الأخطاء الطبية.. يدفع ضريبتها المرضى

الأخطاء الطبية.. يدفع ضريبتها المرضى

الحديث عن أخطاء الأطباء أمر يؤسف له لكن لا ينبغي السكوت عليه، وهذا ليس تقليلاً من شأن الطبيب، بل لأن أخطاء الأطباء لا تقبل النقد أو الاستئناف، ولأن الخطأ قد يكلف المريض حياته أو يورثه عجزاً يعاني منه ما تبقى من عمره، وكل شيء قد يقبله الإنسان، حتى على مضض إلا صحته التي ينبغي الاتجاه إلى المزيد من التشدد للحفاظ عليها عبر تطبيق معايير الجودة الشاملة.

فما ذنب المريض الذي ينسى الطبيب «فوطة» الجراحة في أحشائه ولا يكتشف أمرها إلا بعد أن يشعر المريض بمغص وآلام مبرحة ويخضع للأشعة مرات عدة لمعرفة أن شيئاً غريباً بداخله نسيه الطبيب بعد أن أغلق الجرح. وهل يعقل أن يخطئ طبيب بارز في تشخيص ورم ويقول إنه بواسير، وما ذنب سيدة قد تفقد حياتها لأن طبيباً كبيراً استأصل كليتها السليمة بدلاً عن المريضة.

أحد الأطباء الكبار يؤكد: «نعترف ونقر بأننا نمارس مهنة في غاية الخطورة وأخطاؤها في غاية الضرر. فقد يفقد مريض حياته أو يصاب بالعجز الدائم نتيجة لخطأ أو إهمال طبي». ويلقي الطبيب بالمسؤولية على الدولة والمجتمع عدم الأخذ بجدية كافية مسألة إعداد الطبيب للممارسة «فالمهنة دائماً متطورة وتستعين يوماً بعد آخر بمزيد من التقنيات المعقدة وكل تقنية تضيف مخاطر جديدة».

ورأى أن من عيوب المهنة التنافس بين الذين يمارسونها وتخريج أطباء يعوزهم التدريب ينطلقون في المجتمع لكي يكتبوا وصفات طبية غالباً تحتوي على أدوية مضادة لبعضها.

في الولايات المتحدة التي تعد من أكثر الدول تقدماً في العلاج الطبي يشكو تقرير أميركي من استمرار ارتكاب الأخطاء الطبية. يقول التقرير «تعاني صناعة الطب من فشل يدعو للأسى إزاء وضع الضوابط القانونية لتلك الأخطاء». وأنحى باللائمة على القوانين الحديثة التي تجعل من الصعب على المريض المتضرر أن يلجأ إلى العدالة. ورأت أنه بدون مساندة القانون يجد المريض نفسه عاجزا عن اللجوء إلى العدالة لأخذ حقوقه.

وكشف التقرير أنه في أقرب حادثة تم تغريم طبيب المسالك البولية ستيف آش، وهو جراح من مستشفى مركز بيلور الطبي في جرين فاين بولاية تكساس، لارتكابه خطأ خطيراً باستئصال كلية سليمة لمريض بدلاً من الكلية المريضة. وأعرب التقرير عن غضبه لأن الغرامة المالية لم تتجاوز ال3 آلاف دولار أميركي ثمناً لكلية المريض السليمة، وقد بات المريض يعاني من آلام نفسية وتداعيات صحية خطيرة.

ورأت دراسة صادرة عن هارفرد حول الممارسات الطبية الخاطئة أن الخطأ الطبي يعود للأمور التالية:

ـ عدم القيام بالتشخيص في الوقت المناسب، وكذلك الخطأ في تقويم الحالة المرضية.

ـ الخطأ في وضع خطة سليمة لإجراءات العملية.

ـ استخدام خطة غامضة في التشخيص.

ولعل من أسوأ الحوادث التي تتسبب في إصابات خطيرة هي الناجمة عن التعامل مع حالة المريض وليست بسبب حالة المريض الصحية. ولعل من أسوأ الحالات تلك الناجمة عن وجود خطر جراحي كان بالإمكان تفاديه.

استخدمت الدراسة عينات عشوائية خاصة ب30 ألف حالة لمرضى وقعوا ضحايا الأخطاء الطبية. وتحدثت الدراسة بدقة عن 1110 أخطاء طبية وقعت في 51 مستشفى تم انتقاؤها كعينات عشوائية من ولاية نيويورك. وتحدثت الدراسة عن أخطاء منها 58 في المئة جراحية بينما نسبت 6,27 في المئة من الأخطاء بسبب الإهمال. وقال التقرير إن هناك الكثير من الأخطاء الطبية والإصابات التي يمكن الحيلولة دون حدوثها. وتاليا بعض العوامل التي يمكن أخذها في الاعتبار:

مسؤولية الطبيب ـ المريض

يلاحظ أن استمرار الطبيب بالعمل لفترات طويلة يلعب دوراً خطيراً في التسبب بارتكابه أخطاء طبية قد تودي أحياناً بحياة المريض أو تجعله عاجزاً طوال حياته. وتحقق بعض الدراسات الآن في تأثير الحرمان من النوم في ارتكاب تلك الأخطاء الجراحية. ورأت تلك الجهات أن عمل الطبيب لمدة 100 ساعة في الأسبوع من شأنها أن تسفر عن وقوع أخطاء قد تسفر عن وفاة مرضى.

وهناك أخطاء ناجمة عن سوء النظام الطبي المعمول به في إدارة المستشفى. ولاحظت الدراسة أن معظم الأطباء الذين يقعون في أخطاء يتعرضون لضغوط يمارسها أطباء كبار فضلاً عن وجود أخطاء في خطط الرعاية الطبية، ومعظم هؤلاء الأطباء ينتمون إلى فئة أطباء الرعاية الأولية للمريض. وهو ما يؤدي إلى تحميلها جهدا أكبر نحو المرضى.

ويلعب أيضا نقص الممرضات وضعف الخبرة لدى أخريات في التسبب في أخطاء طبية وفي هذه المرة تنحصر الأخطاء في الإهمال وسوء تقدير حالة المريض وعدم إعطائه الدواء في الوقت المناسب. كما أن ضعف الخبرة يؤدي إلى تدني مستويات العناية.

وحسب تقرير صحافي نشرته صحيفة «شيكاغو تريبيون»، فقد توفي 1720 مريضا في المستشفيات الأميركية وتضاعفت الحالة المرضية للعشرات من المرضى بسبب قلة خبرة الممرضات أو نتيجة الأعباء الثقيلة التي توكل للممرضة التي يمكن أن تعمل لساعات طويلة.

وتشير إحصائية إلى أن ما لا يقل عن 7 آلاف مريض لقوا حتفهم في العام 1993، نتيجة لوصفات طبية خاطئة، ومسؤولية من يتحمل المسؤولية هنا معقدة للغاية ويحملها على عاتقه الطبيب الذي وصف الدواء ومن قام بصرف الدواء والأشخاص المكلفون برعاية المريض. وتكشف الإحصائية عن أن 682 طفلاً أدخلوا المستشفيات في المملكة المتحدة بسبب وصفات طبية كان من بينها 441 وصفة خاطئة.

ومن الأخطاء الشائعة

ـ وصف أدوية تتسبب في إلحاق الضرر بالكلية والكبد.

ـ وصف أدوية لمرضى قبل أن يتأكد الطبيب بأنهم يعانون من أمراض الحساسية.

ـ استخدام المصطلح الدوائي الخاطئ وارتكاب خطأ في كتابة الأسماء المختصرة للأدوية.

ـ ارتكاب خطأ في تحديد حجم الجرعة الدوائية.

ـ وصف جرعات مضاعفة الكمية للمريض.

من يتحمل المسؤولية

قال تقرير من القاهرة، وهو بعنوان «أخطاء الأطباء.. من يدفع الثمن»؟! إن السنوات الأخيرة شهدت أخطاء قاتلة من الأطباء حتى في أكبر المعاهد والمراكز الطبية، الأمر الذي يطرح بصورة ملحة قضية المسؤولية عن الأخطاء التي تودي بحياة مرضى ومن المسؤول عن متابعة تنفيذ العقوبات التي حددها القانون؟!

وألمح التقرير إلى اعتراف كبار الأطباء بتدني المستوى عند كثير من الأطباء وتوقف التعليم المستمر للطبيب، وتجاهل التدريب لحديثي التخرج. وتابع التقرير يقول إن «نقابة الأطباء» (المصرية) تصرخ من الأعداد الغفيرة التي تقبلها كليات الطب، خاصة الجامعات الخاصة، دون الاهتمام بالمستوى التعليمي.. وأكدت النقابة أنها لا تحمي المهملين من الأطباء، بل تدافع فقط عن شرف المهنة.

الأخطاء الطبية لا تميز بين الدول المتطورة والنامية

حدوث الأخطاء الطبية لا يميز بين دول متطورة وأخرى نامية، لكن بالنتيجة، المريض وحده من يدفع الضريبة وغالباً ما تكون حياته هي الثمن. فلقد تعرض عدد كبير من مرضى السرطان، الذين يتم علاجهم في إحدى المراكز الأميركية، إلى اشعاعات بنسبة 50% أقوى من المفترض أن يتلقوها.

وصرح مصدر مسؤول إن 77 مريضاً يعانون من هذا الخطأ في حين أن 12 مريضاً آخر قد توفي. ولقد صرح مدير مركز موفيت للأبحاث وعلاج أمراض السرطان، بأن «بعض المرضى عانوا من ردود فعل جانبية، لا تختلف عن العوارض العادية التي يعاني منها مرضى السرطان».

وأضاف: «يتطلب ظهور أعراض جانبية كالصداع، تراجع النطق أو الذاكرة من ثلاثة أشهر إلى سنة. وختم قائلاً: «إننا نتحمل مسؤولية هذا الخطأ، الناتج عن خلل في الجهاز»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات