ايريخ هيكل وايرنست كيرشنر وكارل روتلوف تبدو وكأنها تصادم فني وفكري بين فان كوخ ونيتشه حيث استخدمت فيها الألوان المتضاربة لتصوير كثافة العاطفة المتقدة. وفي لوحة هيكل التي تحمل عنوان «سقوف حمراء» ينتشر لون القرميد القرمزي ليتداخل مع السماء المتوهجة التي تتراقص فيها مسحات الازرق الملكي بتهور ملفت للنظر ويدخل المنزل والحديقة في حالة من النديان الفني البديع. والجماعة التعبيرية الثانية، التي كانت مستقرة اصلا في ميونخ، كانت مؤلفة من الروسي واسيلي كاندينسكي والالماني فرانس مارك والدائرة المحيطة بمجلتهم «الممتطي الازرق» وكما يوحي عنوان المجلة، فقد كانت هذه الجماعة الفنية منشغلة بالبعد الروحاني والرومانطيكي. ويضم المعرض اللندني سبع لوحات لكاندينسكي تظهره وهو يمرر اللون من قيود الاجسام في سياق ابتكاره للفن المجرد. وكتب رسام آخر من جماعة «الممتطي الازرق» يدعى اليكساي فون جاولنسكي عن العامين 1905 و1906، يقول: «لقد فهمت كيف اترجم الطبيعة الى لون على ايقاع نبض روحي المتقدة» وأصبحت لوحاته ذات طابع تخطيطي، حيث بات اللون يحمل محتوياتها العاطفية. وفي لوحة «هيلين بقبعة زرقاء داكنة» يتصادم اللون الارجواني البارد مع الاحمر الساخن على قميص هيلين ليطلق صدمة كهربائية تستثير احاسيس المتلقي. فيض الأحاسيس تفيض مجموعة ميرتسباخر الفنية بالاحاسيس والمشاعر المتقدة، وكأن غابرييل وفيرنر ميرتسباخر اختارا مقتنياتهما الفنية على اساس تفاعلهما معها وليس على اساس من رسمها. وهذا التعلق بكل لوحة على حدة يمنح المجموعة قدرا كبيرا من الترتيب والاثارة، وبالاخص عندما يمر زائر المعرض على غرابة في الاسلوب كما في لوحة «شكلان بشريان في منظر طبيعي» للرسام الروسي كازيمير مالفيتش. كتب مالفيتش عن نظرية اللون في الرسم، مؤكدا على صلته الوثيقة بالبعد الروحاني. وكان يرى في لوحاته اقنية تفضي الى واقع آخر، لذلك لم تكن ألوانه مقيدة بأصفاد الواقعية. من هن اولئك النسوة المقنعات المتيبسات امام خلفية جامدة مثل ستارة المسرح الخلفية؟ ربما هؤلاء أناس في العالم الجديد الذي شاهده مالفيتش عالم مكتسي بألوان الغموض ورباطة الجأش والجمال الريفي، أي مشاعر يثير هذا العمل في النفوس؟ انها مشاعر الصدمة البريئة باكتشاف عالم جديد من الألوان. علي محمد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات