النشر في الوطن العربي .. واقع مترد ومـــستقبل غامض

تواجه صناعة النشر في العالم العربي أزمة خانقة ثلاثية الأبعاد، أبطالها المؤلف والكاتب والناشر في آن معا، وذلك تبعا لما أكدت عليه مراراً وتكراراً، تقارير وإحصاءات وأرقام ونسب ومقاربات كثيرة تصدرها منظمات دولية وإقليمية ومحلية ما بين حين وآخر، وكلها تشير إلى وجود أزمة عميقة تأليفاً ونشراً وتوزيعاً وبالتالي تأثيراً، لاسيما إذا علمنا أن العرب ينتجون مجتمعين من الكتب، أقل من ما تنتجه أصغر دولة أوروبية.

تحقيق: باسل أبو حمدةلغة الأرقام قاسية، لكن دلالاتها لا تخيب، وهي تشير إلى أن العرب لا يقرؤون سوى ‬6 دقائق في العام، وأنهم يصدرون، حسب تقرير التنمية الصادر عن مؤسسة الفكر العربي، حوالي ‬17000 عنوان سنوياً، فيكون نصيب كل اثني عشر ألف عربي، كتاب واحد، بينما هو في بريطانيا كتاب لكل ‬500، وفي ألمانيا كتاب لكل ‬900، وأن مجموع ما تصدره كل الدول العربية يزيد قليلا على دولة مجاورة كإيران مثلا، والتي تصدر حوالي ‬15000 عنوان سنوياً.

قضايا شائكة

الكاتب والناشر الفلسطيني فتحي البس عزا النتائج السلبية التي توردها تلك التقارير إلى جملة من القضايا الشائكة، التي تدخل في صميم النسيج المجتمعي في الوطن العربي، ومن بينها الأمية ونظم التعليم ومناهج التدريس وعدم توفر مراكز البحث العلمي، والعزوف عن القراءة وتقييد الحريات والفقر، فضلا عن غياب الإرادة السياسة لدى الدول في جعل الثقافة ضمن سلم أولوياتها.

ولكن البس نبه كذلك إلى أن مجموع هذه القضايا العامة ليس الجانب الوحيد في الصورة المزرية لواقع النشر فيه، فهناك قضايا أخرى تخص صناعة النشر وتعمق من أزمتها، فالكتاب «سلعة خاصة لصناعة خاصة تحتاج إلى عوامل نجاح الصناعات الأخرى العادية، يضاف إليها خصوصية ما يحتاجه المنتج الخاص من رعاية خاصة». وأوضح البس أن كل المنتجات تحتاج إلى الجودة أولا والسوق الواسع ثانيا، وكذلك «جودة المنتج الثقافي تقتضي تعليم جيد وخبرة وتجربة وظروف حياة ملائمة للمؤلف».

ومن المعوقات الأخرى التي تقف حجر عثرة أمام طريق انتشار الكتاب في الوطن العربي، لفت البس إلى محدودية الميزانيات التي تخصصها الجهات الرسمية لاقتناء الكتب، علما بأن هذه الجهات هي المقتني الأكبر للكتاب، كما رأى أن الصحافة الثقافية لم تفلح في تكريس أسماء في عالم التأليف، وبالتالي فإنها لم تتمكن من حث القارئ على شراء هذا الكتاب أو ذاك، أما حفلات توقيع الكتب، فإنها لم تفلح بدورها إلا في حالات الأسماء الكبيرة.

وأما عن كيفية معالجة واقع النشر المتردي هذا، فقد أشار البس إلى وجود الكثير من القرارات والتوصيات الصادرة عن مؤسسات عربية رسمية وأهلية، مثل مؤسسة الفكر العربي واتحاد الناشرين العرب، حيث تحاول هذه الجهات الخروج من هذا المأزق، لكن تلك القرارات والتوصيات تبقى حبيسة الأدراج وحبرا على ورق في أحسن الأحوال.

كما تطرق البس إلى علاقة الناشر العربي بإدارة معارض الكتب العربية، وقال «إن الناشرين العرب يشعرون بالغضب حيال ذلك، وكرامتهم تنتهك، لأن بعض إدارات المعارض تتعامل وكأنها قيادة لمعسكر وليس لفعالية ثقافية». لكنه أشاد بمعرض الشارقة وعزا ذلك إلى وجود حاكم مثقف ومستنير وقارئ فيها، منوها بأن الناشرين يشتكون من الارتفاع المضطرد لرسوم الاشتراك في هذا المعرض، ومعربا، في الوقت نفسه، عن أمله في أن تبحث إدارات المعارض في الوطن العربي، عن مصادر تمويل أخرى لسد نفقاتها المتزايدة. وحول واقع النشر الإلكتروني في الوطن العربي، قال البس: «إن كنا لم نفلح في الصناعات الورقية، فعلنا سنفلح بالتحدي المستقبلي على الصعيد الإلكتروني». وتوقع أن يتجاور الكتاب الإلكتروني مع نظيره الورقي لسنوات طويلة.

واقع مستجد

يرى الناشر ماهر كيالي، مدير المؤسسة العربية للدراسات والنشر، أن واقع النشر في العالم العربي يجب أن يأخذ في الاعتبار أن النشر الالكتروني قادم على المشهد العربي في سياق تطور صناعة النشر، وإن كان الكتاب الورقي لا يزال هو السائد في الوطن العربي. ويقول: «المشاكل التي نعانيها كناشرين لا تزال قائمة منذ ثلاثين سنة، وهي مليئة بالتجارب التي لم يتغير فيها شيء، ومن بينها مشاكلنا مع الرقابة، ومشاكلنا مع إدارات المعارض والارتفاع المستمر في الأسعار».

كما اعتبر كيالي أن عمر الدار يلعب دورا كبيرا في رواج كتبها، فالمؤسسة العربية للدراسات والنشر عمرها في هذه المهنة أربعون سنة، فقد تأسست عام ‬1969 ، فضلا عن المشاركة المستمرة في معارض الكتب العربية والعلاقات التجارية الوثيقة القائمة مع المكتبات والموزعين، حيث أصبح للدار علاقات تجارية راسخة في كل بلد، وهذه العلاقة ممتدة عبر الزمن، ما يعطي الكتاب طابع استمرارية وديمومة، ففي الإمارات هناك موزعون تتعامل معهم المؤسسة على مدار السنة، وفي السعودية، وفي كل الوطن العربي كذلك. ومن هنا فإن الذي يرى الصورة من الخارج يلمس أن المؤسسة تصل للقارئ بسهولة، حيث يقول كيالي: «الكثير من المؤلفين يصرحون بأنهم يتعاملون معنا لأننا موزعون جيدون، علما بأنه ليس لدينا جهاز تسويقي خاص، صحيح أن عملية تسويق الكتب وترويجها تحتاج إلى مؤسسة في يومنا هذا، إلا أننا نستعيض عن ذلك بالمشاركة المستمرة في المعارض، فهي التي تثبت حضورنا على الساحة العربية بشكل أساسي، مع وجود مكتب لنا في الأردن ومكتب في بيروت أيضا، ما يسهل علينا الوصول للقارئ، فالأردن قريبة من الضفة الغربية والعراق والخليج، ولبنان قريب من كل العالم، لان هناك سهولة في الشحن».

وأما عن ثلاثية القارئ الناشر المؤلف، وحول من يتحمل مسؤولية تصاعد حدة أزمة القراءة أو وصول الكتاب إلى القارئ، فإن مدير المؤسسة العربية للدراسات والنشر يرى أن كل طرف من أطراف هذه الثلاثية يتحمل جانبا من تلك المسؤولية، فالقارئ يتحمل مشاكل التعليم والبيئة وتدني مستوى الدخل والفقر، والناشرون، كونه يلجأ الكثير منهم أحيانا إلى مواضيع خفيفة ويجعل مفهوم الكتاب مفهوم غير حضاري يدخل وجدان القارئ، فهناك كتب خفيفة مثل كتب الشعوذة وكتب السحر والتنجيم والطبخ. كما يتحمل بدوره( الناشر) عبء ابتكار أفكار جديدة، سواء كان روائيا أو شاعرا، ففي جميع الأحوال يجب أن يكون مثقفا أو مطلعا على ثقافات أخرى، ويبرز اليوم ضرورة الالتزام بالعناية باللغة الأجنبية لمعرفة ما يحدث في الغرب .

لم تدخل المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بعد، معترك النشر الإلكتروني بالمعنى الحقيقي للكلمة، لكن كيالي أكد أن هناك عروضا من «غوغل» بهذا الخصوص، حيث قامت الدار بإعطاء محرك البحث بعض الكتب، وهناك شركات محلية تتعامل معها الدار في ميدان النشر الإلكتروني مثل شركة «المنهل». وهي شركة أردنية إماراتية، لكن ما زالت التجارب في البدايات، لاسيما في ظل وجود مخاوف حقيقية من عمليات القرصنة في هذا المجال، حيث يقول كيالي: «لقد علمنا بأن الكثير من كتبنا الالكترونية موجودة على مواقع الكترونية في القاهرة وغيرها، وقد قمنا بالدخول إليها، فالقارئ لم يعد ينتظر أن يصله الكتاب من عمان أو بيروت، فيقوم بتحميل الكتاب من الموقع مباشرة، فتجربتنا مريرة في هذا المجال».

إطلاق الحريات شرط

يؤكد الدكتور جابر عصفور، رئيس المركز العربي للترجمة، أن الناشر العربي لا يزال على مستوى الطموح أقل بكثير من مستوى الواقع، وذلك لسبب بالغ البساطة، وهو أن الحرية في المجتمعات العربية مقلصة سياسيا واجتماعيا. ولهذا لا يمكن أن تزدهر حركة نشر فيها إلا إذا أطلقت الحريات بشكل حقيقي، بعيدا عن أغراض الدعاية، ولهذا السبب ستظل هناك مسافة بعيدة تفصل بين واقع حركة النشر وبين المأمول فيه. وحول معوقات النشر على مستوى العالم العربي، أوضح عصفور أنه تبرز الحاجة إلى ما يسمى في الاقتصاد: الاعتماد المتبادل، حيث هناك بلاد غنية بالثروة وهناك بلاد غنية بالعقول، فلماذا لا تزدوج حركة العقل مع حركة الثراء. وأضاف: «أعتقد أن واقع النشر في العالم العربي سيزدهر في ظل هذه المعادلة، فإذا أخذنا على سبيل المثال مشاريع الترجمة سنجد أن أغلب من يقومون بها هم في واقع الأمر من البلدان الأقل بناء وثراء، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: لماذا لا يتم التعاون مع المؤسسات الموجودة في الدول الأخرى، والتي لا تمتلك هذه الثروة؟ فهذا الأمر لا يحدث بالمستوى الكافي. كذلك لماذا لا تقيم تونس أو سوريا مثلا مشروعات مشتركة مع مصر في حركة الترجمة بالقدر الكافي؟ يلاحظ هنا عدم وجود اعتماد متبادل بين الشعوب العربية على المستوى الاقتصادي، حيث يقول الناشر ماهر كيالي:( إن الناشرين كانوا يطبعون في السبعينات ثلاثة آلاف نسخة، بينما أصبحنا نطبع حاليا ألف نسخة فقط، رغم تزايد عدد السكان وزيادة دخل الفرد). من المفروض أن تكون وسائل التثقيف قد زادت بدورها أيضا، في حين تراجعت القراءة وذلك ربما بسبب التلفزيون، لكن لماذا لم يحدث هذا في الغرب، حيث هناك التلفزيون والسينما والانترنت، ومع ذلك ليس عندهم هذا التراجع الثقافي الذي نعيشه، وأعتقد أن السبب الرئيسي للتراجع الثقافي هو التخلف، وأن ثلاثية القارئ المؤلف الناشر، لا تتفاعل ولا تشع إلا في مناخ يتمتع بالحريات السياسية والاجتماعية وحق الاختلاف الفكري والديني بلا تمييز بين الناس، إلى جانب الاعتماد المتبادل في الجانب التمويلي، فضلا عن تبني مشروعات قومية بهدف تقوية فعل القراءة، ونحن لدينا في مصر برنامج« القراءة للجميع»، فلماذا لا يتعاون العالم العربي في ما أسميه ( الترجمة للجميع) ؟» وتابع عصفور حديثه بهذا الشأن: «لا بد أن هناك دعما في هذا المجال يمكنه تشجيع القراءة وفروعها على جميع المستويات، كأن يصار إلى تحديد أسبوع للقراءة في العالم العربي، حيث يتم تقديم الكتاب للقارئ ليس فقط بثمن مغر، وإنما يجب أن يكون هناك إغراءات أخرى، مثل إجراء مسابقات للقراءة يتم خلالها تقديم عشرة كتب مجانا وإعطاء جوائز مغرية، وبهذه الطريقة يمكن زيادة أعداد القراء، ما يؤدي في النتيجة النهائية إلى تغيير في استعداد القراء أنفسهم للقراءة، أما المؤلف فيجب إنصافه.

وأعتقد أن أهم انجازات المركـــز القومـــي للترجمـــة في مصر هو إنصاف المترجـــم، حيـــث لا يمكن صنع نهضة في الترجمة في ظل إهدار حقوق المترجـــم أو الكاتــــب، في حين يعيش الكاتـــب الأوروبـــي من دخل كتــاب واحد، فإذا أخذنا رواية «الخيميائي» لباولو كويلو، سنجد أنها جلبت له أرباحا هائلة، وكذلك الكاتبة الهندية التي ألفت «رب الأشياء الصغيرة»، التي قالت إنها حصلت من وراء هذه الرواية على نحو ‬10 ملايين دولار.

شروط

الناشر جهاد أبو حشيش، مدير دار «فضاءات» الأردنية، تحدث عن المؤسسة الرسمية ومدى مسؤوليتها عن تردي واقع النشر في الوطن العربي، وما هو مشروعها اتجاه تنمية توجه القارئ للقراءة نفسها، حيث قال:

«عندما نعلم أن نصيـــب الفـــرد في العـــالم العربي ‬6 دقــائق من القـــراءة، فهـــذا يعني أن المناهـــج أو التوجــــه الرسمــــي أو التوجـــه الخـــاص لا يمكنهــــا أن تــــؤدي، في ظـــــل الظـــروف الاقتصاديــــة القائمــــة، إلى نقلـــــة نوعيـــــة على هـــذا الصعيد.

أما عندما نتحدث عن علاقة الناشر بالمؤلف، فلا بد من التدقيق بطبيعة النص المنشور إذا كان يجيب عن أسئلـــة القــــارئ، وذلك أن النص الذي لا يحمل أسئلة القارئ ولا يحاول الإجابــــة عنها، لن يكون ذا بال بالنسبة له.

وكذلك مصداقيـــة الناشر ضرورية للقارئ تبعا لنوعية الكتب التي تقدمها هذه الدار أو تلك، وإذا ما كانت تقدم مادة دسمة أم خفيفة أو حتى مجرد عناوين براقة لجذبه إلى ساحتها وخداعه. لكن العلاقة بين الكاتب والناشر والقارئ لا تشكل وحدها الحلقات المكونة لفعل القراءة، فهناك حلقة مفقودة في العالم العربي تتمثل بالوكيــــــل الأدبي أو مدير الأعمال، حيث أحاول بصفتي ناشرا أن أعوض هذه الحلقة المفقودة».

وأضاف أبو حشيش: «شخصيا أقوم بدور الوكيل الأدبي ومدير أعمال للكاتب ، بحيث أعمل على ترويج النص والاسم حتى يصبح معروفا لدى القارئ التواق أصلا لمعرفة ذلك، وللاطلاع على ما سيقــــرؤه. ونحن بحاجـــة إلى فضائيات ثقافية حقيقيــــة جادة، توصل الكتاب إلى القارئ مع أنها موجودة في كافـــــة المجـــالات الهابطــــــة. ويمكن القول إن هناك حالة عامة من التردي في الدعم الذي تقدمه المؤسسات الرسمية في مجمل الدول العربية لقطاع النشر، ما جعل الناشــــر عاجزا عن اختيار النص الجيـــد والأصيل بسبب ارتفاع كلفته، وكذلك المؤلف الذي يصبـــح غير قادر في هذه الحالة على تمويل كتابـــه لأن مستوى الإقبال على الكتب ضعيف».

طباعة Email