مدارات تاريخية

اتفاقية دايتون.. إنقاذ ما يمكن إنقاذه من البوسنة

صورة

بعد أكثر من ثلاث سنوات من حرب البوسنة التي شهدت أبشع المذابح ضد المسلمين، وقعت في الحادي والعشرين من نوفمبر عام 1995اتفاقية دايتون للسلام بالأحرف الأولى، وكان أطرافها الثلاثة جمهورية البوسنة والهرسك وجمهورية كرواتيا وجمهورية يوغوسلافيا. وشهد على الاتفاق القوى الكبرى التي ظلت في حالة «فرجة» على ما يتعرض له المسلمون على يد الصرب طوال 40 شهرا تقريبا هي عمر الحرب.

فقد قتلوا ربع مليون مسلم معظمهم من الأطفال والنساء والعجائز، وشردوا أكثر من مليوني شخص ، وارتكبوا أبشع مذابح القرن العشرين على الإطلاق بشهادة وكالات الأنباء الغربية التي أكدت أن ماحدث على سبيل المثال في مدينة سربينيتشا المسلمة لم يكن له مثيل في العصر الحديث. سحقت الحرب 475 قرية، ولحق الدمار بـ 61 مدينة من بينها العاصمة سراييفو.

وكان العالم وبالتحديد الولايات المتحدة التي نصبت نفسها الراعي الأول لشؤون العالم، يشاهد ويتابع ولايفعل شيئا لإنقاذ أرواح الأبرياء. من هنا يمكن القول ، بأن اتفاقية دايتون، أبرمت لإنقاذ ما يمكن إنقاذه حتى لا يصبح الأمر وصمة عار للمجتمع الدولي لا يغفل عنها التاريخ.

باختصار، اندلعت شرارة الحرب والعدوان على مسلمي البوسنة، لمجرد أنهم قرروا الاستقلال عن يوغوسلافيا كما فعلت جمهوريات أخرى كانت تخضع للاتحاد اليوغوسلافي الذي ظل متماسكا طوال حكم الزعيم الراحل تيتو.

كان الهدف من العدوان هو النيل من المسلمين من خلال حرب إبادة وتطهير عرقي كما ظهر خلال سنوات الحرب. فمعظم سكان البوسنة من المسلمين، إذ يشكلون أكثر من النصف. وهم من البوشناق، أي من أصول يوغوسلافية اعتنقوا الإسلام خلال حكم الإمبراطورية العثمانية.

وباقي السكان من الصرب (مسيحيون ارثوذوكس) والكروات (مسيحيون كاثوليك). كانت الحرب بين المسلمين والصرب الذين دعمهم دكتاتور يوغوسلافيا ومجرم الحرب الراحل سلوبودان ميلوسيفيتش. أما الكروات فقد كانوا يلعبون على الحبلين، وان كانوا اختاروا طريق الاستقلال عن يوغوسلافيا.

وبرعاية الولايات المتحدة ، انطلقت مسيرة المفاوضات من 1 إلى 21 نوفمبر 1995 في قاعدة رايت بيترسن الجوية قرب مدينة دايتون الأميركية. وترأس الوفود المشاركة كل من الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش من الجانب الصربي، والكرواتي فرانجو تودمان والبوسني علي عزت بيغوفيتش .

وجاءت اتفاقية دايتون بنصوص غير مرضية للمسلمين ولكن وقتها قال الرئيس البوسني الراحل عزت بيحوفيتش أن اتفاقا غير منصف خير من استمرار الحرب. ونصت الاتفاقية على خمسة عناصر رئيسية هي:

- الالتزام بوحدة أراضي البوسنة.

- تقسيم البوسنة إلى قسمين أحدهما ذات طابع فيدرالي للمسلمين والكروات والثاني جمهورية للصرب.

- يحصل المسلمون والكروات على ثلثي مقاعد البرلمان، والثلث صرب.

- الحكومة المركزية هي المسؤولة عن السياسة الخارجية وقضايا المواطنة والهجرة.

- عودة اللاجئين الذين شردتهم الحرب.

يحكم البوسنة طبقا للاتفاق- مجلس رئاسي بدلا من رئيس واحد. ويضم المجلس 3 رؤساء احدهم يمثل المسلمين وآخر الكروات ويتم انتخابهما من قبل سكان اتحاد البوسنة والهرسك اي فيدرالية المسلمين والكروات. أما الثالث فهو صربي ينتخبه سكان جمهورية الصرب.

ومدة المجلس الرئاسي 4 سنوات ويتولى أعضاؤه الثلاثة الرئاسة بالمداورة لمدة 8 أشهر لكل منهم، فيترأس كل منهم البلاد مرتين. ولايمكن القول بأن اتفاقية دايتون ضمنت للبوسنة الاستقرار الدائم . كما أن فصولها مازالت مفتوحة، خاصة فيما يتعلق بجرائم الحرب التي حصدت أرواح الأبرياء من المسلمين.

بطل هذه الجرائم السفاح رادوفان كراديتش زعيم صرب البوسنة الذي أحيل إلى محكمة جرائم الحرب الذي ظل مختفيا على مدى 13 عاما. وكان مطلوبا للمحكمة منذ عام 1995مع مساعده السفاح راتكو ملاديتش الذي لا يزال مختفيا. واعتقال كراديتش وتسليمه لمحكمة لاهاي كان احد الشروط المفروضة على صربيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

هذا السفاح متهم بقتل الآلاف من المسلمين في بلدة سربرنيتسا في يوليو من عام 1995. وزعم خلال مثوله في لاهاي أمام محكمة جرائم الحرب أنه توصل إلى اتفاق مع السفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة ريتشارد هولبروك ومهندس اتفاق دايتون للسلام في نهاية حرب البوسنة يتضمن انسحابه من الحياة العامة مقابل عدم محاكمته. وأضاف أنه نفذ الجزء الخاص به من الاتفاق ولكن ذلك يشكل حاليا خطرا على حياته قائلا «أنا قد أتعرض للتصفية لأني نفذت تعهداتي..إن ذراع هولبروك الطويلة قد تطوله داخل المحكمة».

وبالفعل ، هولبروك متهم من قبل شخصيات قانونية دولية بإعطاء وعد لكاراجيتش بعدم تسليمه لمحكمة جرائم الحرب مقابل انسحاب الأخير من الحياة العامة. وهذا الاتهام وجهه فلورينس هارتمان الناطق السابق باسم المدعية العامة السابقة للمحكمة كارلا دل بونتي.

تقديم كاراديتش للمثول أمام محكمة جرائم الحرب ليس بالكافي. هذا ما يراه رئيس مجلس الرئاسة فى البوسنة حارث سيلاديتش .فالمحاكمة ليست كما يقول - تعويضا عما حدث، لأن هذا السفاح مارس الإبادة الجماعية والتطهير العرقى، ولابد من حكم رادع ضده.

إضاءة

توفى الرئيس البوسني المسلم المناضل علي عزت بيجوفتش عام 2002 عن عمر يناهز 78 عاما. كان مدافعا عنيدا عن الشخصية الإسلامية لبلاده. وسجن بعد الحرب العالمية الثانية من قبل أنصار الزعيم الشيوعي جوزيف تيتو لعضويته في جماعة نخبة قومية تدعى الشباب المسلم.

وفي عام 1970 كتب بيجوفتش «الإعلان الإسلامي» والذي فسرته السلطات الشيوعية السابقة في يوجوسلافيا على أنه دعوة لإنشاء دولة إسلامية أصولية في البوسنة والهرسك. ووضع بيجوفتش ثانية في السجن لمدة تسع سنوات عام 1983 على يد الحكام الذين جاءوا بعد تيتو لاتهامه بتدبير انقلاب، لكنه أطلق من سجنه عام 1988. بعد ذلك بعامين أصبح رئيسا للبوسنة. وشخصية محورية خلال الصراع عندما حوصرت العاصمة سراييفو لسنوات من قبل قوات صرب البوسنة.

حسن صابر

تعليقات

تعليقات