يؤمن أن الأديب يتحول ديكتاتوراً أحياناً

رشيد الضعيف: المثقف ليس زهرة ربيعية

يصعب على قارئ روايات رشيد الضعيف تصنيفه، فأعماله تتنوع بين الرواية التي تتناول شرائح مختلفة من المجتمع، والأخرى التي تدخل في عمق ذات البطل الأوحد والتداعيات والمونولوج. ليشمل هذا التنوع، الرواية التاريخية وظلال الحرب الأهلية في لبنان، والعلاقة بين الرجل والمرأة، وأفراد الأسرة، وما يشبه السيرة الذاتية.

«مسارات» يستكشف عوالم الإبداع لدى الضعيف، في رحلة حوارية، تسافر في كنه الذات الحائرة في متاهات كينونة التأمل والتفكير الفلسفي، وهما يتقمصان ثوب الرواية ويتدثران قميص الأدب. إذ يشدد معها، على نظرته الخاصة لماهيات الإبداع، ولما أفرزته التجارب، من تعريفات للمثقف، مبيناً أن غالبية ديكتاتوري العالم، مثقفون.

ما أسباب الفجوة الفاصلة بين المبدع والمثقف العربي وعوالم المرأة؟

المرأة عندها مصلحة في التغيير والحداثة. فهي حساسة ومستمعة. وتهتم بمنجزات المرأة في الخارج، أكثر بكثير من الرجل. وكل تغيير هو في مصلحة المرأة. أما الرجل لدينا، فيخاف من ذكاء المرأة ويخاف من متعتها، وربما هدفه أن يكون قائدها الأوحد في كل المحطات والاتجاهات.. لا يزال رجلنا يعتقد أن الأمور.

كما هي في ما قبل مئات وربما آلاف السنين، ذلك بشأن تقسيم الأدوار والعمل. لا بد لنا من ان نعي انه، وموضوعيا، أنه تغيرت الأشياء والمفاهيم في محيطنا. لكن الرجل في مجتمعاتنا لم يستوعب بعد هذا التغير. لذلك هناك صراع فعلي بين الرجل والمرأة، حتى في أكثر العلاقات الزوجية سلاماً.

هل ترتبط حدود الإبداع بثقافة الكاتب الروحية والإنسانية؟

الموضوع ليس موضوع انتخابات، فهذا الجانب تاريخي تكويني. الثقافة وحدها لا تكفي ولا يمكن فرض وجودها، لذا هناك دائما تخلخل. لم يعد هناك في الزمن الحالي نموذج يُبنى عليه، أو منوال للقياس الثابت.. كل علاقة هي اختراع، ابداع بشكل مناسب لاثنين.

 غربال الزمن

الكتابة في الإباحية موجة سائدة حاليا..ما رأيك في هذا الشأن؟

هذا لا يزعجني. إنهم ( الكتاب) أحرار. فليكتبوا ما يشاؤون، ليس عندي موقف أخلاقي إزاء الأمر، المهم فنية العمل. وبالنسبة لي، إما أن أقرأ أو لا أفعل. وأما أدبياً فهناك موازين أخرى منها : هل أغتني من تلك القراءات؟ هل استفيد من أفكارها وما في جعبتها؟ إن القارئ يختار دوما، كما الحال مع المغنين والموسيقى، فإن لم تعجـــبك الأغنيـــة بمقدورك غلق الراديو. . الزمن غربال وبذا يبقى في النهايــة من يختاره التاريخ.

 اللامتوقع سيداً

انتشرت في العالم العربي، أخيراً، أنماط ومفاهيم: الرواية الأكثر مبيعاً. كيف تفسر اختلافها عن نظيرتها الأدبية؟

لا أحد يقرر في هذه الأمور، لا يمكن أن نحصر الأدب بشكل عام( الرواية أو السينما أو الشعر) في أصول أو في قواعد. الإبداع الفني ضد القواعد وفي تفجر دائم. هناك دائما أذواق وحساسيات. ويوجد، باستمرار، من يبيع ومن لا يبيع، ومن يشتهر ومن لا يشتهر. وهناك من يشعر بالغبن ومن لا يشعر به، هذه هي حال الدنيا.

دائما، وفي كل بلدان العالم، هناك مثقفون يهزؤون من الرواية الأكثر مبيعا، ويعدونها خارج إطار الأدب، ويرون أن ما يكتبونه هو الأدب الصحيح. شخصياً، أشعر أني خارج هذه الهموم والموضوعات، أنا مقتنع بأن الدنيا مفتوحة دائما على اللامتوقع.

فما يحدث دائما هو اللامتوقع، لا أحد يستطيع أن يصدق ويحذر في توقعه، إلا ما ندر، لا في ميدان الأدب أو السياسة أو العلوم أو في أية ميادين أخرى. لا بل أذهب إلى أكثر من ذلك، فحتى نحن الأفراد لسنا صانعي التاريخ.. التاريخ يصنع نفسه عبرنا، نحن عملاء له.

نحن في العتمة لا نعرف ماذا يجري، تصوري العامل مع بداية الثورة الروسية في أوائل العشرينيات من القرن الماضي.. عشرات الآلاف من العمال يقدمون الخدمات، لأيام وأشهر، من دون أجر، ذاك فقط لأجل بناء الاشتراكية، وتوفير بنيتها التحتية، كالسدود والكهرباء. فهناك حادثة واقعية، تحكي هذا. إذ سقط عامل عن سد بارتفاع 60 مترا، فأغمي عليه. وبعد عدة ثوان فتح عينيه وقال "أعيدوني إلى العمل"، ثم مات.

إن مثل هؤلاء، حضّروا، موضوعياً، لمجيء ستالين، الذي قمع، من 20 إلى 30 مليون روسي. ويالغرابة حقائق ما خضناه هنا، حيث إننا دخلنا، في معترك حرب لبنان، لأجل الاشتراكية والمقاومة الفلسطينية، وغيرها من أفكار. وإذا بنا نكتشف أننا دمرنا البلد.

وهكذا فإن كل ما سبق، قدم وحضّر لما سيأتي. إذاً فنحن لا نستطيع أن نضبط الأدب أو الإبداع. المثقف ديكتاتور بل أكثر من ديكتاتور، خصوصاً إذا كان لديه قناعات راسخة "يا إلهي". المثقفون هم من ارتكبوا المجازر في أوروبا، الثورة الفرنسية. أوليس هتلر بمثقف؟ وكذا ستالين.. أليس بمثقف متنور ؟ إذاً، المثقف ليس بزهرة ربيعية، لم ينجح يوماً ليسقط الآن.

ضمن هذه القناعة.. أين يكمن موقع الناقد ودوره؟

الناقد كالاقتصادي. هو يفسر الأزمة بعد حدوثها ويشرح أسبابها، لكنه لا يقول أبداً: انتبهوا ستحدث الأزمة. الناقد يفسر الظاهرة.. الناقد لا يتنبأ. إن الإبداع شيء آخر مختلف، ولا علاقة للناقد بالإبداع الأدبي أو الفني. الناقد له علاقة بالظاهرة الأدبية، له علاقة بمنتوجه. الناقد يقول لنا، إن هناك مئات الروايات بين الواقعية والرمزية، ويفسر لنا الأشياء. أما حركة الإبداع فلا علاقة له فيها.

هل أن الناقد وسيط بين المنتج والقارئ؟

النقد مشروع ولازم لفهم القوانين التي تحكم الأدب. نحتاج النقد الذي يجيب عن الاسئلة التي تبحث حول ماهيات كون الأدب أدبا، والرواية رواية، وكذا النص المسرحي..ولكن يجب أن نعي أن أسئلة تلك الماهيات مختلفة عن التربية الأدبية، إنه أمر مغاير. الناقد ليس مدرساً، الناقد عالم يدرس ظاهرة تسمى الأدب، ينبش في :

حركتها وقوانينها وفوضاها.. ويستقي عن إذا ما كان فيها نظام ما، أو قوانين موضوعية في هذه الظاهرة المتحركة. تلك هي هموم الناقد كنشاط علمي، والمقال النقدي الجدي لا ينشر في الجرائد، إنما يقرؤه المتخصصون فقط. وهو مبني على مسيرة النقد. أما دور الصحافي، فهو تعريف القارئ بالمعلومة وتقديم رأي. ومجازاً نقول عنه، إنه رأي نقدي. فالنقد علم مختلف، ولا علاقة له بالجرائد، إذ يتضمن علما وبحثا جامعيين.

وكل نقد له جهاز من المفاهيم. فالنقد الذي يتناول اللوحات له مجموعة مصطلحات خاصة به، وهكذا تتقدم المعرفة بالشيء وبطبيعة الظاهرة الأدبية. روائيونا وشعراؤنا يقولون عندما يقرؤون للشباب: هذه ليست رواية عظيمة.. وكذا الحال مع قصيدة ما جديدة.

 عوالم متكاملة

هل تكون في حالة اللاتوقع عندما تكتب الرواية ؟

أحيانا أعرف أنا في أي اتجاه أذهب. وأحياناً أبدأ لأذهب نحو نهاية مسبوقة. وفي مرات مغايرة، أبدأ في الرواية دون أن أعرف إلى أين أتجه. الكتابة نوع من الإدمان يأخذ منك ويعطيك، وفي المحصلة يستنزفك.

كل رواية لها عوالمها، وكل كاتب له مساره وتجربته ومعاناته. أحياناً المشكلة في البداية. وأحياناً في الوسط. وأحياناً في الأسلوب.

ماذا عن مادة الكتابة الإبداعية التي تدرّسها؟

إنها فعلياً، كمن يعلمك لعب كرة القدم، فيعطيك المبادئ الأولى. إنه نوع من حوار، أخذ ورد. كما الكاتب الذي يريد أن يعرف أكثر عن حركة الرواية.إن طريقتي في التعليم محددة . فطلابي يكتبون لنناقش ما كتبوه. ومن ثم نتدارس المشكلة التي يطرحها نص طالب ما منهم، لنناقش إما الأسلوب أو بناء الشخصيات أو العقدة. ومنها ننطلق إلى معالجة الموضوعات. ونحن نتصرف على أساس أنه هناك قواعد، ولكن، عملياً، ليس هناك قواعد.

عندي طلاب كتبوا روايات ونشروها، مثل "دايما كوكا كولا"، التي كتبتها معي، آنذاك، في الجامعة اللبنانية الأميركية، الطالبة ألكسندرا شريتح. وترجمت إلى لغات عديدة. وبعد تخرجها أصدرت روايتها الثانية: "علي وأمه الروسية". وكذلك سحر مقدم في روايتها: "أنا وكريم والسوشي". إن مثل هذه الدروس تساعد طلابي على تحقيق ما يريدون. من يرد يستطع. لكن شرط توافر الرغبة والمثابرة . وأنا دائما أقول، أنا لست موهوبا، لكنني شخص يعمل.

كل طالب كتابة عنده مشكلته الخاصة، منهم من يحب الاستعراض اللغوي. وهناك طالبات عندهن مشكلات فعلية مع الأسرة أو جسدهن، فأنصحهن بما أستطيع، بالتفوق على أنفسهن. لا نستطيع أن نكتب وعمنا أو جدنا يراقبنا. ولا يمكن لفتاة مبدعة أن تكتب بينما يقف والدها خلفها.

 سيرة

ولد رشيد الضعيف، في لبنان عام 1945. يحمل إجازة في اللغة العربيّة وآدابها الجامعة اللبنانيّة 1970. نال شهادة الدراسات العليا الجامعة اللبنانيّة 1971، والدكتوراه في الأدب العربي المعاصر- جامعة باريس الثالثة 1974. ومجاز في الدراسات العليا في الألسنيّة- جامعة باريس الخامسة 1979.

عمل أستاذا في قسم اللغة العربيّة وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة- الجامعة اللبنانيّة (1974-2008).

وهو أستاذ زائر في جامعة تولوز- فرنسا. وأستاذ مادة الكتابة الابداعيّة في الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة.

 قراءة

 استلهم الضعيف من التاريخ، موضوعي روايتيه "تبليط البحر" و"معبد ينجح في بغداد". وتدور أحداث الأولى في بلاد الشام، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في المرحلة التي شهدت تباشير النهضة العربية الحديثة والتي نتابعها عبر نشأة البطل "فارس منصور هاشم"، ورفيقه الأديب جرجي زيدان. إذ يبدأ فارس دراسة الطب في بيروت، ويكمل دراسته في الولايات المتحدة، بينما يتوجه جرجي إلى مصر.

كما يتعرف القارئ في "معبد ينجح في بغداد"، التي تجري أحداثها في العصر العباسي، ومن خلال بطلها معبد بن رباح- المحب للغناء-، يتعرف على تاريخ تلك المرحلة، ليرسخ في ذاكرته من القراءة الأولى، على العكس من حال نتاج معرفته في المجال، المتحصلة بفعل السنوات الطويلة التي أمضاها في دراسة تاريخ تلك المرحلة على مقاعد الدراسة، حيث تبخر مجملها، من ذاكرته، بعد انتهاء موسم الدراسة. . وفي شتى الأحوال، نجد أنفسنا، نعايش، مع صفحات تلك الرواية، تلافيف وحيثيات وقصص الصراع بين الخليفتين/ الأخوين : الأمين والمأمون، حول السلطة.

كما يدخل رشيد الضعيف في رواياته: "أوكي مع السلامة" و"تصطفل ميريل ستريب" و"انسي السيارة"، حنايا تفكير الرجل الشرقي، سواء الذي ورث أفكاره من البيئة التقليدية التي عاش فيها، أو من تجاربه الحياتية، وكذا المكون المعرفي الذي اكتسبه، ليتبنى أفكاراً خاصة به، عن علاقته بالمرأة والحياة.

ويبدو بوضوح، أن العامل المشترك بين معظم روايات الضعيف، "النهاية المفتوحة"، والتي لا تشعر القارئ بخيبة الأمل، أسوة ببقية الروائيين. والأرجح هنا، أن تشبع القارئ بالعمل وشخصياته وأحداثه وتطوراته، أمز يدفعه إلى قبولها( النهاية المفتوحة)، ذلك كما هي الحاملة لكثير من القصص التي نتوقف عند مفصل جوهري منها، والذي يكون غالباً أكبر بمضمونه ووقعه، من شخصيات العمل.

يتميز الضعيف بغنى لغته السردية، فلكل عمل لغته وإيقاعه ومفرداته المستقاة من موضوعه، ففي الرواية التاريخية، نجد اللغة القديمة الجذلى التي تختلف عن لغة المثقف في القرنين التاسع عشر والعشرين. وكذلك لغة الحرب ومفرداتها بين العامة والنخبة. كما يسهم أسلوبه في عرض ألم ومعاناة شخصياته، عبر مسافة من الحيادية، من تفاعل القارئ مع الشخصيات، خاصة تلك التي تعكس معاناة السكان خلال الحرب الأهلية في لبنان وما بعدها، مثل: "المستبد" و"عــزيزي كواباتـــا"، وغيرها.

 شاعر وروائي

 قدم رشيد الضعيف، مجموعة من الأعمال الروائية والشعرية. ومن بين رواياته: المستبد، أهل الظل، تقنيات البؤس، غفلة التراب، معبد ينجح في بغداد، عودة الألماني إلى رشده، إنسي السيارة، أوكي مع السلامة، تبليط البحر. ومن بين أعماله الشعرية : حين حل السيف على الصيف (شعر)، لا شيء يفوق الوصف، أي ثلج يهبط بسلام؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات