شخصيات

أحمد بن ظبوي.. مدرسة في حب العلم ومكارم الأخلاق

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

فجع الوسط التربوي والاجتماعي بوفاة الشيخ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن ظبوي الذي انتقل إلى رحمة الله فجر أمس الأول ووري الثرى أمس الأحد، وسبب رحيله صدمة لطلابه الذين تتلمذوا على يديه، ونهلوا من علومه المختلفة خاصة في مادتي اللغة العربية والرياضيات، وحرص رحمه الله على تدريسها الطلاب عقب عودته من المملكة العربية السعودية.

حيث غادر دبي في عام 1951 أو قبل ذلك بعام أو عامين حسب ما قاله لنا ولده عبد الرحمن، واستقر في مكة المكرمة 12 عاما طلباً للعلم وحباً في المعرفة، وأكمل ذلك في تعليم الكثير من أبناء مكة المكرمة، ثم عاد في عام 1963 إلى دبي ليعمل في المعهد الديني الذي أسسه الشيخ محمد نور سيف، كموجه أول في العلوم الدينية. وكان قبل ذلك يدرس في الكتاتيب ومعه عدد من رواد التعليم في الدولة مثل الشيخ محمد بن يوسف الشيباني والشيخ سعيد الخوري والشيخ عبدالله بوملحة والشيخ محمد بوملحة، والشيخ أحمد بن شبيب والشيخ إبراهيم النيار والشيخ عبد الرحمن الريس، وغيرهم من المدرسين الذين قضوا معظم عمرهم في هذه المهنة، كذلك كانت أمه عائشة بنت محمد الحثبور تدرس القرآن الكريم وقد تربى على يدها الكثير من الطلاب والطالبات، بعضهم اليوم في مناصب كبيرة.

ذكريات لا تنسى

في منزل العزاء بمنطقة الممزر بدبي التقينا بابنه الوحيد عبد الرحمن الذي حدثنا عن ذكرياته مع أبيه وقال: «منذ الطفولة وأنا لا أغيب لحظة عن ناظريه، بل وعندما كنت أسافر للدراسة او لمهمة عمل، كان هناك التواصل المستمر، كان بالأمس عبر الرسائل البريدية التي كانت الوسيلة في تلك الأيام، او مع ظهور التقنية الحديثة حيث أصبح التواصل عبر الهاتف، وحقيقة كان بيني وبينه ألفة ومودة ومحبة، ولعل مرد ذلك كوني وحيد الأب والأم.

وبعد فقدانه أرى اليوم في والدتي شمسة بنت محمد الأمل والرجاء، ومن ذكرياتي معه انه كان يحب الرحلات، وكان يومها مدير المعهد الديني الابتدائي الشيخ عمر عبيد الماجد هو المشرف على رحلات المعهد والوالد هو من يقوم بالطبخ، وكان المدرسون يشكلون أسرة واحدة، وكان الوالد حريصاً على أن يأخذني معه.

أيضا اذكر أن الوالد عندما ذهب إلى مكة المكرمة في بداية الخمسينات من القرن الماضي، وطلب فيما بعد من والدتي أن تذهب إليه لتأدية فريضة الحج، ذهبت معها ومعنا بعض الأصدقاء المقربين، كانت الرحلة شاقة ووصلنا إليها بعد عناء طويل، يومها حدثنا عن مشاق السفر في تلك الفترة، حيث كان كثير السفر من مكة المكرمة إلى دبي، ففي الشتاء كان يسافر إلى مكة المكرمة، وفي القيظ يأتي لزيارتنا، وبعد عودته في عام 1963 عاد إلينا ولم يغادر الدولة بعد ذلك نهائيا، ونادرا ما يقوم بزيارة إلى عمان هو وأصدقائه، ولكنه رحمه الله لم يركب طائرة في حياته حتى سفره إلى السعودية كان عبر البر والبحر.

الايام الاخيرة

ويقول عبد الرحمن: توفي الوالد وقد ناهز الخامسة والثمانين عاما، وكان في أيامه الأخيرة يعاني من تأثير نفسي بسبب دخول الوالدة المستشفى، وقد امتنع عن الأكل لأكثر من 15 يوما، باستثناء كوب من الحليب والماء، ولم تفد محاولاتنا معه حتى وافته المنية.

كان رحمه الله إنسانا هادئا يحب الصمت، وهو لا يتحدث إلا إذا سئل، ويجيب على قدر السؤال، وبالرغم من ذلك كان يستقبل أصدقاءه من الرعيل الأول ويحرص على الجلوس معهم، ومن أصدقائه وطلابه الذين حرصوا على زيارته في الأعياد والمناسبات، الشيخ عبدالله بن راشد والشيخ محمد بن خليفة بن عبيد، وعبد الوهاب كبتن ومرشد الشحي، ومنهم من كان حريصا على زيارته كل يوم اثنين.

المربي الفاضل

الأستاذ بلال بدور المدير التنفيذي لشؤون الثقافة والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، قال في شهادته عن الراحل الشيخ احمد بن ظبوي: «عرفت الشيخ أحمد بن عبد الله بن ظبوي مربيا فاضلا ومدرسا للغة العربية، في وقت مبكر عندما كنا ومجموعة من الزملاء ندرس في المرحلة المتوسطة، كنا أنا وحمد الشيباني وإبراهيم بو ملحة والسيد محمد عبد الرحمن الهاشمي وغيرنا من الزملاء، ندرس تحت يدي الشيخ الفاضل تغمده الله برحمته، ذكرياتنا كثيرة مع هذا الشيخ الجليل.

فهو الأب والمعلم والإنسان الذي يغرس في نفوس الأطفال معنى حب التعلم، بدون أن يكون غليظا او قاسيا أو أن يستعمل العصا، كان إذا نسي أحد الطلاب حفظ الدرس أو لم يقم بواجبه، كان يطلب منه أن يحط رأسه على الطاولة، ثم يبدأ بتذكيره بأنه عليه أن يأتي في اليوم التالي وهو حافظ لدرسه، وكما كان رحمه الله أستاذا فاضلا ومدرسا حريصا على إقامة العلاقة الودية بينه وبين طلابه، كانت أمه عائشة تدرس القرآن الكريم وقد تربى على يدها الكثير من الطلاب.

ومنهم اليوم في مراكز ومناصب كبيرة، لذلك تربينا نحن من هذا الأستاذ الجليل الكثير من مكارم الأخلاق، كذلك أذكر ان بعد تقاعده من التعليم، أتجه الى العمل كمأذون وكان يخط بيده البيانات الزواج، فهو الى جانب كونه مدرسا في اللغة العربية، كان أيضا خطاطا وصاحب خط جميل، وكم كان جميل أن يكرم في يوم العلم، من قبل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمة الله عليه، وبالمناسبة هو من ألقى كلمة المدرسين والعلماء، وكانت كلمة قوية حملت في طياتها معاني كبيرة حين قال: «سمو رئيس الدولة انه لفخر عظيم لنا معشر رجال التربية أن نقف أمامكم في عيد العلم يوم تكريم الشباب في عيدهم، إنها لفتة لها أعظم الأثر في نفسي ونفوس إخواني رجال التربية والتعليم».

قدوة بنت الاجيال

قال د. حمد الشيباني مدير عام دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في كلمته: «قبل أن يكون معلما كان أباً ترك في قلوبنا مثالا للقدوة التي بنت الأجيال، هو من آخر الرعيل الذي تحمل الكثير..كان رحمه الله رجلا تربويا علم أجيال هم اليوم من بناة الوطن، ولهم بصمات واضحة في كل مكان من ربوع هذا الوطن الغالي».

رواد الرعيل الأول

وقال الكاتب الأستاذ علي عبيد: «بوفاة المرحوم الشيخ أحمد بن ظبوي تكون مسيرة التعليم في الإمارات قد فقدت واحدا من الرعيل الأول الذي أخذ على عاتقه مسؤولية التأسيس للتعليم النظامي في مرحلة بدايات النهضة العلمية والحضارية في دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد كان الشيخ أحمد بن ظبوي رحمه الله من أوائل أبناء الإمارات الذين تلقوا تعليمهم في كل من مدرستي الفلاح والأحمدية وتخرج منهما ليمارس مهنة التعليم فيهما حيث درس على يديه عدد كبير من الطلاب، ثم سافر إلى مكة المكرمة طلباً للعلم وحباً في المعرفة حيث مكث هناك 12 سنة عاد بعدها إلى دبي ليعمل في المعهد الديني الذي أسسه المغفور له الشيخ محمد نور سيف رحمه الله.

وقد تشرفت بتلقي العلم على يديه في المرحلة الابتدائية، فلم يكن رحمه الله مجرد معلم وإنما كان لي ولجيلي الذي تعلم منه الكثير والدا وموجها ونموذجا للمعلم الذي لا يقتصر دوره على إلقاء الدروس، وإنما يتعداه إلى الأخذ بيد الطالب إلى دروب الحياة الصحيحة والقويمة التي تصنع منه رجلا وتعده للمستقبل رغم صغر سنه.

رمز ذهبي

كان رحمه الله رمزا من رموز الجيل الذهبي من رواد التعليم الذين أسسوا مدرسة للتعليم في مرحلة كان التعليم فيها يشهد بداياته وتوضع لبناته الأولى، لذلك عمل هو والمعلمون الأوائل من جيله على غرس حب العلم في نفوس أبنائهم وتلاميذهم، فلم تكن المدرسة في عهدهم مكانا لتلقي العلم فقط، بقدر ما كانت بيئة مثالية لتلقي علوم الحياة وفن التعامل معها، في عصر لم يكن قد عرف بعد الوفرة المادية التي تلت ظهور النفط وقيام الدولة، لذلك كان الجيل الذي تعلم على يد المرحوم الشيخ أحمد بن ظبوي ورفاقه الأوائل هو الجيل الذي قامت على يديه أركان الدولة وتأسس بنيانها الذي نشاهده اليوم يقف عملاقا شامخا لا تهزه الرياح والأزمات والمحن.رحم الله الشيخ أحمد بن ظبوي رحمة واسعة، وجزاه خيرا قدر ما قدم لهذا الوطن وأبنائه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

معلم الأجيال والمربي الفاضل

الشيخ أحمد بن عبد الله بن ظبوي من مواليد دبي في منطقة المطينة عام 1924 م، درس في مدرسة الفلاح عام 1929 م ، وتخرج منها عام 1956 م، والتحق بمدرسة الأحمدية عام 1957، مارس مهنة التعليم في المدرسة الأحمدية ، وقد درس على يديه عدد كبير من الطلاب ومنهم على سبيل الذكر: جمعة الماجد، راشد الماجد، أحمد بو رحيمة، كما درَّس في مدرسة الفلاح وكان من طلابه في هذه المدرسة: سيف بن سعيد بن غباش، سعيد النابودة، خليفة النابودة، وغيرهم من الطلاب.

واستقر في مكة المكرمة 12 عاما طلباً للعلم وحباً في المعرفة، وأكمل ذلك في تعليم الكثير من أبناء مكة المكرمة، ثم عاد في عام 1963 إلى دبي ليعمل في المعهد الديني الذي أسسه الشيخ محمد نور سيف، كموجه أول في العلوم الدينية، وكان قبل ذلك يدرس في الكتاتيب ومعه عدد من رواد التعليم في الدولة مثل الشيخ محمد بن يوسف الشيباني والشيخ سعيد الخوري والشيخ عبدالله بوملحة والشيخ محمد بوملحة، والشيخ أحمد بن شبيب.

أجيال ناجحة اجتماعياً تتخرج من مدرسة بن ظبوي

رحل العالم المربي احمد بن ظبوي تاركاً بصمته العلمية والتربوية في مدرستي الفلاح والأحمدية وقد تخرج فيها العديد من الطلاب الذين أصبحوا اليوم من الأسماء اللامعة اجتماعياً.

وتعد مدرسة الفلاح إحدى أربع مدارس قديمة في دبي منها: المدرسة السالمية ومدرسة السعادة والمدرسة الأحمدية (دبي)، أسسها تاجر اللؤلؤ المعروف الشيخ محمد علي رضا زينل في عام 1927 للميلاد في منطقة بر دبي.

ولمزيد من الفائدة نذكر أن «الشيخ محمد علي رضا زينل» زار مدينة دبي في وقت سابق على ذلك ووقف بنفسه على مدى احتياج البلاد لنشر العلم وإنشاء المدارس. لذلك أسَس مدرسة الفلاح المذكورة ببر دبي. في عمارة(1) الشيخ المّر بن حريز والد الشيخة حصة بنت المر.

ويقع مكانها حالياً بجانب مبنى وزارة المالية في بر دبي. وكانت عبارة عن أرض واسعة مسورة بحائط يشغل واجهتها بناء أرضي مستطيل مقسم إلى دكاكين بأبواب وشبابيك كثيرة يستغلّ عمارة للبيع والشراء.

جميل محسن

طباعة Email