كتاب ـ تناقض القوة الأميركية (الاخيرة) ـ كوندوليزا رايس في مقدمتهم، صقور واشنطن يعتبرون المجتمع الأميركي وهماً من نسج الخيال

الثلاثاء 24 رجب 1423 هـ الموافق 1 أكتوبر 2002 الفصل الخامس ـ الأخير ـ من هذا الكتاب هو، في رأينا، أهم أو من أهم الفصول التي يكثف المؤلف فيها أبرز المقولات التي طرحها على امتداد الصفحات. في مستهل هذا الفصل يستدعي المؤلف، البروفيسور جوزيف ناي، ما سبق وكتبته كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي بالبيت الأبيض وهي في طليعة الساسة ـ (الصقور) في ادارة الرئيس بوش الحالية. رايس هي التي اشرفت على كتابة «المانيفستو»، البيان أو الأجندة التي ما برحت الادارة الأميركية المذكورة تتبعها وتكاد تنفذها بالحرف في مجال السياسة الخارجية والعلاقات الدولية على وجه الخصوص. كان ذلك في عام 2000 ويومها كتبت كوندوليزا رايس ـ خلال اشتداد الحملة الانتخابية للمرشح آنذاك الجمهوري جورج بوش قائلة: ينبغي للاميركيين أن ينطلقوا من الأرضية الوطيدة الثابتة التي تتمثل في المصلحة القومية (لأميركا) وليس من مصلحة مجتمع دولي وهمي. يومها أصيب الحلفاء الأوروبيون بقدر لا يستهان به من الانزعاج ولعلهم لا يزالون منزعجين من هذه الاستهانة ازاء المجتمع الدولي أو الرأي العام العالمي الذي وصفته رايس بأنه كيان موهوم الذي تتبدى الاستهانة ازاءه الى حد الزراية في بعض الاحيان من خلال تصريحات صقور جارحة في ادارة بوش وفي مقدمتهم وزير الحرب، دونالد رامسفيلد. في هذا السياق يعلق مؤلف الكتاب ويقول: قد تكون الوشائج التي تربط بين أطراف المجتمع الدولي ضعيفة واهية ولكنها روابط مهمة في كل حال. والاحجام عن ايلاء الاحترام اللائق لآراء الآخرين وعدم الحرص على بث مفهوم عريض للعدالة ضمن ثنايا مصالحنا القومية من شأنه ان يلحق بنا الضرر في نهاية المطاف. ثم ينبه المفكر الأميركي مؤلف الكتاب الى ظاهرة باتت ملموسة في مجال السياسة الخارجية الأميركية يقول ان الرئيس بوش أعلن عن نهج تعددي تتبعه أميركا بعد الحادي عشر من سبتمبر وكان هذا موضوع ترحيب من جميع الاطراف وخاصة اصدقاء أميركا. لكن ادارة بوش ما لبثت، كما تؤكد مسلكيتها السياسية مؤخرا، ان عادت الى اتباع نهج الانفرادية والعزم على التصرف من جانب واحد وهذه الانفرادية، تترجمها الاطراف الدولية المختلفة على انها عودة الى سياسة الهيمنة أو السيطرة فيما تمعن في الترجمة أطراف اخرى فتفهمها على أنها عودة الى سياسة الامبراطوريات الامبريالية التي قامت على أساس قهر ارادة الشعوب.ونبادر مع مؤلفنا لنؤكد ان جوزيف ناي لا يصدر في هذا الصدد عن فكر مثالي أو عن موقف طوباوي أو أخلاقي.. بحت.. ان الرجل مفكر أميركي بالدرجة الأولى ومن البديهي ان رائده في هذا المضمار هو مصلحة بلاده ولا لوم عليه يومئذ ولا تثريب ولكن جوزيف ناي وهو ينتمي الى مدرسة هارفارد في أصول الحكم وعلم السياسة يفهم أن أميركا لن تحقق مصالحها القومية ـ الوطنية ولن تحقق أمنها الداخلي الا اذا اتبعت نهج التعددية الذي يقوم على أساس الشراكة والتعاون مع اطراف شتى من العالم، ان الارهاب في رأى جوزيف ناي (ص 138) آفة تهدد جميع المجتمعات بقدر ما أن التجارة الدولية ميزة تفيد أميركا بقدر ما تعم خيراتها على الجميع (بمعنى ضرورات المشاركة في السراء والضراء) وفي مجال دراسات البيئة فإن ظاهرة التسخن الكوكبي من شأنها أن ترفع مستوى سطح البحر في سائر انحاء الكرة الأرضية لا فرق في ذلك ولا منجاة من ذلك للأميركيين دون غيرهم.. والأمراض المعدية الفتاكة لا يمكن الوقاية من اصابتها خلف متاريس يتحصن بها أهل أميركا من خلفها ويأمنون، انها ـ يضيف جوزيف ناي ـ يمكن ببساطة ان تصل الى عقر دار الأميركيين فوق ظهر سفينة أو على متن طائرة.. بقدر ما ان اهتزاز الاستقرار وحالة التذبذب في الأسواق المالية بالعالم.. يمكن ان تلحق أضراره الجميع بغير استثناء. ثم يؤكد الكاتب أن رأيه هذا ليس مجرد أفكار يطرحها عالم في السياسة أو في أصول الحكم، وانما هي تعبير عن آراء جمهرة الأميركيين الذين أكدوا رغبتهم في أن يعيشوا وتصبح بلادهم جزءا من العالم الذي يعيشون فيه. وهنا يحيل المؤلف الى استطلاع عالمي للآراء اجرته جامعة ماري لاند في اطار برنامج السياسة الدولية التابع لها وكان ذلك في عام 1999 حين اكدت نسبة 73 من المستجيبين لهذا الاستطلاع الرأى الذي يقول: أنا أعد نفسي مواطنا عالميا بقدر ما أنني مواطن أميركي. بل ان نسبة 44 في المئة من هؤلاء الموافقين أكدوا هذا الرأى بمزيد من القوة والتشديد. قوة ثلاثية الأبعاد ولقد نشير الى ان أحداث سبتمبر ربما طرحت اتجاهات جديدة على الساحة معظمها سلبي بمعنى مزيد من الميل الى العزل وتكريس اتجاهات الانانية القومية ان صح هذا التغيير.. وخاصة في ضوء الطابع الاثاري الميلودرامي الذي مابرحت تقدم به تلك الاحداث، فضلا عن تداعياتها وذيولها والآثار المترتبة عليها ـ ولكن علينا ان نؤكد من الجانب الآخر أهمية الدور الذي ينبغي ان يضطلع به الساسة والمسئولون والمستشارون والخبراء والباحثون.. هذه الصفوة من أهل الانتلجنسيا لابد وأن تضع الأمور في اطارها وان ترسم النسب الصحيحة والاحجام السليمة والايقاع المنضبط للأحداث والاتجاهات السياسية.. والجهد المبذول هنا هو جهد التعقيل أو الترشيد الذي يكبح جموع الناس المرحلي وانفعالاتهم الآنية لكي تعود الأمور الى الاتجاه السليم.. وهذا ما يمكن ان يلخصه عنوان الفصل الختامي الذي نحن بصدده من الكتاب: اعادة تعريف المصلحة القومية هذه المحاولة تقتضي في حد ذاتها البدء بتعريف القوة أو القدرة.. وفي رأى المؤلف ان قوة اميركا في الزمن الراهن ليست قيمة مطلقة بغير ضابط أو بلا حدود وانما هي قوة تتسم بأبعاد متنوعة يعمد المؤلف الى رسمها على شكل رقعة شطرنج ثلاثية الابعاد وعلى الوجه الموجز التالي: اولا القوة العسكرية: ويؤكد انها وحيدة القطب أو منفردة المحور.. بمعنى ان قوة أميركا العسكرية لا يمكن ـ موضوعيا ـ ان تباريها قوة أخرى في العالم (طبعا بعد زوال المنافس السوفييتي) بل هناك من يصل الى حد القول بأن قوة أميركا وحدها تساوى ما تملكه سائر دول العالم من امكانات في المجال العسكري. اذن هو المستوى الاعلى من رقعة الشطرنج الثلاثية الأبعاد. ثانيا: القوة الاقتصادية هي المستوى الاوسط من رقعة الشطرنج ولكنها موضوعيا كذلك قوة متعددة الاقطاب وبالتحديد ـ يوضح مؤلف الكتاب ـ فإن أميركا لا تنفرد وحدها بكونها أكبر وأهم قطب اقتصادي فوق كوكبنا بل يشاركها في هذا المضمار كل من أوروبا واليابان.. وهؤلاء الأقطاب الثلاثة مجتمعين ـ الأميركي والاوروبي (الغربي بالذات) والياباني يستأثرون فيما بينهم بنسبة الثلثين من اجمالي الناتج العالمي. ثالثا: المستوى الأدنى من رقعة الشطرنج وعلى سطحه تتشكل وتتفاعل علاقات الدول عبر الوطنية وهي تتجاوز سلطة هذه الدولة أو تلك لانها تنطوي على أنشطة فعاليات وعناصر غير حكومية وغير خاضعة لسيطرة الدول.. هي عبارة عن شبكات متداخلة ومتقاطعة من جهود وعلاقات وأنشطة تبذلها جماعات ومؤسسات وشركات وربما عصابات، وهي بهذه الصفة تشكل عناصر تخرج عن بل، واحيانا، تتمرد على نزعة السيطرة أو محاولات الهيمنة من جانب واشنطن. وفي كل حال فالمؤلف يحذر قومه أو أهل الحكم في واشنطن قائلا (ص140):إن تركيز دعاة الهيمنة على الجانب العسكري وحده يمكن ان يعمي عيوننا عن ادراك الحقيقة القائلة بأن للقوة حدودا وقيودا.. ويكفي ان تؤكد من جديد كيف ان قوة اميركا ـ اذا كانت جبارة في المجال العسكري ـ فهي ليست كذلك في المجال الاقتصادي ولا في المجال عبر الوطني، حيث أصبح المجال الأخير يضم لاعبين جددا على مسرح السياسة الدولية وهم مرتبطون بقضايا وظواهر لم يعد بالامكان تجاهلها أو الاستهانة بها ـ قضايا وظواهر من مثيل التدفقات المالية أو تفشي وباء الايدز أو ظاهرة الارهاب، وكلها لا سبيل الى التصدي لها أو التماس حلولها بغير تعاون أميركا مع الآخرين كل هذه الأنواع من القوة كانت تتدرج حسب نظرية جوزيف ناي في باب (القوى الصلبة) قوى العسكرية والاقتصاد بالذات. بين الامبريالية والانعزالية لكن النظرية ـ كما رأينا من متابعة فصول هذا الكتاب المهم ـ تقول ايضا بأهمية (القوى اللينة) بل تؤكد تنامي اهمية القوى اللينة في عصر العولمة والمعلومات. وفي هذا الخصوص يواصل المؤلف تحليلاته موضحا عدة أمور أمام ساسة أميركا ومفكريها. لا سبيل الى تجاهل أن نصف مليون طالب أجنبي يريدون استكمال دراساتهم في أميركا كل عام. وإن الاسيويين والأوروبيين يريدون مشاهدة الأفلام الأميركية وقنوات التلفزيون الأميركية وان هناك أطرافا شتى في طول العالم وعرضه مابرحت ترمق أميركا بعين من الاعجاب وتود لو نسجت على منوالها شريطة الا تبالغ ـ يضيف جوزيف ناي ـ في اتباع نزعة الخيلاء والغرور.. وشريطة ان تتواصل أميركا الى فهم أفضل لطبيعة قوتها ثم لحدود تلك القوة يحدد المؤلف لبلاده طريقا وسطا يدعوها الى الملاحة في غياهبه كي تتحاشى في رأيه (ص 141) نزعة الامبريالية النابعة من تصورها في دور شرطي الكرة الأرضية وبين نزعة الانعزالية التي تتنافى في رأيه مع مقتضيات عصر المعلومات والمنطلق في هذا المجال هو أن تبدأ واشنطن بفهم العلاقة بين قوة أميركا الجبارة وبين مفردات خير العالم ورفاهه أو بكلمات المؤلف: ندرك أولا أن ليس بوسعنا ان نقول كل شئ فيما ندرك موضوعيا أن قوة أميركا سوف تستمر ردحا من الزمن في سنوات القرن الحالي مما يجعل لنا مصلحة أكيدة في الحفاظ على درجة من درجات النظام (الانضباط) على الصعيد الدولي والمعنى هو ان الاميركيين لهم مصلحة قومية ثابتة واضحة تتحقق خارج حدود بلادهم.. فمن الحوادث التي قد تقع في مواقع خارجية اخرى ما يؤثر على أميركا ـ الداخل ـ بل ويلحق بها أبلغ الاضرار.. ومن المهام التي لابد وان ننهض بها القيام بمحاولة التأثير على حكومات ومنظمات في الخارج بشأن طائفة متنوعة من القضايا مثل انتشار أسلحة الدمار الشامل أو تفشي ظاهرة الارهاب أو تدفق التجارة الدولية أو الموارد أو الاضرار التي تلحق بالبيئة العالمية. نفتح قوساً اعتراضياً ثم يقول بروفيسور جوزيف ناي على وجه التحديد: بعد الحرب الباردة، تجاهلنا افغانستان ولكننا اكتشفنا ان بلدا ولو كان فقيرا ونائيا يمكن ان يؤوى القوى التي يمكن ان تلحق بنا الاضرار. هنا نفتح قوسا اعتراضيا لنلاحظ ان البروفيسور ناي بكل ملكاته البحثية فاته ان يضيف ولو في هوامش المتن حاشية تتساءل عمن كان يمد هذه القوى بالأسلحة والدعم والمؤازرة وسبل التدريب.. وسوف يكتشف انها أميركا بالدرجة الأولى وكان ذلك خلال الغزو والوجود السوفييتي في افغانستان وكان الهدف هو تسجيل اخر انتصار على الكرملين في اخر معارك الحرب الباردة. ومع ذلك، تصدق كلمات المؤلف حين ينبه واشنطن الى ان خير العالم هو خير وبركة لأميركا بكل جبروتها، بقدر ما انه خير وبركة لاصغر بلد في العالم بكل محدودية قدراته وموارده بمعنى ان كل بلد يجد فائدة جمة من استتباب السلم ومن ثم حرية اجتياز البحار وقمع الارهاب وانفتاح التجارة ومكافحة الأمراض المعدية واستقرار الأسواق المالية وكل هذا لن ينال من قوة أميركا ولن يقلل من حجم هذه القوة وفعاليتها.. بل ان أميركا ستكون أكبر طرف مستفيد من هذا الخير الدولي العام مما يقتضي منها (والكلام من جديد للبروفيسور ناي) أن تنتهج مبدأ استراتيجيا مهما يقضي بوضع أولويات لسلوكها والتوفيق بين مصالحنا القومية ضمن منظور أوسع يتوخى مصالح العالم أيضا. في هذا الخصوص يحيل المؤلف الى العبارة التي سبق وقالتها مادلين أولبرايت ـ هل تذكرها؟ وزيرة خارجية أميركا السابقة وهي: (اننا الأمة التي لا يمكن الاستغناء عنها) ولكن المؤلف يطالب بقدر من التحوير في هذه المقولة، مؤكدا اننا لكي نكون كذلك علينا ان نستثمر في مجال كلتا القوتين الصلبة واللينة من خلال نموذج طيب، متفاهم وايجابي ومتعاون مع الأطراف الاخرى. هنا ينطرح السؤال.. كيف يحقق ذلك؟ ويجيب المؤلف (ص 143) بأن يمارس الكونغرس ضبط النفس (بمعنى ان لا ينساق مع عواطف أو اثارة الناخبين). وبأن تعمد أميركا الى ترتيب بيتها من الداخل في مجالات الاقتصاد والبيئة والعدالة الجنائية وما إليها. ويضيف ان العالم يود ان يرى أميركا وهي تقود من خلال ضرب المثل ونموذج القدوة: ولكن عندما يرى الناس أميركا وهي تطلق العقال بغير ضابط ولا رابط لتلويث هواء العالم بكمية الانبعاثات الضارة بالبيئة ويضع ساستها معاييرهم الخاصة بتلك الملوثات دون مراعاة للاحتياجات والمقاييس العالمية ـ حينئذ ـ يؤكد مؤلف الكتاب ـ فمن السهولة بمكان ان يتحول احترام الاخرين لأميركا فيصبح خيبة أمل بل وشعور الازدراء. شعار الأفواه العالكة أخيرا، يشير مؤلف الكتاب الى الشعار الذي بات يتردد في الافواه العالكة أو يرفع في كل وقت في لافتات وملصقات ومنشورات.. شعار أميركا رقم واحد أو نحن رقم واحد في الدنيا.. الخ. وقد يتفهم المرء كيف ان الأميركيين كانوا كمن يعزي نفسه من باب التأسي بعد ان داهمتهم قارعة الحادي عشر من سبتمبر 2001.. لكن في ميزان العمل السياسي الجاد والتحليل العالمي الرصين يؤكد المؤلف الآتي من هارفارد ان حكاية الرقم واحد هذه ليست مجرد شعار يرفع ولا موقع للابهة أو التفاخر المغرور بقدر ما أن تحمل المسئولية عن قيادة عالم الجزء الأول من قرن جديد وعلى رأس ابجديات هذه المسئولية ان تقود أميركا ـ لا باستعراض القوة ولا بقعقعة السلاح، ولا بتصريحات الويل والثبور والتهديد من جانب واحد.. تلك هي معطيات القوى الصلبة التي تكلف ثمنا فادحا ولا تحقق أهدافها في الأجل الطويل. الأفضل والأنجح ـ في رأى جوزيف ناى ـ ان تقود أميركا من خلال المشاركة والتعاون والاستمالة وطرح النموذج الايجابي في عيون الاخرين.. وتلك هي معطيات القوى اللينة التي قد تستغرق وقتا وقد تقتضي ضبط النفس وكبح الجماح ورصانة الهدوء لكن بغيرها تظل أميركا في حالة فوران ويظل العالم على حافة بركان.

تعليقات

تعليقات