المسرح حبي الأول والأخير ولكن ليس لدينا حركـة مسرحية

أحمد عتمان: أرفض التشاؤم حيال الــربيع العربي فأنا متفائل على المدى البعيد

أكد الدكتور أحمد عتمان، أستاذ الدراسات اليونانية واللاتينية، رئيس الجمعية المصرية للأدب المقارن ورئيس الجمعية المصرية للدراسات اليونانية والرومانية، أن الثقافة لم تستفد بعد من الربيع العربي، باعتبار أن تغيير عقلية الشعوب دائمًا هو أصعب الأمور. واعترف عتمان في حواره مع "مسارات"، بأنه تنبأ بالثورة من خلال مسرحياته لكن ما حدث فاق حلمه بمئات المرات، معبرًا عن تفاؤله بثمار الربيع العربي الثقافية ولكن ليس بالنسبة إلى الغد بل على المدى البعيد.

 

بعد اكثر من العام على انطلاقته.. كيف تنظر إلى آفاق الربيع العربي ومستقبله؟

أرفض حالة التشاؤم الموجودة الآن في تونس وليبيا ومصر، كأن يقول البعض إن سنة مرّت ولم يتغير شيء، فهذه رؤية خاطئة؛ لأن الحدث كبير جدًا والنتائج والثمار ليس بالضرورة أن تأتي بين يوم وليلة.

إن الثورات عمومًا يمرّ بها ما نسميه صعودًا وهبوطًا؛ بمعنى تتحقق أشياء وأشياء أخرى لا، وتحدث ثورات مضادة، وهذا طبيعي جدًا، فعندما تأتي لتغير نظامًا قديمًا بنظام جديد، لا بد أن يحدث صدام؛ لأن القديم لن يستسلم بسهولة. لذلك لابد ان لا نعمل على خنق الثورة، بل يجب أن نحرص على أن تكون مستمرة، ولكن في حدود عدم الإضرار بالغير.

وأنا متفائل بالربيع العربي، ولكن ليس بالنسبة إلى الغد بل على المدى البعيد؛ لأن الحدث الأساسي قد وقع وهو أن الشعب فتّح عينيه وعرف أين طريق الحرية ولن يتراجع عن هذا الطريق.

 

كتبت أعمالاً مسرحية تتنبأ بالربيع العربي.. فهل كنت على يقين بوقوعه على أرض الواقع؟

كثير من النقّاد العرب والأجانب قالوا لي بالفعل، إنني تنبأت بالثورة من خلال مسرحياتي، ومن بينها، مثلا "حسناء في سجن سقراط" وغيرها.. وكنت أقول في مناقشاتي دائمًا: أين الشعب المصري؟! أنا أريد قرابة الألف أو الخمسة آلاف أو عشرة آلاف يتظاهرون ويذهبون إلى مجلس الشعب؛ ليطالبوا بحقوقهم كما حدث في أوكرانيا وغيرها من الدول، فكان يقال لي "سيقتلونهم". فقلت لهم وليقتلوا ألفًا منهم، لكن ستحدث ثورة، هذا الحلم هو ما كنت أحلم به.

طبعًا ما حدث فاق الحلم بمئات المرات، حيث كنت أحلم بعشرة آلاف لكن ما حدث في ثورة 25 يناير أن كان هناك نحو 15 مليون مصري تقريبا في الشارع. وذهلت عندما حدثت الثورة؛ لأنني وجدت ما حلمت به على أرض الواقع ولكن أكبر مئات المرات مما كنت أحلم به،.

ومن شدة الذهول كاد يفلت الأمر مني لولا أن كتبت مسرحيتي "الورد يريد طلوع النهار"، إذ كتبتها أثناء الأحداث نفسها وسأنشرها دون أن أغير فيها حرفًا وستكون رصدًا لما حدث، ولكن طبعًا بنوع من الخيال وهي مسرحية مملاة من ميدان التحرير.

 

حوار الثقافات

ذكرت في الاحتفال باليوم العربي للأدب المقارن "أن الثورة غيّرت وجه العرب أمام الآخرين وأن حوار الثقافات سيتغير".. هل تحقق هذا أو بدأت تظهر بوادر هذا التغيير؟

تبادل الحوارات والثقافات يقوم على قيمة الشخص الذي يجلس أمامي وقيمته لا تعني المثل القائل "معاك كام تساوي كام"، ولكن قيمته الحقيقية تكمن في شخصيته وعقليته وتربيته وفاعليته ونشاطه مؤثر أو غير مؤثر، عندما أجد هذا الشخص سأتعامل معه بشكل جيد وأحترمه وتحدث بيننا اتفاقيات، وهذا ما يحدث بين الدول.

ونحن في العصر البائد حقيقة، لم يكن لنا معنى أو قيمة في الخارج؛ لأنهم كانوا يرون الديكتاتورية ويرون خنوع الشعب وينظرون إلينا على أننا شعب خامل لا يُحترم، وأنا كنت أُحرج من ذلك وينتابني نوع من الخجل، حينما كنت أسافر خارج البلاد.

وكان ينقذني أنهم قرؤوا مسرحياتي التي انتقد فيها الوضع ويتحدثون معي حول هذه الأعمال، مثل مسرحية "حسناء في سجن سقراط"، هناك من قال لي، إن عبارات المسرحية هي التي كانت في ميدان التحرير، وهي منشورة من 2004 وتُرجمت في 2007، وكنت أتحدث فيها عن سقراط وأثينا، ولكن من يقرؤها يشعر أنه يسير في حَواري القاهرة. وفيها شخصية اسمها "ديمقراطيا" ويفسرها الأجانب بأنها رمز للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في ذلك الوقت.

 

«ملحمة»

كيف تنظر إلى الأعمال الأدبية التي تناولت أحداث الربيع العربي؟

الأعمال الأدبية ليس من السهل ظهورها ولا تولد بسرعة، طبعا تولد أشياء لكن الحركة الأساسية تأخذ وقتًا. وعادة الإبداع الفني يأخذ وقتًا.. وأذكر أني كتبت مقالة في الأهرام بمناسبة الاحتفال بنصر أكتوبر، منذ سبع سنوات عندما كان لي مقال ثابت في الأهرام المسائي، وقلت شيئًا استغرب منه الجميع، وهو أن ملحمة أكتوبر لم تأتِ بعد!.

 

.. بمعنى؟

إلى الآن نصر أكتوبر لم يُعبّر عنه بعمل فني يستحق أن أقول إنه نصر أكتوبر، فكل الأعمال التي قُدمت عن هذا الانتصار سطحية جدًا، تأخذ جانبًا وتترك جوانب، وفيها سذاجة في بعض الحالات؛ لذلك لا أجد عملاً فنيًا، سواء كان مسرحًا أو سينما أو شعرًا أو رواية، يرتقي إلى مستوى الحدث، لم يحدث حتى الآن.

وحرب أكتوبر مثلها مثل يناير، فهي لم تكن نصرًا كاملاً على إسرائيل. ولكن بعد أن كان الشعب مذلولاً ومسالمًا، وبينما كان العساكر الإسرائيليون على ضفة القناة، تحوّل الأمر إلى شعب يعبر القناة بصدور عارية تقريبًا، وهذا هو النصر، فالانتصار هو تغيير الحالة من الخنوع إلى الإصرار على إعادة الأرض.

ولا يوجد عمل مما تم تقديمه يُجاري هذا التغيير الجذري، ومن ثم ينطبق الأمر على 25 يناير، صحيح أن هناك أعمالاً شعرية وأغاني ومنها ما أعجبت به مثل أغنية "يا بلادي" لرامي جمال، ولكنه ليس العمل الفني الذي يستوعب الحدث، وكذلك مسرحيتي التي عبّرت عن الـ18 يوم ثورة "الورد يريد طلوع النهار"، فهي رصد فقط ولم تعبّر بعمق عن الحدث والمطبخ مازال يعمل.

 

بناء الثقافة الجديدة

هل اختلف وضع المثقفين العرب في ضوء المتغيرات التي لحقت بالمنطقة بعد الربيع العربي؟

الناس دائمًا ما تخلط بين شيئين؛ الأول المادي وهو الإجراءات، والآخر المعنوي، والثقافة أميّل إلى ما هو معنوي وليس إلى ما هو مادي، ودائمًا التغيرات الثقافية تتأخر، فمن السهل تغيير أي شيء مادي، فهدم بيت سهل وبناء بيت أيضًا سهل. ولكن بناء شعب صعب، ما أقصده أن تغيير العقلية من أصعب الأمور، ولذلك أقول للناس، لا تنتظروا تغييرًا ثقافيًا جذريًا فورًا، ولكن نحن نطالب بالإجراءات التي تساعد على تحقيق هذا التغيير، وهذا من الممكن أن يكون فوريًا ثم نبدأ العمل على بناء الثقافة الجديدة.

 

ما المطلوب إذن للوصول إلى هذا التغيير؟

أولاً البنية الثقافية يجب أن تتغير وأنا ألاحظ أن الثورة لم تعرف طريقها بعد إلى وزارة الثقافة، فلا يزال النظام القديم هو الذي يحكم في كل شيء ليس فقط الثقافة، بل لابد من تغيير المنظومة، فالأمر لا يقتصر على تغيير الوزير، فنحن نريد وزيرًا ثوريًا ومعاونيه ثوريين نريد المنظومة كلها أن تتغير، ثم نتفق على سياسة ثقافية هدفها بناء الثقافة الثورية الجديدة بما يناسب مصر، وأنا دائمًا أدفع ثمن هذا الكلام، حيث تم منع جائزة الدولة التقديرية عني وأعطيت لتلاميذي، ولكن جامعة القاهرة أعطتني جائزة التميز.

هل يتأثر المثقف كثيرًا بالحصول على جوائز من عدمه؟

نعم. ينتابه إحساس بنكران الجميل، إحساس بأنك تصرخ في وادٍ والآخرون في وادٍ آخر، أعتقد أن البطل الذي يحارب عندما نعطيه وردة أو شربة ماء في حرارة الشمس، فهي نوع من التشجيع، ومن يعمل بجد يدفع ثمنًا غاليًا من حياته وصحته وأشياء أخرى. ويضحي بالكثير مثل المناصب، ولو كنت أسير مع التيار لحصلت على الكثير من المناصب والتي رشحت بالفعل لعدد منها، ولكنني كنت أرفض بعضها والبعض الآخر كان يتم إبعاده عني.

 

أين المسرح؟

أين المسرح العربي في حياتنا الآن؟

أهل المسرح يغضبون مني كثيرًا عندما أقول لا توجد عندنا حركة مسرحية سليمة، فعلى سبيل المثال ننفق على المسرح التجريبي الذي أنشئ منذ 22 سنة تقريبًا، الملايين في كل عام، من دون جدوى، وأنا قلت من قبل للمسؤولين عن المهرجان: أقيموا مهـــرجان المسرح التجريبي على أن يكون معه عرض واحد من الغرب مثل "لاسكالا" من إيطاليا ونعرض المسرحيات الجيدة، فهنـــاك مسارح موجودة في إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وأميركا ممتازة.

وفيها عروض رائعة، لكن ما يحدث أن كل عروض المسرح التجريبي سطحية. فأين أعمال شكسبير وغيره؟! وأستطيع أن أقول إن أكثر الفنون معاناة، المسرح، فالمسرح يكاد يكون ميتًا والمصالح والأهواء هي التي تحكم المسرح.

 

على الرغم من ذلك تتجه إلى المسرح كشكل فني لكتابة كل إبداعاتك الأدبية.

المسرح هو حبـــي الأول والأخير، فمن الممكن أن أكتب عملاً في نوع آخر من الأدب، لكن سرعان ما أعود إلى الحب الحقيقي في حياتي وهو المسرح، ولي تجـــارب في كتابة القصة القصيرة. ومن الممكن أن أكتب روايات أيضًا، لكن إحساسي الوطني يجعلني أحـــاول أن أسد الثغـــرات الموجودة في هذا النوع من الأدب، فأنا أرى أن نقطــــة الضعـــف في الثقافــــة المسرحيــة هي المسرح، وهـــي نقطـة غير هينة ولذلك أخصص جهدي له.

 

الأدب المقارن

عميد الأدب العربي طه حسين قال في كتابه "الأدب العربي" لا يُدرس الأدب العربي إلا مقارنًا.. ماذا تقول في ذلك؟

هذا صحيـــح، وأنا الآن أكتب كتابًا عن وضعية الحضارة العربية الإسلاميـــة وعلاقاتهــا بالعالم كله، وتقريبًا انتهيت منه وأبحث عن ناشر؛ لأنه كتاب ضخم. وأرى أن الحضارة العربية الإسلامية، ومن ضمنها الأدب العربي، جاء في مرحلة وسطى بين القديم والحديث، والأدب العربي جاء في العصور الوسطى، وصحيح اننا كعرب لا نمتلك عصورًا وسطى.

ولكن وسطى بالنسبة إلى أوروبا، وهذه القرون الوسطى كانت أوج ازدهار الإسلام، حيث كان العالم القديم قد انتهى ودخلنا في عصور الظلام، وجاء العرب، ثم أتت النهضة الأوروبية وذهبت راية العلم والأدب من العرب إلى أوروبا؛ لذلك فالأدب العربي حافظ على التراث البشري والإنساني كله ثم أعطوه لأوروبا، ومن ثم فالعالم العربي الإسلامي له دور مهم جدا في قيام نهضة أوروبا.

لذلك أنا اتفق مع مقولـــة طه حسين؛ لأن الأدب العربي الكلاسيكي القديــم بهذه الطريقة لا يُدرس إلا مقارنًا؛ لنتعرف ما الذي كان قبله وكيف تأثر به وكيف أثّــــر في المرحلة التالية عليه، فهي مقولــــة صادقة 100 في المئة، ولكنني أضيف إليها للتوضيح أن الأدب العربي إذا أردنا أن نستوعبه استيعابًا كاملاً يُدرس مقارنًا بالآداب القديمـــة والحديثة، ودلالة ذلك أن الموشحـــات التي نتغنى بها، هي خلطة بين الأدب العربي ومقتضياته وبين الأدب اللاتينـــي، وهنـــاك موشحات تجمع بين اللغتين تبدأ باللاتيني ثم تستكمل بالعربي.

 

كيف ترى حركة الترجمة في الدول العربية؟

العالم العــــربي عمومـــًا نشطت فيـــه حركة الترجمة في الفترة الأخيرة، ولكن المشكلة هي أن هذه الحركة عشوائيـــة تحتاج إلى تنسيق، وهناك اهتمام في العالم العربي بالترجمة وفي مصر لدينا المركز القومي للترجمة، وأنا كنت أول من نادى به، حيث كنت أنادي بتحويل المشروع القومي للترجمة، إلى جهة قوميـــة رسمية مسؤولة عنه؛ ليتبلـــور هذا المشروع الناجح ويتحول إلى المركز القومي للترجمة. كذلك لابد أن تكون هناك جهة قومية عربية للترجمة، ليس فقط على مستوى مصر. وكذلك أنادي باستراتيجية للترجمة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات