ذكريات إعلامية تردد صدى مزيج الكفاءة والرقة

أصبحت المذيعات في الفضائيات، حالياً، والتي غدت تفرخ وتتعدد يومياً، خارج نطاق إمكانية الحصر أو حتى القدرة على تمييزهن من بعضهن. وبتنا نجد، بالتالي، أن مهاراتهن وإبداعاتهن نهب التشتت والتكرس في قوقعة الضياع، ذلك حتى مع طغيان صورهن وحضورهن في المشهد خلال أوقات نهاراتنا جميعها. إذ لم نعد نرى إحداهن، بحق، تتربع، على قمة الشهرة، جماهيرية لامعة، كما في الماضي القريب قبل ثورة الإعلام والاتصالات.

وطبعاً، ليس ذلك نتيجة عيب في مكنون إبداع الجديدات من هؤلاء المبدعات، لكن بتأثير سيل المحطات الفضائية، الذي شرع يدفع المتلقي إلى درب تيه. وبذا حُرمنا، عملياً، فرصاً حقة في التعرف على مواهب إعلامية من العنصر النسائي، متميزة في جوهرها وذاتها الإبداعية، لا مرهونة فقط بمدى نجاح وانتشار الفضائية التي تعمل بها.

 يأخذنا الحديث في هذا السياق، إلى مخزون ذكريات ومواقف جميلة عذبة، تتجلى فيها سمات التفرد والقدرات النوعية في حقل الإعلام التلفزيوني (المذيعون والمذيعات تحديداً)، مقرونة بثيمات الروح الأنثوية المؤثرة بطابع متزن وبليغ..

وتسعفني الذاكرة هنا في إيراد أمثلة ونماذج متنوعة، من أيام زمان.. تحديداً خلال فترة مضت شغل فيها تلفزيون دبي الأرضي، الدنيا والناس، وكان مؤثراً إلى حد كبير، فبقي حاضراً بنبض ووهج قويين، حينها، وذاك في كل مساء وفي جميع البيوت ضمن دولة الإمارات، وكذا في شتى المدن القريبة الأخرى في منطقة الخليج العربي.

وأبرز ما كان يذكي فاعلية هذه المكانة لتلفزيون دبي، آنذاك، وجود مذيعين ومذيعات لهم حضورهم اللافت والجاذب، على الشاشة، بفضل مهارات وإمكانات عديدة يمتلكونها، على رأسها، تميز أساليب تقديمهم البرامج ونشرات الأخبار.

ذكرى وناظم

تحضرني، على صعيد الموضوع المطروق وفي إطار العودة إلى ذاكرة تلك الأيام، ذكرى المذيعة المبدعة، المرحومة ذكرى الصراف، زوجة المخرج التلفزيوني ناظم الجبوري الذي كان يحرص على أن تكون فترة عمله متزامنة مع وقت شغلها هي، ذلك كونه، كما أوضح مرات عديدة، لم يكن يحب زوجته وأم أولاده ورفيقة عمره فحسب، بل كان يشده بقوة، أداؤها في تقديم نشرة الأخبار، إلى جانب نبرة صوتها المميزة..

 وعلى هذا الأساس استمر في تصويرها بطرق مبتكرة مهمة، من جهات ثلاث وبكاميرات ثلاث أيضاً، ذلك على غير عادة ركائز نقل صورة المذيعـة، التي كانت تجري، آنئذ، عبر كاميرا واحدة. وفي تتابع حلقات هذا التعلق والتمسك، كان ناظم الجبوري يقدم الرأي والمشورة إلى زوجته، بشأن التفاصيل كافة، كمخرج وزوج، ليطال الأمر اختيار ألوان ملابسها وشكل تسريحة شعرها.

كما أنه كان دقيقاً فيما يعرضه عليها من مقترحات وملاحظات تفي بأغراض جعل إطلالتها على الشاشة، أبهى وأكثر جذباً ورونقاً جمالاً، مازجاً هذا بتوظيف قدراته الإخراجية وحركة الكاميرات وصورة الخبر، إلى أقصى مدى، للوصول إلى هذا الهدف.. وهكذا كانت الفترة الإخبارية، مع واقع التفاني والدقة في الالتزام برونق المظهر في موازاة الحرفية والمهنية في أداء المهام، محطة متعة وإفادة، فريدة، للمشاهد.

 رحيل تراجيدي

برز تلفزيون دبي، في تلك الفترة، كأحد أهم المحطات التلفزيونية التي لديها نخبة من الكوادر الإعلامية، من المذيعين والمذيعات تحديداً، ضمن مختلف أنواع البرامج الحوارية والمنوعة، ومن بين هؤلاء المرحومة ذكرى الصراف، نفسها. وكان لافتاً، في تلك الآونة، أن صورة ذكرى الصراف، تظل مرسومة في مخيلة المتلقي وتتبادر إلى ذهنه فوراً، عندما يهم في متابعة قناة تلفزيون دبي.

واستمرت هذه الحال إلى أن رحلت ذكرى بشكل تراجيدي لم يصدقه أحد. فطبقاً لإحدى الروايات التي انتشرت يومها حول رحيل هذه الفقيدة المبدعة، إنها، وفي عصر أحد الأيام، بعد أن احتست كوباً من الشاي مع زوجها المخرج ناظم الجبوري، طلبت منه أن يذهب إلى السوبر ماركت ليشتري بعض الحاجيات الضرورية للمنزل، فخرج مسرعاً، ولم يغب طويلاً، لكنه حين عاد، وجدها لا تزال جالسة على الكرسي ذاته، الذي كانت تقعد عليه قبل خروجه من المنزل.

والفارق أنها، حينها، كانت جسداً بلا روح، إذ لبت نداء ربها خلال الدقائق المعدودة التي غادر فيها زوجها البيت، وبذا تشاء الأقدار، أيضاً، أن تكون في تلك اللحظات، وحيدة في الدار. كان هول صدمة الزوج وأبناؤه والأصدقاء، كبيراً مفزعاً، وكذا الأمر بالنسبة لكل العاملين معها في قناة دبي، فالموت على هذه الشاكلة، لا يتأتى لجميع البشر، ويبدو وكأنه حصر بأولئك الذين تميزوا في الحياة.

 مايسة محمود

نخبة من المذيعات تميزت بهن قناة تلفزيون دبي في تلك الأيام الذهبية الجميلة، ومن بينهن المبدعة مايسة محمود، التي تتصف بخفة ظلها على الشاشة، علاوة على عذوبة ابتسامتها ورقة صوتها الأنثوي، لترسم بذلك، مشهدية حضور بارز لا يضاهى، على الشاشة، قوامه الانسجام النوعي بين الصوت والشكل في بوتقة التميز والجاذبية..

وبذا كنت إذا سمعت الصوت دون أن تكون ناظراً إلى الشاشة، تشرع رأساً، في استحضار صورة مايسة.. وحين ترى مايسة تشرع في سماع نغمات صوتها، حتى من دون أن تنطق. وكانت تسحر الجميع في حوارها مع ضيوفها.

. وهي كثيراً ما استضافتني لتحاورني حول شؤون المسرح والأدب، وكان اليقين الثابت، لدي ولدى أي من الضيوف الآخرين معها، أنه مهما طال اللقاء فإنك في الاستوديو كما أنت أمام الشاشة، تشعر أنه انتهى بسرعة بفعل تشويقه وجمالياته، ذلك لأن مايسة تكسب الحوار شفافية وجمالاً وخفة ظل. وهو ما كان يجعلني شخصياً، لا أشعر بالوقت في جلسة اللقاء، مهما طالت وامتدت.

نادراً ما كانت مايسة تقدم نشرة الأخبار، إلا أنها تفردت وبرّزت في البرامج المنوعة الجميلة الجادة، التي التقت عبرها، كوكبة من نجوم السينما والمسرح والتلفزيون. ولم تكن لتركز في اختياراتها لشخوصها الحوارية، على النجوم من خارج الإمارات فحسب، إنما بقيت توازن في هذا الصدد، فتحرص على حضور الفنانين العاملين في الدولة، من المواطنين والمقيمين، في برامجها، للحديث عن قضايا الفن المحلية المختلفة.

وفي المقابل، لم تجعل الكفة تميل في شأن المستضافين في حواراتها، وبذا وازنت، على الدوام، بين التقاء الفنانين والأدباء العرب من خارج الدولة، ومن داخلها. كما كانت ذكية في ماهيات تنويعها لموضوعات الحوارات.

واقترن هذا، طبعاً، بتجويدها المستمر لآليات ومساقات الحوار، حتى أنها اتسمت باستطاعتها الوصول إلى عمق الموضوع المطروق، وإلى ما تريد من الضيف أن يقول ويقدم من آراء، دون أن تتعدى أدبيات الحوار، أو تتجاوز حدودها فتخدش حياءه أو حياء الجمهور.

شكلت مايسة محمود، علامة إبداع فارقة، على شاشة تلفزيون دبي، في تلك الفترة، وربما أن الحديث عنها في هذا السياق، لا ينتهي. ولكن ذاك، بالتأكيد، لن يجعلنا نغفل أو ننكر، سمات وتميز عدد من المذيعات الأخريات، حالياً، ضمن إطار إيراد تفاصيل جمة عن الفضائيات المؤثرة لدى المشاهد.

إلا أن الحقيقة المشعة في هذا الإطار، والتي لا نجافي أو نجانب المنطق في التشديد عليها، أن تلفزيون دبي، ظل ويظل يتفرد بمقومات التميز، في كوادر مذيعيه ومذيعاته وإعلامييه وإعلامياته، طالما بقيت دبي في الصدارة بين مدن العالم المتحضر.

 سمية ومؤيد

كانت المذيعة سمية زكي، إحدى المبدعات اللامعات في تلفزيون دبي، بفضل قدراتها الكثيرة: الموهبة والشكل والصوت والأداء والـتأثير على المتلقي. وهي كانت تجمع ما بين العمل في التلفزيون، حيث تملأ شاشته بخفة دمها وأدائها وحضورها، والاشتغال في حقل الإذاعة، حيث كانت قادرة على النفاذ إلى أعماق المتلقي لتوصل الرسالة الإعلامية، دون عناء.

كانت سمية اسماً كبيراً في عالم الإعلام. فمن التلفزيون العراقي، انتقلت إلى الكويت حيث أمضت سنوات طويلة فيه، ومن ثم قدمت إلى العمل في دبي. وكان لسمية أيضاً، برامجها الخاصة التي كانت تعدها وتقدمها عبر الأثير أو الشاشة الصغيرة، أو تلك البرامج الناجحة التي كتبها زوجها الأديب والشاعر والإعلامي مؤيد الشيباني.. وبذا صاغا، معاً، صورة للتكامل والتجانس الإبداعي.

 صلاح وسهير

هناك ثنائي مهم، أضفى لمسات وثيمات، مهر بها خصوصية إذاعة دبي المسموعة، في تلك الآونة، فجعلها فريدة مغايرة ضمن دول العالم، كافة: صلاح عويس وزوجته المذيعة سهير. الواقع أن صوت سهير ليس متميزاً فحسب، بل كان ذا إيقاع لا مثيل له، ويتبدى هذا تحديداً عند انتهاء الجملة أو الوقوف عند السكون.

وتخصصت سهير، حينها، في قراءة نشرة الأخبار التي كان يترقبها الآلاف، خاصة خلال الحرب العراقية الإيرانية، إذ برزت دبي في أخبارها وتغطياتها الإعلامية، تلك الأثناء، كونها الأكثر مصداقية من بين شتى الإذاعات الأخرى، المسيسة.

اشتهرت سهير بصفات المذيعة الناجعة، فطالما عرفها الناس جامعة لمهارات الأداء الإذاعي وعذوبة الصوت الأنثوي، إضافة إلى الاهتمام بمخارج الحروف والأداء المتفرد، علاوة على البحة الجميلة وقوة الصوت وصداه الداخلي، إذ كان صوتها يتنقل ويجول بثقة تامة، بين:

(تايتل البرامج) والأخبار وإلقاء الشعر وفي برامج خاصة. وماثلها في مقومات التميز، زوجها المذيع والمخرج الإذاعي والإعلامي صلاح عويس. وهكذا نسجا، معاً، تجانساً في أرضية الأداء والجدية. وطالما كان عويس يدهشني بصوته الرجولي ونبرته النافذة إلى الأذن، ذاك مثل ما كانت سهير تنفذ إلى القلب، من خلال الأثير.

 حاجة

إن هؤلاء هم بعص حصيلة ذاكرتي المثقوبة، لكنني أنني أؤكد أن مبدعين ومبدعات، عديدين، تميزوا في سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، من خلال التلفزيون والراديو، وينبغي العودة للحديث عن جمال أصواتهم وسمات أدائهم وتأثيرهم الإعلامي. وهم توزعوا، آنذاك، على أجهزة الإعلام المختلفة، في دبي وأبوظبي والشارقة، وشتى إذاعات الدولة.

 ثنائي وإذاعة

 هناك ثنائي مهم، أضفى لمسات وثيمات، مهر بها خصوصية إذاعة دبي المسموعة، في تلك الآونة، فجعلها فريدة مغايرة ضمن دول العالم، كافة: صلاح عويس وزوجته المذيعة سهير. والواقع أن صوت سهير ليس متميزاً فحسب، بل كان ذا إيقاع لا مثيل له، ويتبدى هذا تحديداً عند انتهاء الجملة أو الوقوف عند السكون.

وتخصصت سهير، حينها، في قراءة نشرة الأخبار التي كان يترقبها الآلاف، خاصة خلال الحرب العراقية الإيرانية، إذ برزت دبي في أخبارها وتغطياتها الإعلامية، تلك الأثناء، كونها الأكثر مصداقية من بين شتى الإذاعات الأخرى، المسيسة.

 مخرج وزوج

 حظيت ذكرى المذيعة المبدعة، المرحومة ذكرى الصراف، زوجة المخرج التلفزيوني ناظم الجبوري، بمكانة مهمة. وكان زوجها حريصاً على أن تكون فترة عمله متزامنة مع وقت شغلها.. وكان يشده بقوة، أداؤها في تقديم نشرة الأخبار، إلى جانب نبرة صوتها المميزة..

وعلى هذا الأساس استمر في تصويرها بطرق مبتكرة مهمة. وكان يقدم إليها الرأي والمشورة بشأن التفاصيل كافة، كمخرج وزوج. شكلت مايسة محمود، علامة إبداع فارقة، على شاشة تلفزيون دبي، في الثمانينات والتسعينات من القرن الـ20، وربما أن الحديث عنها في هذا السياق، لا ينتهي. ولكن ذاك، بالتأكيد، لن يجعلنا نغفل أو ننكر، سمات وتميز عدد من المذيعات الأخريات، حالياً، ضمن إطار إيراد تفاصيل جمة عن الفضائيات المؤثرة لدى المشاهد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات